وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف ينبغي أن تكون عملية الخلاص من كارثة ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران؟ وما المسؤولية الملقاة على عاتق الجميع وفي مقدمة ذلك مجلس القيادة الرئاسي، والحكومة، وقيادة الجيش، والمؤسسات العسكرية والأمنية، والقوى السياسية والاجتماعية، والنخب الفكرية والإعلامية، وصناع الوعي؟
إن اليمن يقف اليوم أمام لحظة تاريخية فارقة، ومحطة مفصلية لا تحتمل إدارة الصراع بمنطق المراحل المؤقتة، أو الحسابات الجزئية، أو معالجة النتائج دون جذور الأزمة، فالمعركة ليست مجرد صراع على السلطة بين أطراف سياسية، وإنما هي معركة على بنية الدولة وهويتها، ومصدر تشريعاتها وشرعيتها، وحق الشعب في اختيار حكامه، وطبيعة النظام السياسي والاجتماعي الذي سيحدد مستقبل البلاد.
لقد آن الأوان لأن يستعيد اليمنيون، بمختلف مكوناتهم، زمام المبادرة الوطنية في مواجهة المشروع الحوثي الذي حوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات لسلطة الأمر الواقع، وأشعل نيران الفتن والحروب، واستباح الحرمات، وأهلك الحرث والنسل، وعاث في الأرض فسادًا، ودمّر مؤسسات الدولة، وأضعف الاقتصاد، وأرهق المجتمع، وتاجر بمعاناته، وحوّل اليمن إلى منصة للأذى، متعدّيًا على الأشقاء في المملكة العربية السعودية؛ خدمة لمشروع ولاية الفقيه الإيراني، وضاربًا عرض الحائط بمصالح الشعب اليمني وارتباطه بجيرانه.
وقد بات الخيار اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: إما استعادة الدولة اليمنية ومؤسساتها وسيادتها وقرارها الوطني، وإما استمرار مشروع الميليشيا القائم على فرض الأمر الواقع، وإعادة إنتاج السلطة خارج قواعد الدولة والقانون، وربط القرار الوطني بالأجندة الإيرانية.
ومن هنا، فإن الخلاص من المشروع الحوثي ليس مختزلًا في إسقاط سلطة الميليشيا عسكريًّا فحسب - رغم ضرورة ذلك وأولويته - بل يجب أن يتحول إلى مشروع وطني متكامل لإنهاء الانقلاب، واستعادة الدولة، وتحصينها من إعادة إنتاج الميليشيات، وبناء نظام سياسي يستند إلى مداميك العدل، والمواطنة المتساوية، وسيادة النظام والقانون، والشراكة الوطنية، والتداول السلمي للسلطة.
ولتحقيق ذلك، تبرز مجموعة من المعالم والمسؤوليات التي ينبغي أن تُشكل إطارًا وطنيًّا للمرحلة المقبلة:
أولًا: الانتصار العسكري شرط أساسي لاستعادة الدولة:
لا يمكن التعامل مع التمرد المسلح باعتباره خلافًا سياسيًّا عاديًّا، فعندما تسيطر جماعة مسلحة - ذات ولاء طائفي مسنود إيرانيًّا - على مؤسسات الدولة، وتفرض إرادتها بالقوة، وتحتفظ بقدرة عسكرية مستقلة عن الدولة، يُصبح إنهاء قدرتها على فرض الأمر الواقع شرطًا لازمًا لعودة السياسة إلى مسارها الطبيعي.
وعليه، فإنّ الانتصار العسكري يمثل شرطًا أساسيًّا لا غنى عنه لإنهاء الانقلاب والتمرد الحوثي، لكنه ينبغي أن يكون جزءًا من مشروع وطني متكامل، لا عملية عسكرية منفصلة عن مشروع بناء الدولة، فالغاية من بناء القوة العسكرية تكمن في استعادة احتكار الدولة للقوة المسلحة وفق الدستور والقانون.
والانتصار الحقيقي هو الذي يفتح الطريق أمام مرحلة سياسية مستقرة، ويمنع إعادة إنتاج مشاريع التمرد والانقلابات تحت عناوين جديدة، ويضع السلاح خارج المنافسة السياسية، ويعيد الاعتبار للدولة باعتبارها المرجعية الوحيدة لإدارة الشأن العام.
ثانيًا: توحيد القرار السياسي والعسكري شرط للانتصار:
إن استعادة الدولة هدف استراتيجي لا يمكن تحقيقه بقرار سياسي موزع، أو بقيادة عسكرية متعددة المرجعيات، أو بتضارب الأولويات بين مؤسسات الدولة والقوى الفاعلة على الأرض. ولذلك، فإن إحدى أهم مسؤوليات المرحلة تتمثل في توحيد القرار السياسي والعسكري والأمني، وتحديد مرجعية واضحة لإدارة المعركة وما بعدها؛ فالتعدد السياسي في إطار الدستور والتنافس المشروع ليس معضلة، بل هو جزء طبيعي من الحياة السياسية، وأما تعدد مراكز القوة المسلحة وتضارب القرار السيادي، فهو من أهم المخاطر التي تعيق بناء الدولة، وتضعف قدرتها على مواجهة التمرد.
ومن هنا ينبغي أنْ تتجه المرحلة المقبلة إلى بناء قيادة وطنية قادرة على جمع القوى المختلفة حول هدف واضح ومحدد (إنهاء الانقلاب، واستعادة مؤسسات الدولة، وتوحيد مؤسساتها العسكرية والأمنية، ثم الاحتكام إلى السياسة والقانون وفق الأطر الدستورية والمشروعة)، فالمرحلة المقبلة يجب أنْ تخلو من تعدد المشاريع المتصارعة، ليحل محلها تعدد الرؤى السياسية داخل مشروع وطني واحد.
ثالثًا: مسؤوليات المرحلة:
1 ـ مسؤولية مجلس القيادة الرئاسي والحكومة ومؤسسات الدولة:
تبدأ المسؤولية من رأس الدولة ومؤسساتها الدستورية، وذلك بتحويل التوجه نحو استعادة الدولة من شعار سياسي إلى خطة وطنية واضحة، ذات أهداف محددة، ومراحل معلومة، وأدوات تنفيذ، ومرجعيات مسؤولة.
وتتمثل الأولويات في توحيد القرار السياسي، ودعم وتوحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وتوحيد الموارد والمؤسسات الإيرادية، وتعزيز حضور الدولة في المناطق المحررة، ومكافحة الفساد والمحسوبية، وتحسين الخدمات الأساسية، وبناء مؤسسات قادرة على إدارة مرحلة ما بعد الحرب.
ومن الضروري أيضًا إعداد رؤية واضحة لما يمكن تسميته اليوم التالي، أي تصور متكامل لإدارة البلاد بعد انتهاء الانقلاب، بما يمنع نشوء فراغ سياسي أو أمني أو إداري، يُمكن أنْ يُستغل لإعادة إنتاج الفوضى؛ فالانتصار العسكري، مهما كانت أهميته إذا لم يرافقه بناء مؤسسي وإداري واقتصادي قد يفتح الباب أمام أزمات جديدة، تُعيد إنتاج أسباب الصراع بأشكال مختلفة.
2 ـ مسؤولية المؤسسة العسكرية والأمنية:
بقدر أهمية تحقيق التقدم الميداني ورفع المعنويات، تأتي أهمية بناء مؤسسة عسكرية وأمنية وطنية، يكون ولاؤها لله أولًا، ونابعًا من قيمها وهُويتها وللدولة والدستور والقانون والهوية الوطنية ثانيًا، لا للأشخاص أو المناطق أو الأحزاب.
وتتطلب المرحلة توحيد العقيدة العسكرية، وهيكلة القوات، وتحديد سلسلة القيادة، ورفع الكفاءة، وتعزيز الانضباط، وتوحيد مصادر القرار، وإخضاع السلاح لسلطة الدولة؛ فالدولة التي لا تمتلك مؤسسة عسكرية وأمنية موحدة ستظل معرضة لإعادة إنتاج الصراع، حتى بعد انتهاء المعركة العسكرية، ولهذا فإنّ بناء الجيش الوطني ليس ملفًّا مؤجَّلًا إلى ما بعد الانتصار، بل هو جزءٌ من معركة استعادة الدولة نفسها.
3 ـ مسؤولية النخب والقوى السياسية
تقع على عاتق القوى السياسية مسؤولية تاريخية في تجاوز الحسابات الحزبية والمناطقية الضيقة، وإدراك أنّ المرحلة ليست مرحلة البحث عن تقاسم النفوذ والمكاسب، بقدر ما هي مرحلة الاتفاق على كيفية استعادة الدولة أولًا، وكيفية بناء قواعد المنافسة السياسية ثانيًا؛ فالخلاف السياسي مشروع، بل هو ضرورة في أي نظام تعددي، لكن تحويل الخلاف إلى انقسام عسكري أو مناطقي أو جغرافي يمثل تهديدًا مباشرًا لمستقبل الدولة.
وعلى القوى السياسية أن تتوافق على قواعد واضحة لإدارة المرحلة الانتقالية، وأنْ تجعل التنافس على السلطة لاحقًا محكومًا بالطرق المشروعة والقانون والمؤسسات، لا بموازين القوة المسلحة.
4 ـ مسؤولية العلماء والمثقفين
المعركة ليست عسكرية فقط، إنها كذلك معركة وعي وفكرة وهوية، ولهذا يتحمل العلماء والمثقفون مسؤولية تفكيك الخطاب الحوثي الذي يبرر العنف والإرهاب، ويمنح السلاح شرعية طائفية ومذهبية، ويستغل شعارات الدين في الصراع على السلطة، ويحوّل الانتماء السلالي أو المناطقي إلى معيار للحق السياسي والامتياز الطبقي والاجتماعي.
كما تقع عليهم مسؤولية ترسيخ المفاهيم الصحيحة المتعلقة بالعقيدة، ومحاربة مفاهيم الدجل والخرافات والبدع وأنواع الضلالات، وتحقيق المواطنة المتساوية، وسيادة القانون، وحرمة الدماء المعصومة، ورفض الظلم والاستبداد.
فالمطلوب ليس فقط تحرير الأرض من سلطة الميليشيا، وإنما تحرير العقل من الأفكار المنحرفة، أو التي تبرر الظلم والاستبداد، وتُعيد إنتاجه. فالوعي الذي يسمح بإعادة إنتاج الاستبداد بعد سقوطه عسكريًّا هو وعي لم تكتمل عملية تحريره بعد.
5 ـ مسؤولية القيادات الاجتماعية والقبلية:
للقبيلة والمجتمع دور مهم في حماية السلم الاجتماعي، ومنع الثارات والانقسامات والانتقامات، وحماية النسيج الاجتماعي من التفكك والتصدعات. وعلى القيادات الاجتماعية والقبلية أنْ تستخدم تأثيرها في دعم مؤسسات الدولة، ورفض تحويل المجتمع إلى خزانات بشرية للميليشيات الحوثية، والمساهمة في المصالحات الوطنية ومعالجة آثار الحرب. ويجب أن تكون عملية الخلاص من الحوثيين خلاصًا من عودة مشاريعهم بمسميات مختلفة؛ فالمطلوب أولًا إسقاط مشروع الميليشيا، لا تحويل اليمن إلى دائرة ثأر مفتوحة بين مكوناته.
6 ـ مسؤولية الإعلام:
يقف الإعلام أمام اختبار تاريخي، ووظيفته لا ينبغي أن تقتصر على التعبئة والتحشيد - رغم أهميتهما في زمن الحرب - وإنما تمتد إلى تقديم الحقيقة، وتشكيل الوعي، ومراقبة أداء السلطة، وكشف الفساد والانتهاكات، ومواجهة الشائعات، ومنع خطاب الكراهية والتحريض الطائفي والمناطقي.
كما ينبغي أن ينتقل الإعلام من رد الفعل إلى بناء سردية وطنية متماسكة، تشرح لليمنيين جذور فتنة الحوثيين العقائدية والسلوكية، ومعنى استعادة الدولة، وما الذي يعنيه احتكار الدولة للسلاح، وكيف يمكن الانتقال من الصراع إلى الاستقرار، ومن منطق الغلبة إلى منطق المؤسسات، فالمعركة على الأرض لا تنفصل عن المعركة على الوعي، ومن يخسر معركة الوعي قد يخسر نتائج الانتصار العسكري لاحقًا.
7 ـ مسؤولية المجتمع وصناع الوعي:
لا يمكن بناء دولة مستقرة بمجتمع ينتظر كل شيء من السلطة، فالمجتمع شريك في حماية الدولة، من خلال رفضه لثقافة الميليشيا، وعدم تمجيد السلاح خارج مؤسسات الدولة، وعدم تحويل الخلاف السياسي إلى خصومة اجتماعية أو مناطقية.
كما تقع مسؤولية كبيرة على الأكاديميين والكتاب والناشطين ورجال الفن الهادف والشخصيات العامة والمؤثرين في إنتاج خطاب وطني متماسك، يعيد الاعتبار لفكرة الدولة ويجيب عن السؤال المهم: أي دولة نريد أن نبني بعد انتهاء الانقلاب ودحر التمرد؟
فإسقاط الميليشيا ليس نهاية المشروع، وإنما هو بداية السؤال الأصعب وهو كيف نبني دولة لا تسمح بتكرار المأساة التي خلفتها الميليشيات؟
الانتصار الذي يؤسس للدولة
إنّ معركة استعادة الدولة ليست معركة فئة يمنية ضد فئة يمنية، ولا معركة منطقة ضد منطقة، وإنما هي معركة الدولة ضد الميليشيا، والمؤسسة ضد الفوضى، والقانون ضد القوة المنفلتة، والمواطنة ضد الامتيازات المفروضة بالقوة.
وإذا كان السلاح ضرورة لإنهاء التمرد المسلح، فإنه وحده لا يبني دولة، فالجيش يستطيع تحرير الأرض، لكن السياسة الرشيدة والمؤسسات العادلة هي التي تحرر المستقبل. ولهذا فإنّ المسؤولية التاريخية أمام اليمنيين اليوم تتمثل في أن يجعلوا من استعادة الدولة نقطة تحول حقيقية، وأنْ يتحوّل الانتصار العسكري - بإذن الله بعد تحقيقه- إلى بوابة لبناء دولة قوية وعادلة، وقادرة على حماية مواطنيها وصيانة سيادتها.
إن اليمن يحتاج إلى تأسيس مستقبل جديد، تكون فيه الدولة هي المرجعية بنظامها المستمد من العدل في الحكم، والمواطنة المتساوية أساس الحقوق والواجبات، والوصول إلى السلطة عبر الوسائل السياسية المشروعة، والجيش مؤسسة وطنية، والسلاح حكرًا على الدولة، والقرار اليمني ملكًا لليمنيين.
وإذا نجح اليمنيون في تحقيق ذلك، فإنهم لن يكونوا قد تجاوزوا كارثة الحوثي بوصفها ميليشيا مسلحة ومؤدلجة طائفيًّا فحسب، بل سيكونون قد تجاوزوا أيضًا البيئة السياسية والاجتماعية التي يمكن أن تنتج ميليشيا أخرى في المستقبل.
وهنا فقط يصبح الخلاص حقيقيًّا، ويصبح الانتصار بداية دولة، لا بداية صراع جديد.