المنبر اليمني
الخطاب الحوثي المضلل وتأثيره على النسيج الاجتماعي
فضاء حر

الخطاب الحوثي المضلل وتأثيره على النسيج الاجتماعي

ش.عبدالله النهيدي

ش.عبدالله النهيدي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

18 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

على مرِّ التاريخ، الحروب الطاحنة ترافقها آلة دعاية إعلامية ودينية تمجد الذات فترفعها فوق مستوى البشرية، وتطحن العدو وتشيطنه. وفي ظل الثورة الرقمية الحديثة تتحول المعارك بنسبة 90% من الميادين إلى الشاشات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، والذكية، والأعلى والأقل ذكاءً، والجاد والتهريج، فتحشد الدول كلَّ ما تقدر عليه وما تصل إليه في معاركها الإعلامية.

على مرِّ التاريخ، الحروب الطاحنة ترافقها آلة دعاية إعلامية ودينية تمجد الذات فترفعها فوق مستوى البشرية، وتطحن العدو وتشيطنه. وفي ظل الثورة الرقمية الحديثة تتحول المعارك بنسبة 90% من الميادين إلى الشاشات الكبيرة والصغيرة والمتوسطة، والذكية، والأعلى والأقل ذكاءً، والجاد والتهريج، فتحشد الدول كلَّ ما تقدر عليه وما تصل إليه في معاركها الإعلامية.

خطر اختطاف الوعي

في الحروب الأهلية والانقلابات غالبًا ما يفقد فيها الطرف المنقلب شرعية معركته، ومبرر انقلابه، ودواعي وجوده، فيتحول حينئذ إلى وحش بأنياب بلا أخلاق، ومخالب بلا قيم، كحال جماعة الحوثي التي يأبى الشعب اليمني قبولها في نسيجه الاجتماعي، حتى ذوي المصالح معها سرعان ما ينقلب التصالح بينهم إلى عداوة ضارية؛ لأن كل ما يقومون به خارج نطاق العقل، والعرف، والمنطق، والقيم، وخارج كل قوانين وأعراف الدنيا؛ فليسوا ممن يمكن التعايش معهم، أو حتى التفاوض أو التشارك معهم، وهنا لجأت هذه الجماعة إلى آلة دعائية دينية وإعلامية وبمهارة فائقة وإمكانيات هائلة لممارسة التضليل والخداع.

ويعدُّ اختطاف الوعي أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع اليمني في هذه الحرب التي فرضت عليه، وأخطر اختطاف للوعي هو ما كان باسم الدين، وقديمًا قالوا: من يملك المال والسلاح والفتوى يملك الحقيقة المطلقة. وهو ما درجت عليه جماعة الحوثي لتغيير الواقع في شراء الذمم بثمن بخس، أو ترهيب الناس بقوة السلاح، أو إصدار فتاوى التكفير والاستحلال لدماء وأموال وأعراض المخالفين، بحجة أنهم كفارًا، منافقين، إرهابيين.

وتعمل هذه الحركة الدينية الفكرية المغلقة على تمزيق النسيج الاجتماعي للشعب اليمني المتعايش على مرِّ السنين، وتحاول إدخال هوية جديدة عليه تتسم بالعنف الديني المرتكز على قوة السلاح وشيطنة الخصوم.

 وكان من آثارها أننا رأينا ابنًا يقتل أباه، وأخًا يقتل أخاه، والجارُ يقتل جارَه، وشحنت طائفة من أبناء الوطن ضد المجتمع ومكوناته كلها، ومن ليس معنا فهو ضدنا. لا حوار أفكار، بل صراع وجود، نحن أو أنتم؛ إما التبعية المطلقة بدون أدنى اعتراض، أو القتل والسجن والتهجير والحرمان من أبسط الحقوق (الراتب على سبيل المثال). 

السياسة الحوثية لإخضاع المجتمع

انتهج الحوثي سياسات عدة لإخضاع المجتمع، منها:

  1.  الانتقائية في الاستدلال

 حيث يتم اجتزاء النصوص من سياقها، أو تقديم روايات تاريخية دون تحقيق علمي في محاولة لتعزيز مفهوم الاصطفاء السلالي والحق الإلهي في الحكم.

  1. أسطرة القيادة

الإعلام الحوثي على مستوى المؤسسات والأفراد يصورون زعيم الجماعة وكأنه أسطورة يمتلك حقًّا إلهيًّا، لا يُعارَض ولا يُساءَل، مما يعيد إنتاج فكرة "الحاكم المقدس" التي عرفها التاريخ في عصور الاستبداد الديني.

  1. شيطنة الخصوم

 يستخدم الحوثي الفتاوى الضمنية أو الصريحة لتكفير أو تخوين كل من يخالف الجماعة، لتتحول الساحة إلى انقسام حاد بين من يسمون أنفسهم "أنصار الله"، ويصمون خصومهم بـ "أعداء الله"، في استدعاء مباشر لمنطق الخوارج بثوب طائفي حديث.

  1.  الإعلام أداة غسل للعقول

 لم يكن الإعلام الحوثي يومًا وسيلة نقل خبر، بل كان أداة توجيه نفسي، ومعركة منظمة لتلويث الوعي؛ فمن خلال قنواتهم الفضائية، ومنصاتهم الرقمية، وخُطب المنابر، يتم بث رواية واحدة للأحداث، تُقصَى فيها الحقائق الميدانية، ويُعاد تشكيل الواقع وفق صورة صناعية ملفّقة لا تمت إلى الحقيقة بصلة.

ويرتكز الخطاب الإعلامي الحوثي على إعادة تعريف المفاهيم؛ فالانقلاب يُسمى "ثورة"، والقتل "جهاد"، وتدمير الدولة "مقاومة".

  1. خلق عدو دائم

 وغايتهم من ذلك إقناع المجتمع أن الحرب قدر مقدس لا يمكن أن ينتهي، وأن الجماعة هي "الحامي الوحيد".

  1. تزييف الوعي الاقتصادي والاجتماعي

 ينتهج الحوثيون هذا التزييف لتبرير المجاعة والفساد باعتبارهما آثار "العدوان الخارجي"، ويتم إخفاء مسؤولية الجماعة عن انهيار المؤسسات ونهب الموارد؛ وبهذا تتحول وسائل الإعلام من أدوات توعية إلى مصانع تضليل، تعمل على مدار الساعة لإدامة الخوف، وشحن الغضب، وإخماد أي صوت عقلاني يدعو إلى انتشال البلد من المحنة التي وصل إليه.


الأثر الاجتماعي للإعلام الحوثي المضلل

تمزيق النسيج الوطني

إن أخطر نتائج الخطاب الحوثي لا يكمن في استمرار الحرب فقط، بل في تمزيق الداخل اليمني؛ فقد أدى الخطاب الطائفي إلى: تفكيك الهوية الوطنية الجامعة واستبدالها بهوية وافدة تقوم على السلالة والاصطفاء.

تعميق الانقسام

إيجاد حالة من الانقسام بين أبناء المجتمع الواحد على أسس مذهبية لم يعرفها اليمن بهذا الشكل من قبل.

إشاعة ثقافة العنف والخضوع

 يسعى الحوثيون إلى أن يُربّى الجيل الجديد على تقديس السلاح لا العلم، وعلى الكراهية بدل التعايش؛ ولأجل ذلك حولوا المدارس إلى منصات تلقين إيديولوجي، وتحول المنبر إلى أداة تعبئة، وصار الطفل مشروع مقاتل لا مشروع إنسان حر.

التضليل الحوثي ومشروع المواجهة

 مواجهة الخطاب الحوثي لا تكون بالرصاص وحده، بل بالكلمة، والفكرة، وبناء الوعي. وأهم أدوات المواجهة هي:

1. إعادة الاعتبار للخطاب الديني الوسطي الذي يرسخ قيم المواطنة، والعدل، والمساواة.

2. إعلام وطني مهني، يعيد تعريف المفاهيم، وينقل الحقيقة دون تهويل أو تزييف.

3. مشروعات تربوية، وثقافية، تعيد بناء الإنسان اليمني بوصفه مواطنًا لا تابعًا، تتظافر فيه كل أجهزة الدولة ومنظمات المجتمع المدني من أجل ترميم ما يمكن ترميمه من جراح خلَّفها الانقلاب الحوثي على كل المستويات؛ سياسيًّا، واجتماعيًّا، وتعليميًّا، واقتصاديًّا، من أعلى هرم الدولة إلى آخر فرد يحمل مسؤولية تضميد جراح هذا البلد.

4. كشف البنية الفكرية للجماعة بواسطة دراسات علمية معمقة، تبين تناقض خطابها ومصادمته لمقاصد الإسلام وروحه الجامعة.

أخيرًا:

 إن الحوثية ليست مشكلة سياسية عابرة، بل مشروع تفكيك طويل الأمد؛ يستهدف هوية اليمن قبل أن يستهدف أرضه، ويقتل الروح قبل أن يقتل الجسد. ومتى ما استعاد اليمنيون وعيهم، وسقط قناع القداسة الزائفة، سيسقط المشروع من تلقاء نفسه؛ لأن أي قوة تقوم على الوهم لا تصمد أمام الحقيقة، وأي مشروع يقوم على السيف لا يصمد أمام الوعي. والرهان اليوم ليس على إنهاء الحرب فحسب، بل على إنقاذ العقل اليمني من الاستلاب، وبناء جيل يرى في الوطن قيمة عليا، وفي الدين رسالة حياة لا وقود حرب.


شارك هذا المقال
ش.عبدالله النهيدي

ش.عبدالله النهيدي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد
فضاء حر

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد

أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.

محمد علي العسليمحمد علي العسلي28 أغسطس 2026
إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع
فضاء حر

إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع

الحوثي كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني، وهم الشافعية السنة، كفارٌ أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم في ثقافتهم: «كفار التأويل»!

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري22 أغسطس 2026
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري18 أغسطس 2026