يتضمن هذا الموقف طعونًا مباشرة في عدد من كبار الصحابة، وعلى رأسهم أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب -رضي الله عنهما-. وفي هذه المقالة نقدِّم قراءة موجزة لما ورد في كتاب (الفكر الحوثي شبهات وأباطيل) من افتراءات وأكاذيب عن الصحابة الكرام -رضوان الله عليهم-.
طعن الحوثيين في الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-
يُعدُّ أبو بكر الصديق رضي الله عنه أكثر الصحابة تعرضًا للطعن في الخطاب الحوثي، ووُجّهت إليه أوصاف تكفيرية عدة، منها اتِّهامه بالضلال، أو ظلم الأمة، أو إقصاء علي -رضي الله عنه-، أو أن بيعته كانت (كارثة) تاريخية، ووُصف بأنه سبب انحطاط الأمة، وأن توليه كان مخالفًا للقرآن والسنة، وتمتدُّ هذه الطعون إلى تحميل بيعته مسؤولية تراجع المسلمين في المراحل المختلفة.
وهذه الدعوى الحوثية تصطدم بما ثبت من فضائل أبي بكر -رضي الله عنه- في النصوص الشرعية والتاريخ الإسلامي؛ فقد اختصّ بصحبة النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار، وهو أوَّل من أسلم من الرجال، وأوَّل من أظهر إسلامه، وهو أحب الرجال إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد شهد له رسول الله بالجنة، وأثنى على ماله ونصرته، وقدَّمه للصلاة بالناس في مرضه، وهي من أقوى الإشارات إلى أحقّيته بالخلافة.
وامتدَّت الطعون إلى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فصُوِّر بأنه سبب الفتن أو مسؤول عن ضعف الأمة، واتُّهم بما يناقض سيرته الثابتة، مع أن التاريخ يشهد أن إسلامه كان عزًّا للمسلمين، وأن خلافته شهدت اتِّساع الدولة الإسلامية ونشر العدل واستقرار الأمة. وقد تواترت النصوص في فضله، وشهد له النبي ﷺ بالحق، وأجمع الصحابة على مكانته بعد أبي بكر -رضي الله عنه-. ومن ثم فإن هذه الطعون ليست سوى محاولة لإسقاط مرجعية الجيل الأول من الصحابة، أما النصوص الشرعية والوقائع التاريخية المتفق عليها فإنها تؤكد فضل الشيخين ودورهما في حفظ الدين ووحدة الأمة.
الطعن في أمير المؤمنين عثمان بن عفان -رضي الله عنه-
اتَّهم الحوثيون الخليفة الثالث عثمان بن عفان بأوصاف متعددة؛ فوُصف بأنه ممن “لعب بالأمة”، وشُكك في إيمانه وأمانته، وزُعم أنه أقصى علي بن أبي طالب، وطُعن في إنفاقه في سبيل الله، بل وصل الأمر إلى التشكيك في جمعه للقرآن سعيًا إلى إبطال القرآن نفسه وجعله من أعمال عثمان وليس كلام الله. وهذه الطعون تصادم سيرة عثمان المعروفة؛ فهو من السابقين إلى الإسلام، وزوج ابنتي النبي ﷺ، وقد شهد له الصحابة بالفضل.
الطعن في الزبير بن العوام وطلحة بن عبيد الله وأبي هريرة رضي الله عنهم، مع أن كثرة رواية أبي هريرة ثابتة بشهادة الأئمة، وبيّن ابن حجر أن قلة رواية عبد الله بن عمرو لها أسباب منها انشغاله بالعبادة، وبعده عن المدينة، وأن حديث «لا نورث» رواه جماعة من الصحابة. وثبت فضل أبي هريرة بدعاء النبي ﷺ له بالحفظ ومحبة المؤمنين. ونال أغلب الصحابة -رضوان الله عليهم- طعن الحوثيين وتكفيرهم إياهم، كطعنهم في أبي موسى الأشعري -رضي الله عنه- وغيره من الصحابة.
طعنهم في أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-
ذكر بدر الدين الحوثي الطعن في عائشة -رضي الله عنها- وعدم الترضي عنها، وادَّعى المبالغة في تفضيلها على فاطمة وخديجة، واتهمها بأنها ممن فرقوا الأمة. والجواب: أن الله برأها من فوق سبع سماوات، وهي زوج النبي ﷺ وأم المؤمنين وأحبّ أزواجه إليه، وقد وردت نصوص كثيرة في فضلها، كسلام جبريل عليها، ونزول الوحي في بيتها، ووفاته بين سحرها ونحرها. وكلٌّ من فاطمة وخديجة وعائشة لهن فضائل عظيمة -رضي الله عنهن-.
إن طعن الحوثيين في أغلب الصحابة وأمهات المؤمنين هدفه التشكيك في نَقَلَةِ الدين، وصولًا إلى إبطال الدين نفسه الذي وصل إلينا بواسطتهم، وهو سلوك خطير ينسف دعوة الإسلام من جذورها. وقد رد العلماء هذه الشبهات ببيان عدالة الصحابة وفضائلهم، وأن ما وقع بينهم كان عن اجتهاد وتأويل، والواجب نشر مناقبهم وتعظيم مكانتهم، فهم حملة الشريعة ونقلة السنة، وبهم وصل الدين محفوظًا إلى الأمة -رضي الله عنهم أجمعين.-