المنبر اليمني
"مسؤولية الكلمة في مواجهة الأخطار ...
مقالات

"مسؤولية الكلمة في مواجهة الأخطار ...

د

د. عبد الناصر الخطري

18 أكتوبر 2026٠ قراءة
حجم الخط

لم تعد الحروب في عصرنا مواجهة بالسلاح وحده، بل أصبحت الكلمة جزءًا أصيلًا من ميدانها؛ بها تُبنى القناعات، وتُشحذ الهمم، وتُحفظ الجبهة الداخلية، وبها أيضًا تُصنع الشائعات، وتُهزم النفوس، وتضيع البوصلة. ومن هنا فإن مسؤولية العلماء والدعاة والخطباء والإعلاميين في المرحلة التي يمر بها اليمن ليست مسؤولية ثانوية، وإنما هي واجب شرعي ووطني يتصل بحماية وعي المجتمع، وتثبيت الناس على الحق، وجمع الكلمة في مواجهة مشروع حوثي لا يستهدف السلطة وحدها، بل يستهدف عقيدة اليمنيين وهويتهم ونظامهم الجمهوري ونسيجهم الاجتماعي ومستقبل أجيالهم.

وقد عظّم الإسلام شأن الكلمة، وجعل الإنسان مسؤولًا عنها، فقال تعالى: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". وإذا كانت الكلمة أمانة في الأحوال العادية، فإن أمانتها تتأكد في أوقات الفتن والحروب؛ لأن أثرها لا يقف عند صاحبها، بل قد يمتد إلى مجتمع كامل. فكلمة صادقة قد ترد شائعة، وتثبت جنديًا، وتطمئن أسرة، وتعيد الثقة بمؤسسات الدولة، وكلمة طائشة قد تزرع اليأس، وتثير النزاع، وتخدم العدو من حيث لا يشعر قائلها.
لقد أدركت المليشيا الحوثية منذ وقت مبكر أن السيطرة على العقول تسبق السيطرة على الأرض، ولذلك لم تعتمد على القوة المسلحة وحدها، بل أقامت مشروعها على خطاب ديني مضلل، ودعاية سياسية متواصلة، وتزييف للتاريخ، واستغلال للعاطفة، وتكرار للشعارات حتى تبدو كأنها حقائق. وهي تحاول أن تقدم انقلابها على الدولة بوصفه ثورة، واعتداءها على اليمنيين بوصفه دفاعًا عنهم، وارتهانها للمشروع الإيراني بوصفه استقلالًا وطنيًا، وتوظيفها للدين والسلالة بوصفه حقًا إلهيًا. ولهذا فإن مواجهتها لا تكتمل بالعمل العسكري ما لم تصاحبها معركة وعي تكشف حقيقة هذا المشروع، وتنقض دعاواه، وتحصّن المجتمع من تضليله.
ومعركة الوعي لا تُدار بالصوت الأعلى ولا بكثرة المنشورات، وإنما تُدار بالصدق والمعرفة وحسن ترتيب الأولويات والقدرة على مخاطبة الناس بما يفهمون. فالخطاب المؤثر هو الذي يشرح الخطر بلغة واضحة، ويربط الأحداث بحياة الناس وحقوقهم ومستقبل أبنائهم، ويقدم الحقائق دون تهويل، ويحذر دون أن يصنع الهلع، ويبعث الأمل دون أن يبيع الأوهام. أما الخطاب الذي يبالغ، أو يجزم بما لا يملك عليه دليلًا، أو يتناقل كل خبر دون تثبت، فإنه يفقد ثقة الجمهور، وقد يمنح الخصم فرصة للطعن في الحقائق الثابتة بسبب أخطاء كان يمكن تجنبها.
من هنا تبرز ضرورة توحيد الخطاب الدعوي والإعلامي في هذه المرحلة. والمقصود بالتوحيد ليس إلغاء الاجتهاد، ولا صب الناس في قالب واحد، ولا مصادرة حق النقد المسؤول، بل الاتفاق على القضايا الكبرى التي لا تحتمل التنازع: حماية العقيدة والهوية، واستعادة الدولة ومؤسساتها، وصيانة النظام الجمهوري، ودعم القوات المسلحة والأمن، ورفض المشروع السلالي والطائفي، والحفاظ على وحدة الصف، ومواجهة الشائعات، ومنع تحويل الخلافات داخل معسكر الشرعية إلى معارك تستنزف الجميع وتمنح الحوثي ما لم يستطع تحقيقه بقوته.
إن اختلاف القوى الوطنية في بعض الرؤى والمواقف أمر مفهوم، لكن الخطر يبدأ حين تتحول القضايا الفرعية إلى أولوية تتقدم على مواجهة الانقلاب، أو يصبح الخصام بين الشركاء أشد من الخصومة مع العدو. فالحوثي لا يفرق بين اليمنيين حين يستهدف دولتهم وهويتهم، ولا يستثني حزبًا أو منطقة أو مذهبًا ممن يرفضون مشروعه. ولهذا ينبغي أن يكون الخطاب جامعًا لا مفرقًا، مثبتًا لا محبطًا؛ يعترف بالأخطاء ويطالب بإصلاحها، لكنه لا يهدم الثقة بكل شيء، ولا يساوي بين الدولة والانقلاب، ولا يحول النقد إلى مادة مجانية لدعاية المليشيا.
وتقع على العلماء والخطباء والدعاة مسؤولية خاصة؛ لأن الناس ينظرون إليهم بوصفهم مرجعيات للبيان والتوجيه. وأول واجباتهم أن يبينوا حقيقة الفكر الحوثي وما يتضمنه من غلو سلالي واستعلاء على المجتمع، وتوظيف للنصوص الدينية في منح أسرة أو سلالة حقًا في الحكم والولاية على الناس. كما يجب عليهم بيان حرمة الدماء والأموال، وخطورة تفجير البيوت ودور العبادة، وزراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، ونهب الممتلكات، وفرض الجبايات، وتحويل مؤسسات التعليم والتوجيه إلى أدوات لتغيير هوية الأجيال.
ولا يقتصر واجب المنبر على كشف الانحراف، بل يشمل أيضًا بناء المعنى الإيجابي للمقاومة الوطنية؛ بتعزيز قيمة الانتماء لليمن، وبيان مشروعية الدفاع عن النفس والوطن والدولة، والإشادة بتضحيات الجيش والأمن والمقاومة، والدعاء للمرابطين، ورعاية أسر الشهداء والجرحى، والدعوة إلى التكافل الاجتماعي. فالناس في زمن الحرب لا يحتاجون إلى توصيف الخطر فقط، بل يحتاجون إلى خطاب يفتح أمامهم أبواب العمل، ويشعر كل فرد أن له دورًا بحسب موقعه وقدرته وتخصصه، في ميدان السلاح أو الكلمة أو التعليم أو الاقتصاد أو الإغاثة أو السياسة.
وفي المقابل، يتحمل الإعلاميون والكتّاب والناشطون مسؤولية لا تقل أهمية. فالإعلام اليوم يصل إلى الناس بسرعة تفوق وصول الخطيب والمحاضر، وقد تتحول تغريدة أو مقطع قصير إلى مصدر لتشكيل موقف عام. ومن واجب الإعلامي أن يتحقق قبل النشر، وأن يميز بين الخبر والرأي، وبين المعلومة والتوقع، وألا ينسب الآراء الفردية إلى أحزاب أو مؤسسات دون دليل. كما ينبغي له أن يحفظ أسرار العمليات العسكرية، وألا ينشر ما يكشف تحركات القوات أو مواقعها، وأن يمتنع عن الجزم بنتائج المعارك قبل صدور المعلومات من مصادرها المختصة؛ فغرف العمليات ليست على صفحات التواصل الاجتماعي.
ومن أخطر ما يواجه الخطاب الوطني أن يقع في أسر ردود الأفعال، فيظل يلاحق إشاعات الحوثي دون أن يمتلك روايته الواضحة ومشروعه الإعلامي المتماسك. المطلوب ليس الدفاع المتأخر فقط، بل المبادرة إلى صناعة محتوى يعرّف بالدولة التي ننشدها، وبحقوق المواطنين، وبمعنى المواطنة المتساوية، وبخطر السلالة على الدين والمجتمع، ويقدم النماذج المضيئة من تضحيات اليمنيين وصمودهم. كما ينبغي مخاطبة من لا يزالون في مناطق سيطرة المليشيا بلغة تفتح باب العودة ولا تغلقه، وتفرق بين القيادات المتورطة في الجرائم وبين المواطنين والمغرر بهم، وتؤكد أن معركة استعادة الدولة ليست معركة انتقام من مجتمع أو منطقة.
ولكي ينجح توحيد الخطاب، لا يكفي أن يبقى دعوة عامة، بل يحتاج إلى عمل مؤسسي منظم، يقوم على التنسيق المستمر بين الجهات المعنية بالدعوة والإرشاد والإعلام، وإعداد محددات واضحة للخطاب في كل مرحلة، وتزويد الخطباء والإعلاميين بالمعلومات الموثوقة، وتأهيلهم للتعامل مع الشائعات والحرب النفسية، وإنتاج مواد متنوعة تناسب المسجد والمدرسة والإذاعة والتلفزيون ومنصات التواصل. كما يتطلب رصد الخطاب المعادي وتحليله، لا لترديد دعايته، بل لفهم أدواته وبناء استجابة علمية وإعلامية تسبق أثره وتحد منه.
ومن مقتضيات العمل المؤسسي مراعاة تنوع الجمهور؛ فالخطاب الموجه إلى المقاتلين يختلف عن الخطاب الموجه إلى الأسر، وما يخاطَب به الشباب ليس هو بالضرورة ما يناسب كبار السن، والرسالة الموجهة إلى أبناء المناطق المحررة تختلف في بعض تفاصيلها عن الرسالة التي تصل إلى المواطنين تحت سيطرة المليشيا. وليس هذا تناقضًا في الموقف، فالثوابت واحدة، لكن اللغة والأمثلة ودرجة التفصيل ينبغي أن تُختار بما يجعل الرسالة أقرب إلى المتلقي وأقدر على الإجابة عن أسئلته ومخاوفه.
ويجب أن يقوم هذا العمل على المصداقية؛ لأن الجمهور قد يتسامح مع قلة الإمكانات، لكنه لا يتسامح طويلًا مع التضليل. وإذا أخطأنا فعلينا أن نصحح، وإذا لم تتوافر المعلومة فعلينا أن نقول ذلك، وإذا كان الأمر احتمالًا فلا نقدمه على أنه حقيقة. ولا تعني المصداقية كشف ما يجب ستره أو نشر كل ما نعرفه، بل تعني ألا نقول ما نعلم أنه غير صحيح، وألا نستعمل الكذب بحجة خدمة قضية عادلة؛ فالقضايا العادلة لا يحميها الكذب، وإنما يحميها الصدق وحسن الحجة وثبات الموقف.
ومن المصداقية أيضًا أن يظل الخطاب منضبطًا بأخلاق الإسلام حتى وهو يواجه مشروعًا ظالمًا. فلا يجوز أن يتحول الغضب من الحوثي إلى تحريض مناطقي أو مذهبي، ولا أن تُحمّل جماعة اجتماعية وزر قيادات المليشيا وجرائمها، ولا أن يصبح السب والشتم بديلًا عن الحجة. إننا ندافع عن دولة المواطنة والعدل، ولذلك يجب أن تعكس لغتنا القيم التي نريد أن تقوم عليها تلك الدولة. وكل خطاب يخلط بين محاسبة المجرم وإدانة الناس بالجملة يضر بالقضية الوطنية، ويوسع دائرة الخصومة، ويقدم للمليشيا مادة تستثمرها في التخويف والتعبئة.
كما أن توحيد الخطاب لا ينجح إذا انفصل عن سلوك المؤسسات والقوى التي يتحدث باسمها. فالكلمة الصادقة تحتاج إلى عمل يؤيدها، والحديث عن الدولة يحتاج إلى احترام القانون، والحديث عن وحدة الصف يحتاج إلى ممارسة تتجنب الإقصاء والتحريض، والحديث عن التضحيات يحتاج إلى الوفاء بحقوق المقاتلين وأسر الشهداء والجرحى. وكلما اقترب القول من العمل ازدادت ثقة الناس، وكلما اتسعت الفجوة بينهما ضعفت الرسالة مهما بلغت بلاغتها.
إن اليمن يواجه خطرًا مركبًا يستهدف أرضه ودولته ووعيه، ولا يمكن مواجهة هذا الخطر بخطابات متفرقة تتنازعها الحسابات الصغيرة. نحن بحاجة إلى كلمة تعرف عدوها، وتدرك أولوياتها، وتحفظ حق الناس في المعرفة، وتجمعهم على استعادة دولتهم وإنهاء الانقلاب؛ كلمة لا تنشر اليأس، ولا تخفي الحقيقة، ولا تجعل النقد معولًا لهدم الصف الوطني، ولا تسمح للخلافات بأن تتحول إلى جسور يعبر منها المشروع الحوثي.
إن مسؤولية الكلمة اليوم ليست أقل شأنًا من مسؤولية الميدان؛ فالمقاتل يحرس الأرض، والعالم والخطيب والإعلامي يحرسون المعنى الذي يقاتل الناس من أجله. وإذا تكاملت الجهود، واتحدت الوجهة، وصدق الخطاب، أمكن لليمنيين أن يستعيدوا الثقة بأنفسهم وبقضيتهم، وأن يحولوا وعيهم إلى قوة تحمي تضحياتهم وتمهد لاستعادة دولتهم. ولذلك فإن توحيد الخطاب الدعوي والإعلامي ضرورة شرعية ووطنية تفرضها طبيعة المعركة، وأمانة يجب أن ينهض بها كل من يملك منبرًا أو قلمًا أو شاشة أو كلمة مؤثرة، خدمة للدين والوطن، ووفاء لدماء اليمنيين وتضحياتهم، وحماية لمستقبل الأجيال القادمة.

شارك هذا المقال
د

د. عبد الناصر الخطري

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

تعز.. تاريخٌ من المجد وحكايةٌ من الصمود
مقالات

تعز.. تاريخٌ من المجد وحكايةٌ من الصمود

تعز ليست مجرد مدينة على خارطة اليمن، بل أرضٌ ضاربة الجذور في التاريخ، وموطن حضاراتٍ أسهم أبناؤها في ميادين العلم والتجارة والسياسة والعمران. فمن المعافر وحمير في اليمن القديم، إلى حضور اليمنيين في تاريخ الإسلام والأندلس، وصولًا إلى ازدهار الدولة الرسولية، تتجلى حكاية أرضٍ صنعت لنفسها مكانةً في تاريخ اليمن وحضارته.

هاني كُردهاني كُرد18 أكتوبر 2026
مكة والمدينة في عقيدة الإمامة الهادوية
مقالات

مكة والمدينة في عقيدة الإمامة الهادوية

ما من جماعة أو مذهب هانت عليه مقدساته الدينية والروحية كما هانت مكة المكرمة والمدينة المنورة على أتباع الهادوية الرسية الجارودية في اليمن. وما نالت مقدساتٌ دينية من الهجوم والتبخيس كما نالت مكة والمدينة من قبل هذه الجماعة، ومن غلاة الشيعة بشكل عام، سواء في اليمن أم خارج اليمن!

د ثابت الأحمديد ثابت الأحمدي18 أكتوبر 2026
لماذا يرفض اليمنيون جماعة الحوثي؟
مقالات

لماذا يرفض اليمنيون جماعة الحوثي؟

لماذا بقيت جماعة الحوثي عاجزة عن التحول إلى مشروع يحظى بقبول اجتماعي يوازي حجم القوة التي تراكمها منذ سنوات؟! ولماذا ينظر اليمنيون إليها على أنها مشروع مفروض بالقوة وبلا جمهور؟! ولماذا فشلت جهود الحوثيين الفكرية والعقائدية والسياسية الواسعة في كسب ود وتأييد المجتمع اليمني؟

همدان العلييهمدان العليي18 أكتوبر 2026