هذه المرحلة تُعَدُّ واحدة من أخطر مراحل التجريف العقدي والثقافي في تاريخ اليمن، فالمعركة اليوم ليست مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل معركة وجودية تستهدف الهوية الوطنية اليمنية الضاربة في جذور التاريخ وتخطط لاستئصالها، واستبدالها بنموذج "ولاية الفقيه" الإيراني بصبغة سلالية محلية بالاتكاء على "خرافة الولاية" كمرتكز عقدي يسعى إلى شرعنة الكهنوت الطائفي بقداسة دينية مزيفة.
يشهد اليمن منعطفًا تاريخيًا هو الأخطر في مسيرته المعاصرة؛ لأن الحرب التي تشنها ميليشيا الحوثي لا تقتصر على الجانب العسكري والسياسي فحسب، بل تمتد لتستهدف "العقل اليمني"، وعقيدته، وهويته الوطنية، ونسيجه المجتمعي، وتسعى إلى توطين فكرها، ونشر طقوسها، وإحياء خرافاتها وأهمها عندها "خرافة الولاية"، وإعادة إنتاج نظام "الإمامة" الكهنوتي، مستغلةً حالة الانقسام والشتات داخل مكونات الصف الجمهوري.
هذه المرحلة تُعَدُّ واحدة من أخطر مراحل التجريف العقدي والثقافي في تاريخ اليمن، فالمعركة اليوم ليست مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل معركة وجودية تستهدف الهوية الوطنية اليمنية الضاربة في جذور التاريخ وتخطط لاستئصالها، واستبدالها بنموذج "ولاية الفقيه" الإيراني بصبغة سلالية محلية بالاتكاء على "خرافة الولاية" كمرتكز عقدي يسعى إلى شرعنة الكهنوت الطائفي بقداسة دينية مزيفة.
ماذا يجب أن يفعله اليمنيون لمواجهة الخطر الحوثي؟
1. المثقفون والناشطون
على المثقفين والناشطين تحليل الخطاب الحوثي الذي يستخدمه في تثوير العامة وتزييف الوعي، وتفكيك الروايات التي يطرحها أولًا بأول، وكشف زيفها وخطرها، إضافة إلى تبني مشاريع توعية وبناء معرفي يحصن العقل اليمني، ويكسبه قوة الحجة والاعتزاز بذاته، وبتاريخه، وهويته الدينية والوطنية.
2. العلماء والخطباء والدعاة
لابد أن تقوم منابر المساجد بدورها الدعوي والتربوي، فهي محاضن وعي ومَصدّات علمية ومعرفية تكشف وتفند ما ينشره الحوثي ويبثه من خطاب منحرف مضلل، مع التأكيد على قيم الوحدة والتسامح والتعايش والسلام والمساواة، ونبذ العنصرية، وإسقاط مفاهيم خرافة الولاية والتمييز الطبقي المرتكز على نظرية ادعاء الحق الإلهي في السلطة والثروة، وتوضيح المفاهيم الإسلامية والرواية التاريخية توضيحًا علميًا يحول دون تزييفها، وحراستها من الأكاذيب، وحمايتها من محاولة تفسير النصوص وأحداث التاريخ بمنهج منحرف. والاعتماد في هذا على المصادر الموثوقة، وتجنب التفسيرات المتطرفة أو المنحرفة.
ويقع على عاتق العلماء والدعاة وكافة حملة مشاعل التنوير والهداية والمعرفة مهمة تشجيع الشعب اليمني على التفكير النقدي، وعدم قبول الروايات أو المعلومات دون التحقق من صحّتها، والبحث عن مصادرها الموثوقة وإثباتاتها بطرق البحث المتعددة.
وينبغي تفعيل الحوار المباشر مع من تأثروا بالأفكار والدعاية الحوثية المبثوثة في وسائط ومنصات التواصل ووسائل الإعلام المختلفة؛ لأن الحوار من أنجع وسائل إيصال الحقائق، وكشف التدليس، وإقامة الحجة.
وعليهم استثمار كافة المجالات المتاحة للقيام بواجبهم وأداء رسالتهم، ويشمل ذلك:
أولًا: المجال التربوي والتعليمي.
ثانيًا: المجال الدعوي والمنابر.
- يمكن للمنابر أن تلعب دورًا فعالًا في تصحيح المفاهيم وتفكيك الخطابات المتطرفة وذلك على النحو الآتي:
- التركيز على القيم الإسلامية السمحة، والتأكيد على قيم الرحمة والتسامح والمساواة والعدل التي يدعو إليها الإسلام، ونبذ الغلو والتطرف والتمييز.
- تفنيد الخطابات التكفيرية، وشرح النصوص الدينية في سياقها الصحيح، وتوضيح حرمة التكفير والتعدّي على حقوق الآخرين، وتعزيز ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.
- ربط الدين بالواقع وتوجيه الخطاب الديني لمعالجة قضايا المجتمع والأفراد ومشكلاتهم بوسطية، وتقديم حلول عملية تعزز التنمية والتعايش المشترك.
ثالثًا: منصات التوجيه والتوعية الرقمية:
تمثِّل المنصات الرقمية أداة قويَّة للوصول إلى شرائح واسعة من المجتمع، خاصة الشباب، ويمكن استغلالها في:
- إنتاج محتوى هادف وجذّاب: تقديم فيديوهات قصيرة، ورسومات توضيحية، ومقاطع صوتية (بودكاست)، تتناول قضايا الفكر والعقيدة، والوعي، والهوية الوطنية، والقيم الإنسانية بأسلوب مبتكر ومؤثر.
- تأسيس منصات للتحقق من المعلومات: رصد الشائعات والأخبار الكاذبة التي تروج لها الخطابات المتطرفة، وتفنيدها بالأدلة والحقائق، وتوعية الجمهور بأساليب التضليل الإعلامي.
- دعم المؤثّرين الإيجابيين: تشجيع الشباب والموهوبين على إنتاج محتوى يعزز القيم الدينية والوطنية والإنسانية، ويوفِّر بدائل للخطابات المتطرفة التي تنتشر على المنصات الرقمية.
رابعًا: برنامج العمل الميداني للمؤثرين
لا يقتصر دور المؤثرين على الفضاء الرقمي، بل يجب أن يمتد إلى العمل الميداني المباشر من خلال:
- قوافل الوعي الميدانية: تنظيم زيارات وفعاليات للمناطق الريفية والمخيمات والمناطق المتضررة لتقديم الدعم المعنوي والتثقيفي للسكان، وتعزيز الروابط الدينية والاجتماعية والوطنية.
- مواجهة التجريف الثقافي بالبدائل الإيجابية: دعم التقاليد والموروثات الثقافية المحلية وتوظيفها في تعزيز الهوية الوطنية المشتركة، وتقديم فعاليات وأنشطة فنية وثقافية تجذب الشباب وتنمِّي القيم والحسم الوطني.
- دعم الرموز الوطنية والإنسانية: الاحتفاء بالشخصيات الوطنية والإنسانية التي قدمت إسهامات في بناء اليمن وتعزيز وحدته، وتسمية المؤسسات والمراكز بأسمائهم لتعزيز الذاكرة الجمعية، وتوفير قدوات إيجابية للأجيال.
3. المؤسسات التعليمية
1. المدرسة تُعدُّ خط الدفاع الأول في بناء الوعي، وهنا تبرز أهمية دور المعلم كقدوة ومربٍّ واعٍ. وقد استطاع المدرس اليمني طوال عشر سنوات من القمع الحوثي أن يقدم لليمن أسطورة صمود وطنية، حيث بقي حارسًا أمينًا على الهوية والعقيدة الصحيحة والتاريخ، وهو بلا راتب ولا مستحقات. ويجب تعزيز صمود المعلّم بكل الوسائل المتاحة ليستمر في أداء رسالته التربوية وواجبه الديني والوطني في مدرسته، يحرس العقيدة، ويقدم دورس التاريخ الوطني، ويسلط الضوء على الإرث الحضاري والثقافي المشترك لليمن، بما يعزز الانتماء للوطن ويحمي الجيل من الأفكار التي تسعى إلى تفتيت الهوية الوطنية، وتعرَّض خلال ذلك لصنوف القمع والإهانة والإذلال من جماعة الحوثي الإرهابية وعصابته.
2. تعديل المناهج بما يتناسب مع المتغيرات والمعركة المحتدمة اليوم مع الكهنوت الحوثي، وإثراء الكتاب المدرسي بمحتوى معرفي يحمي الطلاب ويحصّنهم من الشبهات والانحرافات ومحاولات الاختراقات الطائفية والكهنوتية، إضافة إلى حماية وصون الموروث العلمي والتاريخي من التحريف، سواء كانت متعلقة بالقرآن الكريم وتفسيره، أم بالحديث النبوي والسيرة النبوية، أم بالتاريخ الإسلامي واليمني، أم بالرموز اليمنية والإسلامية، مع إبراز النماذج الإيجابية، والتعريف بالشخصيات التاريخية والمعاصرة التي تمثل اليمن بقيمه الدينية والوطنية والحضارية.
3. العمل على دعم وتفعيل التعليم المنزلي الداعم، وتوجيه الآباء إلى كيفية تفنيد الأفكار الضالة والمعلومات المضللة التي حشاها الحوثيون في الكتاب المدرسي أو في الخطاب والمناشط المدرسية. وهناك يمكن إنتاج مقاطع مرئية ومسموعة كاشف لكل ما بثه الحوثي من سموم فكرية في المناهج.
4. تفعيل الأنشطة وتكثيف المسابقات الثقافية والرياضية التي تحافظ على العقيدة الصحيحة والرواية التاريخية نقية من الدَّسِّ والتزوير الحوثي، وتعزز التفكير الإيجابي والانتماء الوطني.
5. الدعوة إلى وضع استراتيجية تعليمية شاملة، وفي مقدمتها تخصيص كتب مدرسية تتضمن أنشطة معرفية وسلوكية مختلفة، تعالج رواسب العنصرية، ودعاوى الكهنوت والتطرف والإرهاب الطائفي، وتغرس في الطالب منهجًا وسطيًّا معتدلًا؛ لتكون مخرجات التعليم صالحة ونافعة كي تستأنف بناء وطنها على أسس سليمة، وتحميه من الفتنة والضلال والطائفية والإرهاب.
4. الإعلام والثقافة
على المؤسسات الإعلامية الرسمية التي تقع في إطار مسؤولية وزارة الإعلام والثقافة أن تضع استراتيجية إعلامية وطنية لتفعيل كافة تلك الفعاليات والأدوار التي ذكرناها سابقًا، وتعمل على انتظامها في إطار مشروع وطني إعلامي يتميز برسالة إعلامية واحدة متسقة ومتكاملة وغير متناقضة؛ لأن الوزارة تمتلك سلطة إعلامية وقوة قرار كونها مسنودة بالدولة، وصولًا إلى إنشاء غرفة عمليات إعلامية وثقافية موحدة، تضم ممثلين من الفاعلين في المجال الثقافي والدعوي والتربوي والإعلامي. والغاية من ذلك تنسيق العمل، وتبادل وجهات النظر، والتعاون الكامل على تحقيق الأهداف والاستمرار في ذلك حتى استعادة مؤسسات الدولة وتحرير صنعاء.
5. المبادرات المجتمعية
في إطار الصراع المحتدم اليوم بين الشعب اليمني من جهة ودعاة الضلال والكهنوت الإمامي من جهة يجب أن تسعى الجهات المعنية بالوعي وحراسة الهوية إلى تنظيم فعاليات ومبادرات مجتمعية لتعزيز الوعي ومواجهة خطاب الكراهية والانقسام، والتصدي لأفكار الولاية والخرافة الإمامية.
وينبغي أن تحمل المبادرات المجتمعية على عاتقها مشروعًا مجتمعيًّا ووطنيًّا، يرسّخ المصالحة بعيدًا عن الثأر والانتقام والعنف الدموي في حال انتصر اليمنيون واستعادوا صنعاء والمحافظات التي تحتلّها ميليشيا الحوثي.
6. المؤثرون وصناع المحتوى
الاستمرار في إنتاج محتوى متجدد يتوزّع على محتوى مرئي وصوتي يقوم بمهمة كشف التلاعب الحوثي بالتاريخ وتزوير السرديات، والافتراء على الموروث الديني، وتشويه الرموز الدينية والوطنية والاجتماعية. والإسهام في تعزيز التلاحم المجتمعي والوحدة الوطنية، وفكرة التنوع المجتمعي والجغرافي كقوة لليمن، ونبذ أي محاولات لفرض الأفكار الدخيلة، وتنمية ملكة التفكير النقدي، والتمسك بقيم الإسلام للإسهام في بناء مجتمع مستقر ومزدهر.
7. الأمن الفكري ركيزة الدولة والمجتمع
تتطلَّب مواجهة تحديات تزييف الوعي جهودًا مستدامة ومتكاملة، ترتكز على تعزيز القيم الوطنية والإنسانية، وتنمية التفكير النقدي، وتقديم بدائل إيجابية للخطابات المتطرفة، سواء الخطاب الطائفي الإمامي أم ذلك الخطاب المتطرف المرتكز على قراءة مغلوطة للدليل والنص الشرعي، وهي مهمة تقع أولًا على عاتق العلماء والدعاة والخطباء ومنصات التوجيه والوعي، معززين بمشروع قومي للأمن الفكري تصممه الدولة وترعاه وتشرف عليه، وتتشارك في ذلك مع الكيانات المجتمعية التي تعتنق فكر السلام وتحظى بموثوقية الدولة، مستلهمين تجربة المملكة العربية السعودية الرائدة في هذا المجال.

أحمد اليفرسي
مدير التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





