المنبر اليمني
من الاستجابة الطارئة إلى الاستقرار الاقتصادي قراءة في الدور السعودي في دعم اليمن منذ 2015
فضاء حر

من الاستجابة الطارئة إلى الاستقرار الاقتصادي قراءة في الدور السعودي في دعم اليمن منذ 2015

فارس النجار

فارس النجار

مستشار اقتصادي بمكتب الرئاسة

19 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

برز الدور السعودي بوصفه أحد أهم عوامل التوازن النسبي في الاقتصاد اليمني منذ عام 2015، ليس فقط من حيث حجم الدعم، بل من حيث تنوّع أدواته واستمراريته. فقد جمع هذا الدور بين الدعم النقدي، وتمويل الواردات، والاستجابة الإنسانية، والتدخل التنموي، ودعم الخدمات العامة، في مسار تراكمي حال دون الانهيار الكامل، وأبقى الاقتصاد اليمني في نطاق "الصمود الممكن" بدل السقوط الحر.

 

لم تكن الحرب التي اندلعت في اليمن عام 2015 حدثًا سياسيًّا أو عسكريًّا معزولًا عن الاقتصاد، بل شكّلت صدمة اقتصادية مكتملة الأركان، أصابت في وقت واحد المالية العامة، والنظام النقدي، والتجارة الخارجية، والخدمات الأساسية، ومستوى معيشة السكان. وخلال سنوات قليلة، انكمش الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بأكثر من النصف، وتوقفت أهم مصادر النقد الأجنبي، وتآكلت القدرة الشرائية للمواطن إلى مستويات غير مسبوقة، وأصبح أكثر من أربعة أخماس السكان معتمدين بشكل مباشر أو غير مباشر على المساعدات الإنسانية.

في هذا السياق شديد الهشاشة، برز الدور السعودي بوصفه أحد أهم عوامل التوازن النسبي في الاقتصاد اليمني منذ عام 2015، ليس فقط من حيث حجم الدعم، بل من حيث تنوّع أدواته واستمراريته. فقد جمع هذا الدور بين الدعم النقدي، وتمويل الواردات، والاستجابة الإنسانية، والتدخل التنموي، ودعم الخدمات العامة، في مسار تراكمي حال دون الانهيار الكامل، وأبقى الاقتصاد اليمني في نطاق "الصمود الممكن" بدل السقوط الحر.

كبح الانهيار وضمان الأمن الغذائي

مع توقف الصادرات النفطية، التي كانت قبل الحرب تمثل ما يزيد عن 70% من موارد النقد الأجنبي، واجه الاقتصاد اليمني فجوة حادة في ميزان المدفوعات قُدّرت بما بين 4 و5 مليارات دولار سنويًّا، في اقتصاد يعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 90% من احتياجاته الغذائية. هذا الاختلال البنيوي انعكس مباشرة على سعر الصرف، حيث تجاوز الدولار في بعض الفترات 2900 ريال يمني، وارتفعت معدلات التضخم الغذائي إلى مستويات قاربت 45% سنويًّا، ما أدى إلى تآكل سريع في الدخول الحقيقية، وارتفاع معدلات انعدام الأمن الغذائي.

وفي مواجهة هذا الواقع، شكّلت الودائع والدعم النقدي السعودي أحد أهم أدوات كبح الانهيار النقدي. ففي عام 2018، أودعت المملكة العربية السعودية مبلغ 2 مليار دولار لدى البنك المركزي اليمني، خُصص لتمويل استيراد السلع الأساسية وفق آلية الاعتمادات المستندية. هذه الوديعة لم تكن مجرَّد دعم ماليّ مباشر، بل أدّت دورًا اقتصاديًّا مزدوجًا: فمن جهة، وفّرت مصدرًا مستقرًّا للنقد الأجنبي لتمويل الغذاء والدواء، ومن جهة أخرى خفّفت الضغط على سوق الصرف، وحدَّت من لجوء المستوردين إلى السوق الموازية.

وبحسب بيانات البنك المركزي، موّلت هذه الآلية واردات غذائية أساسية بمليارات الدولارات، وأسهمت في خفض أسعار بعض السلع بنسبة تراوحت بين 15 و25% مقارنة بالأسعار السائدة خارج إطار الاعتمادات، كما ساعدت في تحقيق استقرار نسبي لسعر الصرف في فترات حرجة. ومع تعزيز هذا المسار بدعم إضافي، بلغ إجمالي ما قدمته المملكة لدعم البنك المركزي اليمني بين 2012 و2025 نحو 3 مليارات دولار. ورغم أن هذا الدعم لم يكن حلًّا جذريًّا للأزمة إلا أنه كان حاسمًا في منع الانهيار النقدي الكامل، ومنح الاقتصاد هامش بقاء في أكثر مراحله هشاشة.

إلى جانب البعد النقدي، كان الدعم الإنساني السعودي عنصرًا مركزيًّا في حماية رأس المال البشري، الذي يُعد أحد أهم مقومات أي تعافٍ اقتصادي لاحق. فمنذ عام 2015 وحتى منتصف يناير 2026، قدمت المملكة عن طريق خطط الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة، ومركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية، دعمًا تجاوز 3.8 مليارات دولار، أي: ما يقارب 18% من إجمالي التمويل الدولي المنفّذ لليمن خلال الفترة نفسها. وتبرز أهمية هذا الرقم عند مقارنته بحجم العجز التراكمي في تمويل الخطط الإنسانية، الذي تجاوز 16.8 مليار دولار نتيجة تراجع التمويل الدولي وانشغال العالم بأزمات أخرى.

الدعم الإنساني السعودي وأثره التنموي

اقتصاديًّا، لم يكن هذا الدعم الإنساني محايد الأثر، فقد أسهم في منع انهيار الطلب الغذائي في سوق يعاني من فقر واسع النطاق، وخفّف من الضغوط التضخمية على أسعار الغذاء، خاصة في المناطق المحررة، وساعد الدعم الصحي في تقليص الكلفة الاقتصادية للأمراض وسوء التغذية التي كانت ستفرض أعباء إضافية على الأسر وعلى ما تبقى من قدرات النظام الصحي. وبذلك، مثّل الدعم الإنساني تعويضًا جزئيًّا عن غياب الدخل النقدي في اقتصاد فقد جزءًا كبيرًا من وظائفه ومصادر رزقه.

غير أن السنوات الأولى للحرب أظهرت بوضوح أن الإغاثة وحدها، رغم ضرورتها، لا يمكن أن تشكّل مسارًا مستدامًا للاستقرار. من هنا بدأ التحوُّل التدريجي في طبيعة الدعم السعودي نحو التدخُّل التنموي المنظَّم. فقد مثَّل إطلاق البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في مايو 2018 نقطة تحول نوعية، حيث انتقل التركيز من سدِّ الفجوات قصيرة الأجل إلى معالجة اختناقات هيكلية في الاقتصاد.

حتى نهاية عام 2025، موّل البرنامج ونفّذ أكثر من 265 مشروعًا تنمويًّا بإجمالي تمويل تجاوز 2.2 مليار دولار، شملت قطاعات حيوية مثل الطاقة، والمياه، والصحة، والتعليم، والنقل، وبناء قدرات المؤسسات الحكومية، وغطّت ما يقارب 14 محافظة يمنية. هذه المشاريع لم تكن ذات طابع إنشائي فحسب، بل استهدفت تخفيض كلفة الخدمات الأساسية على الأسر والمنشآت، وتحسين كفاءة البنية التحتية التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي اليومي.

انعكاسات الدعم السعودي على كلفة المعيشة

في قطاع الكهرباء، أسهمت المشاريع والمنح في تقليص الاعتماد على المولدات الخاصة ذات الكلفة المرتفعة، وانعكس ذلك على كلفة الإنتاج والخدمات. وفي قطاع الطرق، أدى تحسين الربط بين المحافظات إلى خفض كلفة النقل، وهي كلفة كانت تشكِّل أحد العوامل غير المرئية في تضخم أسعار السلع. أما في قطاع المياه، فقد أسهمت المشاريع في تقليص الإنفاق الأسري على شراء المياه، وهو إنفاق كان يستنزف نسبة كبيرة من دخول الأسر الفقيرة.

وفي قراءة أعمق للأثر الاقتصادي للدعم السعودي، لا يمكن إغفال انعكاساته المباشرة على كلفة المعيشة، وهي المؤشر الأكثر حساسية لدى المواطنين. ففي اقتصاد يعاني من تراجع الأجور الحقيقية وغياب شبكات الحماية الاجتماعية، يصبح أي تدخُّل يخفّف من تقلُّبات الأسعار أو يحدُّ من صدمات العرض عامل استقرار اجتماعي بقدر ما هو اقتصادي. وقد أسهمت المنح النفطية ودعم قطاع الكهرباء، على وجه الخصوص، في كبح الارتفاع الحادِّ في كلفة الطاقة التي تشكل مدخلًا أساسيًّا في تسعير الغذاء والنقل والخدمات.

وتشير التقديرات إلى أن كلفة الكهرباء والطاقة كانت ستشهد زيادات تفوق 60% في بعض المناطق خلال فترات الذروة لولا المنح النفطية والدعم التشغيلي المقدَّم لمحطات الكهرباء. هذا الأثر غير المباشر انعكس على أسعار السلع والخدمات، وحدَّ من انتقال الصدمات الخارجية إلى المستهلك النهائي. كما أن استقرار إمدادات الوقود خفّف من اختناقات النقل، وأسهم في تحسين انسيابية حركة السلع بين المحافظات، وهو عامل غالبًا ما يُغفل في التحليلات السطحية للتضخم.

من زاوية أخرى، ساعد الدعم السعودي في الحفاظ على حدٍّ أدنى من الثقة في الاقتصاد المحلِّي، وهي عنصر نفسي ومؤسسي بالغ الأهمية. ففي بيئات النزاع، لا ينهار الاقتصاد فقط بسبب نقص الموارد، بل بسبب انهيار التوقعات. واستمرار التدفقات المالية والإنسانية والتنموية بعث برسالة مفادها أن الاقتصاد اليمني، رغم هشاشته، ليس متروكًا لمصيره بالكامل. هذه الثقة النسبية أسهمت في إبقاء النشاط التجاري في حدوده الدنيا الممكنة، ومنعت هروبًا أوسع لرؤوس الأموال المحلية.

الدعم السعودي ركيزة التعافي المستدام

ومع دخول عامي 2025 و2026، اكتسب الدعم التنموي زخمًا إضافيًّا، حيث أعلنت المملكة عن حزم جديدة شملت مشاريع تنموية والتزامات حكومية بقيمة تقارب 1.9 مليار ريال سعودي، إلى جانب منح مشتقات نفطية، ودعم مباشر لقطاع الكهرباء، ومشاريع خدمية مرتبطة باستقرار المدن. ويأتي هذا الدعم في توقيت بالغ الحساسية، في ظل استمرار توقف الصادرات، واتساع فجوة التمويل الخارجي، وتراجع الدعم الدولي.

من منظور اقتصادي كلي، يمكن توصيف الدور السعودي منذ 2015 بأنه مسار متدِّرج انتقل من الاستجابة الطارئة إلى دعم الاستقرار النسبي، ثم إلى محاولة بناء مقوِّمات تعافٍ محدود. فالدعم النقدي أسهم في كبح الانهيار، والدعم الإنساني حمى الحدَّ الأدنى من رأس المال البشري، وشكّل الدعم التنموي استثمارًا في البنية التحتية للاقتصاد اليومي.

في المقابل، يبقى التحدِّي الأكبر مرتبطًا بقدرة الاقتصاد اليمني على الانتقال من الاعتماد على الدعم الخارجي إلى استعادة موارده السيادية، وإصلاح مؤسساته المالية، وتعزيز الشفافية، وتحسين إدارة الإنفاق العام. يضاف إلى ذلك أن فجوة التمويل الإنساني والتنموّي، التي تُقدّر حتى عام 2026 بنحو 17 مليار دولار، تظلُّ مؤشرًا على حجم العبء الذي لا يمكن لدولة واحدة تحمّله منفردة مهما بلغ حجم دعمها.

ومع ذلك، تُظهر الأرقام والمؤشرات أن الدور السعودي لم يكن دعمًا عابرًا أو ظرفيًّا، بل شكّل خلال عقد كامل أحد أعمدة الاستقرار الاقتصادي النسبي في اليمن، في لحظة كان فيها البديل هو الانهيار الشامل. ومن هذا المنطلق، فإن قراءة هذا الدور لا تندرج في إطار التوثيق فقط، بل في إطار فهم كيف يمكن للدعم الاقتصادي الموجّه، حين يقترن بالاستمرارية وتنوّع الأدوات، أن يصنع فارقًا حقيقيًّا حتى في أكثر البيئات هشاشة.

 

شارك هذا المقال
فارس النجار

فارس النجار

مستشار اقتصادي بمكتب الرئاسة

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد
فضاء حر

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد

أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.

محمد علي العسليمحمد علي العسلي28 أغسطس 2026
إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع
فضاء حر

إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع

الحوثي كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني، وهم الشافعية السنة، كفارٌ أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم في ثقافتهم: «كفار التأويل»!

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري22 أغسطس 2026
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري18 أغسطس 2026