وقد استقرت القواعد الأصولية على أن الكليات الضرورية الخمس: (حفظ الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال) لا يُمكن أن تُقام أركانها أو تُصان حرماتها إلا في ظل جماعة ائتلفت كلمتها، ودولة راعية تقيم الحد وتصون الحق؛ إذ لا قوام للمجتمع إلا بسلطانٍ يزعزع الظلم ويكف عادية الباطل، ولا قوام للدولة إلا برعية واعية تعرف للحقوق قدرها، وللواجبات حرمتها، تلزم الجماعة وتنأى عن الفوضى والفرقة.
قال الله تعالى في محكم التنزيل: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]، وجاء في السنة المطهرة قوله ﷺ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]. وهذه النصوص الجليلة تؤسس لمبدأ المسؤولية المجتمعية الكفائية؛ حيث يتوزع الواجب الشرعي والوطني بحسب القدرة والموقع والتأثير، فكل ثغر يقف عليه الفرد أو المكون هو جزء من ثغور الأمة التي يجب حمايتها.
كما تقرر في القواعد الفقهية أن «ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»، فلا يتم واجب مدافعة عدوان الباغين إلا بمواجهة شرائح المجتمع كافة له، فتصير هذه المدافعة المجتمعية إذن واجبة محتومة، و«للوسائل أحكام المقاصد والغايات».
أولًا: نازلة الانقلاب الحوثي وانتهاك الضروريات الخمس
تتأكد هذه المسؤولية الشرعية وتشتد إلحاحًا في النازلة المعاصرة التي ألمت باليمن، جراء فتنة الانقلاب المسلح الذي قادته مليشيا الحوثي على السلطة الشرعية والمؤسسات الوطنية. إن الخطر الحوثي لم يقتصر على كونه نزاعًا سياسيًا على الحكم، بل تجاوز ذلك إلى كونه مشروعًا سلاليًا باطنيًا يستهدف عقيدة المجتمع وهويته الإيمانية، ويكسر حالة التعايش والتآلف التي عرفتها البلاد عبر تاريخها، ناهيك عن ارتهانه للآراء الوافدة والمشاريع التوسعية الخارجية.
ولقد أدى هذا الخروج والبغي إلى انتهاك صارخ للكليات الخمس التي أجمعت الشرائع على حفظها:
حفظ الدين: عبر جرف الهوية الإيمانية الوسطية، وتحويل المساجد والمعاهد إلى منابر للتعبئة الطائفية، ونشر الجهل والتخلف والظلم وثقافة الغلو، والبدعة، والخرافة.
حفظ النفس: بالاعتداء على الدماء المحرمة، والقتل المباشر، وتلغيم الأرض، والزج بالصبيان في أتون المعارك.
حفظ العقل: بتسميم المناهج التعليمية بالفكر المنحرف، وغسل الأدمغة بتغييب الوعي بالفكر الطائفي الوافد.
حفظ العرض والكرامة: باقتحام الدور، وهتك الحرمات، وترويع الآمنين، وتشريد الملايين.
حفظ المال: بنهب الأموال والممتلكات الخاصة والعامة، واقتطاع الرواتب، واعتصار أموال الرعية بالجبايات المحدثة والمكوس الظالمة.
إن إضعاف مؤسسات الدولة وإسقاط هيبتها يفتح الباب واسعًا للهرج والفوضى وتسلط ذوي السلاح، وبذلك يغدو المواطن بين سطوة الظلم وغياب الأمن، ومن ثَمَّ، فإن استعادة الدولة وتثبيت أركانها ليس خيارًا فئويًا، بل هو ضرورة شرعية ومصلحة مرسلة تتوقف عليها حياة الناس وصيانة دينهم ودنياهم.
ثانيًا: التوزيع الشرعي للواجبات والمهمات المجتمعية
إذا كانت مواجهة البغي ومدافعة الفساد أمانة شرعية، فإن العبء لا يقع على كاهل المرابطين في جبهات القتال والأجهزة الأمنية وحدها، بل ينسحب على الأمة بكافة شرائحها؛ إذ لكل ثغر رجاله، ولكل ميدان أدواته:
أهل العلم والدعاة والمربون:
عليهم الواجب الأعظم في مدافعة الصائل الفكري، وتبصير الناس بحقيقة هذا المشروع المنحرف، وتفكيك شبهاته بالحجة والبرهان، استجابة لقوله تعالى: ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]. إن الأفكار الضالة لا تُصرع بالسلاح وحده، بل بالعلم النافع، والوعي الرشيد، ونشر ثقافة العدل، والتحذير من الغلو والتعصب.
الأحزاب والمكونات السياسية:
الواجب الشرعي والسياسي المؤكد عليهم هو تقديم المصلحة العامة للأمة على الأهواء والحسابات الحزبية الضيقة، وتأليف القلوب، ونبذ التنازع الذي يورث الفشل وتذهب به الريح. إن الاعتصام بالثوابت الجامعة أصلٌ قطعي، كما قال عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103].
القبائل والوجهاء والأعيان:
القبيلة رافد أصيل من روافد صيانة السلم الاجتماعي متى ما التزمت دورها الشرعي في صيانة الدماء، ومنع الثارات، وحماية الطرق، وكف أيدي السفهاء، ورفض تحويل القبيلة إلى أداة للبغي أو سلطة بديلة عن ولي الأمر والمؤسسات الرسمية.
أصحاب القلم والإعلام والتجار:
إعلاميو الأمة ومفكروها معنيون بحماية النسيج الاجتماعي من خطاب الكراهية، ونشر ثقافة لزوم الجماعة، ومقاومة الشائعات بالتثبت والتبين.
أهل الأموال والتجار: بالإسهام في التكافل الاجتماعي، وإغاثة الملهوف، ودعم الاقتصاد لتعزيز صمود المجتمع أمام الأزمات.
ثالثًا: ضوابط النصيحة ولزوم الجماعة والعدل في المواجهة
إن الشريعة الإسلامية كما دعت إلى الاعتصام ولزوم الجماعة وإسناد القيادة الشرعية لمنع الفراغ الأمني، فإنها لم تلغِ باب النصيحة والإصلاح؛ فالفرق بين مساندة أصل الولاية وتبرير أخطاء القائمين عليها شاسع.
إن إسناد الدولة لا يعني تعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا المصادرة على حق الأمة في المطالبة بالإصلاح ومحاربة الفساد، وإنما يعني أن تكون النصيحة بالتي هي أحسن، من أهلها وفي محلها، مراعية للعدل والظرف والتثبت، ومن داخل الإطار المؤسسي، دون أن تتحول إلى ذريعة للهدم أو إسقاط مؤسسات الدولة لمصلحة بدائل المليشيات المسلحة؛ إذ إن البديل عن السلطة القاصرة هو الفوضى والهرج والاحتكام للسلاح.
كما أن هذه المواجهة يجب أن تلتزم بضوابط العدل والإنصاف الشرعيين؛ فلا يُؤخذ أحد بجريرة غيره، لقوله سبحانه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8]. فالخصومة إنما هي مع الفكر الباغي والسلوك الانقلابي، والعدل واجب مع الولي والعدو على حد سواء.
رابعًا: البعد الإقليمي وواجب شكر ذوي الفضل
إن فتنة الخروج الحوثي لم تقف عند حدود اليمن، بل تجاوزتها إلى تهديد أمن الملاحة ودول الجوار، مما جعل استعادة الدولة مطمحًا إقليميًا ودوليًا.
ومن باب اعتراف الشرع بفضل أهل الفضل، وتنزيل الناس منازلهم، فإن الأمة في اليمن تثمن الدعم الأخوي والموقف الأصيل لأشقائها، وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، التي قدمت العون السياسي، والاقتصادي، والعسكري، والإنساني لنصرة الشرعية، وصيانة هوية اليمن، ودفع التمدد التدميري. وإن هذا الإسناد الأخوي يوجب على اليمنيين استثمار هذه الفرصة لتوحيد كلمتهم، ورأب الصدع في صفوفهم، والنهوض بمؤسساتهم.
والخلاصة:
إن اليمن اليوم أمام لحظة فارقة تستدعي وعيًا شرعيًا ومجتمعيًا عميقًا يعيد للأمور نصابها؛ فالدولة ليست خصمًا للمجتمع، بل هي السقف الذي يستظل به الجميع، وقوة الدولة تستمد من وعي رعاياها وتلاحم أبنائها.
إن المعركة اليوم ليست مجرد صراع على مقاعد الحكم، بل هي معركة بين مشروع الدولة والمواطنة والعدل، وبين مشروع المليشيا والطائفية والسلاح. وإن الوقوف مع المؤسسات الشرعية، ونشر الوعي الفكري، ولزوم السكينة، ومحاربة الفساد، والتكافل بين أبناء المجتمع، كل أولئك من أوجب الواجبات الشرعية والوطنية.
نسأل الله تعالى أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل طاعته، ويهدي فيه أهل معصيته، وأن يعيد لليمن أمنه واستقراره وعافيته، وأن يجمع كلمة أبنائه على الحق والعدل، إنه ولي ذلك والقادر عليه.