المنبر اليمني
الإيديولوجية الحوثية.. تضليل العوام وتشويه الخصوم
فضاء حر

الإيديولوجية الحوثية.. تضليل العوام وتشويه الخصوم

د عارف أبو حاتم

د عارف أبو حاتم

مستشار وزير الإعلام

18 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

الحوثية جماعة ثيوقراطية كهنوتية لا تدع الدين ينفك عن ممارساتها السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والإعلامية والثقافية، منطلقة من الركيزة الأكبر والأهم وهي "الولاية" المسنودة -بزعمهم- بنص إلهي لآل البيت، وهذه الفكرة تأخذنا إلى مسلك إجباري وهو الإيمان المطلق بفكرة "الاصطفاء الإلهي".

توظيف الدين لصالح السياسة

الحوثية جماعة ثيوقراطية كهنوتية لا تدع الدين ينفك عن ممارساتها السياسية والعسكرية والأمنية والاجتماعية والإعلامية والثقافية، منطلقة من الركيزة الأكبر والأهم وهي "الولاية" المسنودة -بزعمهم- بنص إلهي لآل البيت، وهذه الفكرة تأخذنا إلى مسلك إجباري وهو الإيمان المطلق بفكرة "الاصطفاء الإلهي"، وهي فكرة طبقية، استعلائية، ترى حصر الحق في الحكم والعلم والسلطة المطلقة بيد "آل البيت" ممثلين بزعيم الجماعة الحوثية عبدالملك بدرالدين الحوثي، وكل شيء صادر عنه لا يقبل النقاش، فضلًا عن الرفض، ولتمرير هذه الفكرة الإبليسية "أنا خيرٌ منه" أنتج الحوثيون مرجعيات فكرية ودينية وقبلية، وأصبغوا عليها حُلَّة مدنية وقانونية؛ لتكون بديلًا للدستور والقوانين النافذة، وحجتهم إذا بطشوا بمخالفيهم، ومن ذلك "وثيقة الشرف القبلية/أكتوبر2015"، ثم "الوثيقة الفكرية والثقافية/فبراير 2012"، ولتوقيت صدورها دلالة مهمة؛ إذ صدرت في 13 فبراير 2012 أي: قبل أسبوعين فقط من انتخاب الرئيس هادي خلفًا للرئيس صالح، بمعنى استباق العرس الديمقراطي، والتحوّل السلمي، إلى ادّعاء الحق الإلهي بالحكم، تلتها الرؤية الوطنية لبناء الدولة اليمنية الحديثة/مارس2019"، و"وثيقة التعليم في اليمن/أكتوبر 2022"، و"مدونة السلوك الوظيفي/نوفمبر2022 "، مضافًا إليها جميعًا "ملازم" المؤسس الأول للحوثية الصريع حسين بدرالدين الحوثي، ومحاضرات شقيقه عبدالملك، وكلاهما نصوص دينية متطرفة، تُحرِّض علنًا على هدم بنية الدولة، وتضلل الناس بأكاذيب دينية لا يسندها دليل قاطع، وذلك من أجل إعادة بناء المجتمع من منظور شيعي، بما يلبّي رغبات وطموحات المموّل الخارجي "إيران"، ويخضع الشعب كلية لزعيم الجماعة عبدالملك الحوثي.

 

استراتيجية التضليل الإعلامي

ينطلق الإعلام الحوثي في جميع وسائل الإعلام التقليدية والحديثة من فرضية واحدة، وهي أنها جماعة تحررية وطنية، مهمتها مقارعة وإنهاء قوى الاستكبار المحلية، والإقليمية، والعالمية، وفي المقدمة منها الهيمنة الأمريكية، وربيبتها إسرائيل؛ ولذلك وجدت في حرب غزة شماعتها المنتظرة، وحلمها الموعود لإعادة إخراج نفسها كحركة حجمها أكبر من وطنها، فكانت فلسطين هي العنوان الأبرز لأعمال وخطابات الحركة الحوثية خلال السنتين الماضيتين اللتين تزامنتا مع وجود هدنة عسكرية مع الحكومة الشرعية برعاية أممية، وهي هدنة حشرت الحوثية في الزاوية الحرجة؛ إذ لا وجود لحروب يتدثرون بها، وبالتالي عليهم مواجهة استحقاقات الشعب، ودفع رواتبه المنقطعة منذ عشر سنوات، فكانت حرب "غزة" ثلاثية المكاسب: المتنفس الكبير الذي هرب إليه الحوثي من مواجهة الشعب، والأداة الأبرز لقمع وتصفية الخصوم في الداخل، وتسويق الحوثي في الداخل والخارج كبطل أوحد واجه إسرائيل دعمًا لغزة!.

وتمثَّل الهدف الاستراتيجي الحوثي للفتك والقمع بحق الإعلاميين ووسائل الإعلام في أربعة أهداف أساسية:

- إخراج شهود العيان من مسرح العمليات.

- إلغاء حق الآخر في التعبير عن رأيه.

- إسكات كلّ صوت حرٍّ أو معارضٍ للحركة الحوثية.

- صبغ المجتمع اليمني بلون طائفي واحد.

والنتيجة خلق مجتمع يستمد أخباره ومعلوماته وتثقيفه من مصدر واحد، هو وسائل الإعلام الحوثية، وهذا يعني سيطرة الرؤية الفكرية الحوثية على المجتمع، وتبني السردية الحوثية للأحداث.

وعملت استراتيجية التضليل الحوثية على الاشتغال داخل المجال الديني، واستثمرت العاطفة الدينية تجاه فكرة "الجهاد" وتمكنت من تجنيد آلاف الأطفال والشباب وحشدهم إلى الجبهات لقتال رجال الشرعية اليمنية باعتبارهم عملاء يمنعون وصول المجاهدين إلى فلسطين، ويريدون احتلال إسرائيل لليمن.

سياسة التضليل الإعلامي

مع مرور السنوات تراكمت لدى جماعة الحوثي خبرات كبيرة في سياسة التضليل الممنهج، واستخدام الذكاء الاصطناعي، وألعاب الفيديو CGI، والمؤثرات البصرية VFX، ومقاطع الأفلام، في فبركة الصور والفيديوهات، خاصة ما يتعلّق بعملياتها العسكرية، سواء في حروبها الداخلية ضد اليمنيين، أو ادّعاءات قصف إسرائيل وبوارج وسفن أمريكية وأوروبية وإسرائيلية في البحر الحمر وخليج عدن.

وهذا التضليل لا شك أنه يؤتي ثماره ولو بالحد الأدنى، وينجح في صنع البطولات الزائفة، واستثمار العاطفة العدائية للشارع العربي تجاه إسرائيل والغرب المنحاز لها، ويمكن تمرير كثير من الأكاذيب في مجتمع أكثر من نصف أبنائه يعانون من الأمية الأبجدية، فكيف الحال بالأمية التقنية، في ظل الذكاء الاصطناعي في إنتاج الصور والفيديوهات الخادعة.

ورغم النجاح الجزئي في سياسة التضليل الحوثية إلا أن أخبار انتصاراتها وبطولاتها الكاذبة تتساقط يومًا بعد آخر نتيجة الوعي المتوفر لدى بعض الجهات، أو الأفراد الذين يجيدون استخدام التقنيات الحديثة، ويقومون بفضح أكاذيب الجماعة الحوثية، حتى نجحوا في زعزعة ثقة الشارع اليمني والعربي بمصداقيتها. ومن ذلك ادعاء قصف سفينة أمريكية ترفع علم بنما في البحر الأحمر، في مايو 2024، وإرفاق فيديو لحريقها مع صوت يهتف بالصرخة الخمينية، ليتبين بعد ساعات قليلة أن الفيديو لاحتراق سفينة حاويات قبالة سواحل سريلانكا في مايو2021. وفي 22 أغسطس 2024 نشر الحوثيون فيديو ادعوا فيه قصف حاملة الطائرات الأمريكية "إيزنهاورUSS Dwight Eisenhower "، وتبين لاحقًا أن الحاملة الأمريكية قد غادرت المياه الإقليمية قبل شهرين، وأن الفيديو المرفق هو لحريق اشتعل في السفينة الإيطالية Euroferry Olympia أثناء رحلتها من إيطاليا إلى اليونان. وفيديو آخر نشره الحوثيون في 27 ابريل 2024 زعموا أنه لحريق التهم مبنى الموساد في تل أبيب عقب قصفهم له، ثم تبين أنه حريق مبنى مستشفى في حيدر أباد الهندية في 2023. كذلك زيف ادعاء ناطق القوات المسلحة الحوثية يحيى سريع بقصف حاملة الطائرات الأمريكية "USS Harry Truman" في 16 و 17 مارس 2025، وأرفق الادعاء بصورة مزيفة، زعم أن البنتاجون التقطها عبر الأقمار الصناعية، وسريعًا تبين أن الصورة عمل فني تخيلي للمصمم الرقمي JeffHolly منشورة على منصة ArtStation.

ولم تقتصر حملات التضليل الإعلامي على التغطيات العسكرية، بل توسعت لتشمل ما تسميه الجماعة بـ"تعزيز الهوية الوطنية"، بما يخدم رؤيتها السياسية والأيديولوجية. وتُستخدم القنوات الإعلامية التابعة للحوثيين، كقناة "المسيرة" ومنصات الإذاعة والتواصل الاجتماعي، لنقل رسائل دعائية تتضمن تحفيزًا معنويًّا للسكان في مناطق سيطرتها، وإبرازًا دائمًا لثبات موقفها في دعم "القضية الفلسطينية" كجزء من خطاب أوسع يتقاطع مع مشاعر التضامن الشعبي العربي والإسلامي. اقرأ المزيد في: https://south24.net/news/news.php?nid=4654

وأظهرت دراسة تحليلية أجراها مركز "سوث24" لمحتوى وسائل إعلام حوثية؛ أن حجم المواد المترجمة من الإعلام الغربي، والروسي، والصيني، يوازي حجم التغطية المحلية تقريبًا. ما يدل على اعتماد ممنهج على هذه المصادر في بناء الرواية الإعلامية الحوثية للأحداث (المرجع السابق نفسه). وهو اعتماد انتقائي يخدم السردية الحوثية، ويحقق غرضها في تضليل الرأي العام المحلي، وتضخيم دورها الإقليمي والدولي؛ إذ يتم اقتباس الفقرات ومقاطع الفيديو التي تتحدّث عن قوة الحوثيين وقصفهم لبارجات حربية في البحر، أو وصول صواريخهم إلى إسرائيل، ما يلبسها دور اللاعب الإقليمي الجديد، ويسترهب الشارع اليمني بقوتهم، إلا أن ذلك الاستعراض تبخَّر عقب قصف إسرائيلي أودى بحياة رئيس حكومة الحوثيين و14 وزيرًا، ولاحقًا تم الإفصاح عن مقتل رئيس أركان جيشهم "محمد الغماري"، وهو الرجل العسكري الأخطر، ولم يفصحوا حتى اللحظة عن مصير وزير داخليتهم عبدالكريم الحوثي "عم زعيم الجماعة"، والرجل الثاني في الحركة، ووزير الدفاع اللواء محمد العاطفي، ورئيس الاستخبارات العسكرية، أبوعلي الحاكم.

أدوات التضليل الإعلامي

سعت الجماعة الحوثية خلال سنوات الحرب إلى توظيف الإعلام بكلِّ تنوّعاته من أجل تحقيق هدفين: أحدهما تشويه الخصوم المحليين والدوليين، والآخر صنع هالة سياسية، وقدسية دينية، ورهبة عسكرية، وتضخيم دورها وقدرتها في كل المجالات، مستخدمة بذلك كلّ وسائل الإعلام القديمة والحديثة.

وتسيطر الجماعة الحوثية على 13 قناة تلفزيونية، و30 إذاعة محلية، و23 صحيفة ومجلة، تتوزع تبعيتها بين مملوكة للدولة وتمول من الخزينة العامة، أو تتبع الجماعة الحوثية بشكل علني، أو يمتلكها مقربون وموالون للجماعة الحوثي ( ثابت الأحمدي: ورقة عمل عن الإعلام الحوثي وتكريس العنصرية. 2023.) فضلًا عن وجود أكثر من 5000 آلاف حساب نشط يخدم الجماعة الحوثية في منصات السوشال ميديا كـ فيسبوك وإكس "تويتر" ويوتيوب وتيك توك وإنستغرام وتليغرام وسناب شات وقنوات داخل الواتساب، مستخدمة كلَّ الأساليب المقبولة والقذرة؛ من أجل زيادة عدد المتابعين، مثل: فتح حسابات بأسماء فتيات، ونشر فيديوهات وصور فاضحة، وتسريب صور نساء من صالات أعراس، وبين حين وآخر يتم التسويق للرواية الحوثية تجاه القضايا الوطنية، حتى إن أحد الحسابات التي قامت بتسريب صور نساء داخل صالة أعراس، وصل عدد متابعيه في أنستغرام إلى 540 ألف متابع في ظرف 6 شهور.

في موازاة ذلك أُغْلِقَتْ 173 وسيلة إعلامية بين قناة تلفزيونية وإذاعة وصحيفة وموقع إخباري ومجلة، منذ بداية الحرب، أغلبها نتيجة سياسة القمع الحوثية.

ويلجأ الحوثي إلى وسائل الإعلام والتعبئة القديمة ويكرسها كلية لخدمة مشروعه الطائفي، وأهمها المساجد، والمدارس، ومجالس المقيل، وصالات الأعراس والعزاء، والمعسكرات، والمخيمات الصيفية، واستخدام مكبرات الصوت في الأسواق والأماكن العامة، والتي عادة ما تبث كلمات ومحاضرات زعيم الحوثيين.

وتحت مبرر التضليل الكبير: "الحفاظ على الهوية الإيمانية" التي لا تخلو منها وثيقة حوثية، استطاع الحوثي الفتك بجميع مخالفيه، وفي مقدمتهم الإعلاميون وأصحاب الرأي الآخر؛ إذ تم إغلاق ومصادرة ممتلكات جميع القنوات والإذاعات والصحف والمواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية، وقتل أو اعتقال العاملين فيها، والفائز منهم أصبح لاجئًا خارج مدينته أو دولته. ورصدت نقابة الصحفيين اليمنيين 1178انتهاكًا بحق الصحفيين مارسته الجماعة الحوثية، بين 2015-2025 (تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين نوفمبر 2025.)

 

شارك هذا المقال
د عارف أبو حاتم

د عارف أبو حاتم

مستشار وزير الإعلام

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد
فضاء حر

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد

أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.

محمد علي العسليمحمد علي العسلي28 أغسطس 2026
إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع
فضاء حر

إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع

الحوثي كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني، وهم الشافعية السنة، كفارٌ أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم في ثقافتهم: «كفار التأويل»!

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري22 أغسطس 2026
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري18 أغسطس 2026