لقد دفع الجيش اليمني الثمن الأكبر في كل جبهة من جبهات الوطن، هناك شهيد ترك خلفه أسرة تنتظر عودته فلم يعد، وهناك جريح يحمل في جسده قصة وطن، وهناك ضابط وجندي قضيا سنوات من عمرهما في الخنادق والثغور، بعيدًا عن أسرهم وأبنائهم، مؤمنين بأنّ الدفاع عن الدولة وعن نظامها الجمهوري ليس وظيفة فقط، وإنما مسؤولية تاريخية وشرف لا يُساوم عليه، ولهذا فإن أقل ما يمكن أن نقدمه لهؤلاء الرجال هو أن نقول لهم بوضوح: إن تضحياتكم لم تذهب سدى.
لقد كان صمود القوات المسلحة والأمن في السنوات الماضية هو الحاجز الذي منع المشروع الحوثي من ابتلاع اليمن بالكامل، وهو الذي أبقى فكرة الدولة حية رغم كل محاولات إسقاطها، ولولا هذا الصمود لكان المشهد اليمني والمنطقة أمام واقع أكثر خطورة وتعقيدًا.
لقد تحمل الجيش في مراحل كثيرة عبء مواجهة مليشيا لم تكن تخوض حربًا عسكرية فقط، بل كانت تعمل على استنزاف الدولة سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، والاستفادة من كل ثغرة يمكن النفاذ منها. وفي المقابل كانت القوات المسلحة مطالبة بالصمود في ظروف بالغة الصعوبة، بينما فُرضت عليها حسابات سياسية، وقيود ميدانية، حدّت في مراحل مختلفة من قدرتها على التقدم واستكمال مهمة استعادة الدولة.
ولم يكن الأمر عسكريًا فقط، ففي الوقت الذي كانت فيه القوات المسلحة تواجه القيود على التسليح والحركة والتقدم، كانت الميليشيا تستفيد من نوافذ الهُدَن والاتفاقات لإعادة ترتيب صفوفها وتعزيز قدراتها، وتحولت فترات يفترض أن تكون طريقًا إلى السلام إلى فرص لإعادة بناء القوة والاستعداد لجولات جديدة، بل وكان المجتمع الدولي يتماهى بشكل مباشر مع الميليشيا، فحرم اليمن من تحرير أراضيه، ومن تسليح جيشه، ومن مواصلة انتصاراته، بينما سمح للمليشيات بتدفق الأسلحة إليها، وها هو العالم يدفع ثمنًا باهظًا نتيجة هذا التسامح.
لكن شيئًا مهمًا تغير اليوم، لقد أصبح العالم أكثر إدراكًا لحقيقة المشروع الحوثي، سنوات طويلة من التجربة كشفت أنّ الميليشيا ليست مشروعًا سياسيًّا يمنيًّا طبيعيًّا، وأنها لم تتعامل مع السلام باعتباره هدفًا نهائيًّا، وإنما تعاملت معه في كثير من المراحل باعتباره مساحة لإعادة التموضع، وتعزيز النفوذ والقدرات، وأصبحت صلتها بالمشروع الإيراني أكثر وضوحًا، ولم يعد من السهل تقديمها باعتبارها طرفًا يمنيًّا محليًّا يمكن اختزال أزمته في خلاف سياسي داخلي.
لقد رأى العالم ما فعلته هذه الميليشيا باليمنيين، ورأى الدماء التي سالت، والمآسي التي خلفتها، ورأى كيف يمكن لمشروع ميليشياوي إرهابي أن يتحول إلى تهديد يتجاوز حدود اليمن إلى أمن المنطقة والممرات البحرية والاستقرار الإقليمي.
وهنا تتضح مسؤولية القوات المسلحة أكثر من أي وقت مضى، فالقوات المسلحة ليست مجرد تشكيلات تحمل السلاح، وليست مجموعة وحدات تعمل في جبهات متفرقة؛ إنها المؤسسة التي تجسد سلطة الدولة عندما تكون الدولة مهددة، وتحمي حدودها، وتصون سيادتها، وتمنع تحول الوطن إلى مناطق نفوذ وساحات مفتوحة للمشاريع الخارجية.
حين تكون القوات المسلحة قوية ومنظمة وموحدة تحت قيادة الدولة، يصبح الدستور أقوى، وتصبح المؤسسات أكثر قدرة على العمل، ويصبح المواطن أكثر أمنًا، وتصبح سيادة الوطن أقل تعرضًا للابتزاز. أما حين يُترك السلاح خارج مؤسسات الدولة، فإنّ النتيجة لا تكون اضطرابًا عسكريًّا فقط، بل انهيارًا في مفهوم الدولة ذاته، ولهذا فإن إعادة بناء القوات المسلحة والأمن ليست مسألة عسكرية فحسب، بل هي واحدة من أهم مهام إعادة بناء اليمن.
لقد تعلمت القوات المسلحة خلال سنوات الحرب الكثير، تعلمت من الميدان، ومن النجاحات والإخفاقات، ومن طبيعة العدو، ومن تغير أساليب القتال، ومن أهمية التدريب والانضباط والقيادة والسيطرة، ومن ضرورة التكامل بين مختلف القدرات العسكرية والأمنية.
والجيوش لا تُبنى بالسلاح وحده، الجيوش تُبنى بالعقيدة، والانضباط، والتدريب، والخبرة، والتماسك، والقيادة، والثقة، وبوضوح الهدف الذي يقاتل الجندي من أجله. ومن هنا فإنّ ما تشهده القوات المسلحة اليوم من إعادة تنظيم، وتعزيز للقدرات، وتطوير للتدريب والتأهيل، وتوحيد للجبهات، ورفع لمستوى الجاهزية، يمثل انتقالًا مهمًا من مرحلة التعامل مع الحرب كواقع مفروض إلى مرحلة الاستعداد لاستعادة المبادرة، لقد آن الأوان أن نقرأ هذه المرحلة بعين مختلفة.
اليمن لا يقف اليوم في النقطة التي كان يقف فيها قبل سنوات، فالثغرات السياسية والعسكرية التي كانت تستغلها الميليشيا لم تعد كما كانت، والجبهات أصبحت أكثر تكاملًا، والقدرات تتعزز، والخبرات تتراكم، والوعي بطبيعة المعركة أصبح أعمق، وهذا لا يعني أنّ المعركة سهلة، ولا يعني أنّ الخصم بلا قدرة على الإيذاء، وإنما يعني أنّ الدولة وقواتها المسلحة أصبحت أكثر قدرة على فهم المعركة والاستعداد لها.
ولهذا، فإنّ اليمن اليوم مقبل على معركة الخلاص واستعادة الدولة، وهي معركة يجب أن تكون مبنية على الجاهزية، ووحدة القرار، وتكامل مؤسسات الدولة، وليس على ردود الأفعال.
إنّ استعادة المبادرة تبدأ من الداخل قبل أن تظهر في الميدان:
تبدأ من جيش أكثر تنظيمًا، ومن مؤسسات أكثر تكاملًا، ومن قيادة أكثر قدرة على توحيد القرار، ومن جندي أكثر ثقة بمؤسسته، ومن مجتمع يعرف أن انتصار القوات المسلحة هو انتصار للدولة، وأن حماية الجندي ليست مسؤولية الجيش وحده، وإنما مسؤولية وطن بأكمله.
إلى البطل المقاتل اليمني:
قد لا يسمع البعض صوتك وأنت تقف في موقعك لساعات طويلة، وقد لا يعرف البعض حجم التعب الذي تحملته، ولا عدد الليالي التي قضيتها بعيدًا عن أسرتك، ولا اللحظات التي واجهت فيها الخطر بينما كان الآخرون ينعمون بالأمان، لكن وطنك وأغلب شعبك يعرف؛ يعرف أنّ وراء كل نقطة عسكرية رجلًا يقف هناك ليمنع الخوف من الوصول إلى بيوت الناس، ويعرف أنّ وراء كل شهيد أسرة دفعت من حياتها ثمنًا غاليًا من أجل اليمن، ويعرف أنّ وراء كل جريح قصة بطولة لا يمكن اختصارها في خبر عابر.
إنّ دماء الشهداء ليست أرقامًا في سجلات الحرب، وإنما صفحات من تاريخ اليمن الحديث، ولهذا فإنّ الوفاء لهم لا يكون بالكلمات وحدها، وإنما ببناء الدولة التي استشهدوا من أجلها؛ فالشهيد الذي خرج من منزله مدافعًا عن وطنه، لم يكن يبحث عن منصب أو مكسب، وإنما كان يريد أن يعيش أبناؤه في وطن آمن، وأنْ تبقى راية اليمن مرفوعة، وأنْ يكون القرار اليمني ملكًا لليمنيين.
ومن هنا، فإنّ معركة استعادة الدولة هي أيضًا معركة الوفاء للشهداء والجرحى وأسرهم، وهي معركة الوفاء لكل أم وأب وزوجة وطفل انتظروا عودة رجل خرج لأداء واجبه ولم يعد، لكن القوات المسلحة، مهما بلغت جاهزيتها، لا تستطيع وحدها أن تحمل مشروع استعادة الدولة.
إنها تحتاج إلى دولة قوية تقف خلفها، ومؤسسات قادرة على دعمها، ونخب سياسية وعسكرية تدرك خطورة المرحلة، ومجتمع يرفض أن يكون متفرجًا على معركة مصيره. ونحتاج إلى حاضنة مجتمعية حقيقية، لا تقوم على التحريض الأعمى، وإنما على الوعي والثقة، والالتفاف حول مؤسسات الدولة.
فالمواطن هو رجل الأمن الأول عندما يحمي مجتمعه بالوعي، وهو شريك الجندي عندما يرفض الميليشيا، ويحمي مؤسسات بلاده، ويقف مع الدولة في معركتها لاستعادة القانون. كما أنّ النخب السياسية والعسكرية مطالبة اليوم بأنْ تكون على مستوى اللحظة؛ لأنّ المعارك لا تنتصر بالسلاح وحده، وإنما بوحدة الإرادة، وتماسك المؤسسات، وانسجام القرار السياسي والعسكري، وإدراك الجميع أن الهدف النهائي ليس السيطرة على مدينة أو جبهة، وإنما استعادة الدولة اليمنية.
واليوم، بينما تمر الميليشيا الحوثية الإيرانية بمرحلة صعبة، يجب ألا يكون اليمنيون أسرى الانتظار، لا ينبغي أن ننظر إلى ضعف الخصم باعتباره نصرًا تحقق بالفعل، بل يجب أن ننظر إليه باعتباره فرصة لرفع الجاهزية وتعزيز التماسك والاستعداد، فالمعركة الحاسمة تحتاج إلى رجال مستعدين، ومؤسسات حاضرة، ومجتمع واعٍ، ودولة تعرف ماذا تريد.
أيها الأبطال في القوات المسلحة والأمن: إنكم لا تدافعون عن خطوط على الخريطة فقط، أنتم تدافعون عن معنى اليمن، عن الجمهورية، عن الدولة، عن حق أطفالكم في أن يكبروا في وطن لا تحكمه الميليشيات، ولا تُفرض فيه الأفكار بقوة السلاح، ولا يكون القرار الوطني فيه مرتهنًا للخارج. ولهذا فإن ثقتكم بأنفسكم، وانضباطكم، وتمسككم بالمؤسسة العسكرية، واحترامكم للقانون، هي في حد ذاتها جزء من الانتصار.
لقد آن لليمن أن يخرج من زمن الانقسام إلى زمن الدولة، ومن زمن الدفاع عن البقاء إلى زمن استعادة المبادرة، ومن زمن انتظار الحلول إلى زمن صناعة المستقبل، إن ساعة الخلاص لا يصنعها خطاب، ولا يصنعها شعار، وإنما تصنعها إرادة وطنية تتراكم يومًا بعد يوم، وتبني جيشها، وتحمي مؤسساتها، وتوحد قرارها، وتضع هدفًا واضحًا أمامها.
والهدف واضح: يمن واحد، دولة واحدة، جيش وطني واحد، وقرار سيادي لا يصادره أحد، هذه هي الرسالة التي يجب أن تصل إلى كل جندي في موقعه: لا تظن أن سنوات الصبر ذهبت هباءً، ولا تظن أنّ تضحيات رفاقك انتهت بانتهاء معركة أو سقوط موقع، فالتاريخ لا ينسى الرجال الذين وقفوا عندما كان الوقوف مكلفًا، وسيأتي اليوم الذي ينظر فيه اليمنيون إلى هذه السنوات بكل آلامها وتضحياتها، ويقولون: لقد كان الثمن غاليًا، لكن اليمن بقي دولة، وبقيت الجمهورية، وبقي الجيش، وانتصر الوطن، إنها معركة الخلاص، نعم؛ لكنها قبل ذلك معركة الوفاء لكل شهيد وجريح، ولكل جندي بقي واقفًا في موقعه حين كان الانهيار أسهل من الصمود.
وإذا كان اليمن قد دفع ثمنًا باهظًا في سبيل استعادة دولته، فإنّ واجبنا اليوم أنْ نجعل من هذه التضحيات جسرًا إلى المستقبل، وأنْ نمنح قواتنا المسلحة الثقة التي تستحقها، ونقف خلفها، ونحميها من الانقسام، وندعم مؤسسات الدولة التي تحميها، فحين تتكامل إرادة القوات المسلحة اليمنية مع إرادة الدولة والشعب، وحين تصبح الجاهزية العسكرية مدعومة بإرادة سياسية ومجتمعية صلبة، يصبح الخلاص أقرب، وتصبح استعادة الدولة هدفًا قابلًا للتحقق لا مجرد أمنية.
وستبقى راية الجمهورية هي راية الدولة، وسيبقى الجيش اليمني حاميها، وستظل تضحيات الشهداء أمانة في أعناقنا حتى يستعيد اليمن كامل عافيته، وتعود مؤسسات الدولة إلى مكانها الطبيعي، ويستعيد المواطن حقه في وطن آمن ومستقر.
وهذه ليست معركة يوم واحد، لكنها معركة وطن كامل، والأوطان لا تستعيدها الأمنيات، وإنما يستعيدها الرجال حين تتوحد الإرادة، ويثبت الجيش، ويقف الشعب خلف دولته، وتصبح تضحيات الشهداء طريقًا إلى النصر.
لقد حان وقت أن يعرف الجميع: اليمن لم ينتهِ، والجمهورية لم تسقط، والدولة لم تمت… وما دام الجيش واقفًا، فهناك وطن يستعد للعودة.