يُشير اصطلاح “الأمن المشترك” إلى الترتيبات الأمنية التي تتوافق على اتخاذها دولتان، أو مجموعة دول في الإقليم الذي تقع فيه، أو دون الإقليم، أو المجتمع الدولي كله؛ استشعارًا منها بأهمية تقاسم أعباء الأمن، ومواجهة مهدداته.
يُشير اصطلاح “الأمن المشترك” إلى الترتيبات الأمنية التي تتوافق على اتخاذها دولتان، أو مجموعة دول في الإقليم الذي تقع فيه، أو دون الإقليم، أو المجتمع الدولي كله؛ استشعارًا منها بأهمية تقاسم أعباء الأمن، ومواجهة مهدداته. والترتيبات هذه تستهدف التهديدات التي تقفُ خلفها دول، وتوصف بالتهديدات التقليدية، وكذلك تستهدف التهديدات غير التقليدية، وهي التهديدات الناشئة عن جماعات العنف المسلح المشروع وغير المشروع، والجريمة المنطمة المحلية والعابرة للحدود الوطنية (الجريمة المنظمة عبر الوطنية). وتجري هذه التفاعلات في المجالات المختلفة للأمن، وهي: السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والعسكرية، والبيئية، والسيبرانية، ونحوها، بمستويات الأمن الثلاثة، الوطني (القومي)، والإقليمي، والعالمي.
دوافع الأمن المشترك بين الدولتين
ليس هناك سببٌ واحدٌ يمكن أن يفرض هذا النَّسَق من الأمن، بل مجموعة أسباب، لكنها قد تتفاوت في دافعيتها وتأثيرها. وفي الحالة اليمنيَّة السعودية تفرضهُ مصفوفة كبيرة ومتنوعة من الأسباب والدوافع، وعنوانها الأوسع الجوار الجغرافي، وما ينشأ عنه من اشتراكٍ في الحدود والمصالح والتهديدات، والقواسم المشتركة القومية. وهذه التهديدات تتنوع مصدرًا، ومجالًا، ومستوى، وتطالُ السُّكان والنظام، والتنمية، والاستقرار، والسِّلم الاجتماعي؛ وصولًا إلى الضَّعف والتمزُّق والانهيار. لذلك، فإن الحاجة إلى الترتيبات الأمنية المشتركة، يجب أن تكون مبكِّرة، وتنظِّمها صيغٌ تعاقدية قانونية، معتمدة من الجانبين.
في هذا الصدد، تجدُر الإشارة إلى أنَّ أهم محطة للتعاون الأمني المشترك بين اليمن والسعودية، كانت في النصف الأول من القرن العشرين الماضي، في المراحل الأولى لنشوء الدولة العربية الحديثة. حيث وقَّعت حكومتا الدولتين، على ما يُعرف بمعاهدة الطائف لعام 1934م، التي رمت إلى إنهاء وضع الحرب الناشبة بينهما، لكنَّها أرست قواعد راسخة للسلام، والتعاون الأمني المشترك، الذي يقوي دعائم السِّلم، ويحفظ الأمن بين الدولتين، وفي كافة ربوع الجزيرة العربية. وقد ظلت هذه المعاهدة نافذةً مدةَ ستةٍ وستين عامًا؛ حيث جُدِّدت بصيغة أخرى، وعرفت بمعاهدة جَدَّة، التي وُقِّع عليها في 12 يونيو 2000م، وعالجت حدود الدولتين، حاليًّا، التي خلت منها معاهدة الطائف، ذلك أن الشطر الجنوبي من اليمن، كان تحت الاحتلال البريطاني. ومع إعادة تحقيق الوحدة بين الشطرين في مايو عام 1990، برزت مسألة ترسيم حدود اليمن الشرقية مع السعودية، بوصفها قضية سياسية وأمنبة، فكان أن أبرم الطرفان معاهدة جدة المشار إليها سلفا.
مع تطوُّر التهديدات الأمنية، غير التقليدية، وتعقُّد تحدياتها بين الدولتين، كان لا بُدَّ من صيغةٍ اتفاقيةٍ قانونيةٍ مستقلةٍ، تنظِّم التعاون الأمني إزاء هذا المعطى الجديد، على أن يُحدَّد فيها مجالات هذا التعاون، وأوجُهه، وأدواته، وآلياته. لذلك، جاءت اتفاقيةُ التعاون الأمني التي وقَّع عليها وزيرا داخلية الدولتين، بمدينة جدة، في يوليو 1996م، وتركَّز موضوعها على الجريمة، والتسلُّل عبر الجدود، وتسليم المجرمين. ولا تزال الاتفاقية سارية المفعول، وفقًا لأحد أحكامها الذي حدَّد مدتها بخمس سنوات، منذ دخولها حيز النفاذ، وأنها تتجدَّد، تلقائيًّا، ما دام أيٌّ من الطرفين المتعاقدين لم يُفصح عن رغبته في إلغائها، ويكون هذا الإفصاح قبل ستة أشهر من انتهاء مدة الاتفاقية. كذلك، وقَّع الجانبان، في التاريخ ذاته، على اتفاقٍ للتعاون الأمني، في مجال مكافحة الاتجار، غير المشروع، في المخدرات والمؤثرات العقلية، وتهريبها.
التهديد الحوثي وإعادة تعريف الأمن المشترك بين الدولتين
لم تكُن سيطرة الحوثيين على السلطة، عبر انقلاب مسلح، في سبتمبر 2014م، بدايةً لتهديدهم للدولة اليمنية والجوار العربي، خصوصًا السعودية، بل بدأ ذلك عند أول تمرُّد لهم بمحافظة صعدة عام 2004م؛ حيث حاولوا اقتطاع أجزاء من المحافظة، ثم توسيع تهديدهم ليصبح تهديدًا عابرًا للحدود إلى السعودية، التي ما كان منها إلا الانخراط إلى جانب الحكومة اليمنية في المواجهة المسلحة معهم عام 2009م. فقد مثَّلت قدراتهم التهديدية العابرة للحدود، دليلًا على أنهم باتوا تهديدًا إقليميًّا، وذراعًا مسلحة، تعمل، بالوكالة، لمصلحة إيران ومشروعها التوسعي في المنطقة، إلى جانب مشروع الحوثيين أنفسهم، وهو مشروع سياسي إقصائي، قائم على احتكار السُّلطة سُلاليًّا، وإثارة الصراعات المذهبيّة والقبَليّة، وتصدير الأنماط المختلفة للإرهاب، والجريمة المنظّمة العابرة للحدود الوطنية، وفي طليعتها تهريبُ المهاجرين غير الشرعيين، والمخدرات، والأسلحة، والاتِّجَار، غير المشروع، في كلٍّ منها.
جسَّد تحالف دعم الشرعية اليمنية، الذي قادته السعودية، منذ مارس 2015م، حقيقة الشراكة الأمنية، بل تجاوز ذلك إلى مستوى الدفاع المشترك؛ اعتمادًا على الدعوة التي وجَّهها الرئيس الشرعي للبلاد، عبد ربه منصور هادي، في مارس 2015م، ومثَّلت ذلك عملية عاصفة الحزم العسكرية، التي وُجِّهت نحو قدرات الحوثيين العسكرية، وأوقفت محاولات توسعهم في جنوبي اليمن، ووسطه، وأجزاءٍ من شماله وغربه. ومع استقرار الحكومة الشرعية في الجزء المحرر من البلاد، استأنفت أجهزتها الأمنية نشاطها، بما تلقته من دعم سعودي، مالي وتقني ومعلوماتي، اعتمادًا ضيغ اتفاقية أمنية سابقة، وأخرى جديدة، وآخرها مذكرة التعاون بين وزارة الداخلية اليمنية والبرنامج السعودي لإعمار اليمن، في أكتوبر 2025م، التي عُنِيت بتطوير البنية التحتية لوزارة الداخلية، ورفع كفاءة منتسبيها.
مثَّل دعم إيران العسكري للحوثيين تهديدًا محتملًا، عابرًا للدول المجاورة لليمن، عدا السعودية التي نظرت إليه بوصفه تهديدا جديًّا لها. ولوحظ ذلك في التدفق البحري لشحنات الأسلحة، والمخدرات، والخبراء العسكريين، والمقاتلين القادمين من إيران نفسها، ومن لبنان وسورية والعراق، فضلًا عن تنظيم القاعدة في القرن الإفريقي، ممثلًا بحركة الشباب الصومالية، التي بَنَتْ علاقات وثيقة مع الحوثيين، وتبادلت معهم الأسلحة والخدمات. وإزاء ذلك لم يتوقف الدعم السعودي، العسكري والأمني، للحكومة اليمنية، على الأرض التي تجري فيها المعارك، ودعم المهمات الأمنية لخفر السواحل، في البحرين الأحمر والعربي، وفي خليج عدن، والمشاركة فيها عبر وحدات البحرية السعودية وحرس الحدود.
لقد كانت الشراكة الأمنية إزاء التحديات التي فرضها الحوثيون وحلفاؤهم، في المجال البحري لليمن، مثالًا للتعاون المشترك والمثمر، وأحيانًا التكفل بالمواجهة كلها. في هذا الصدد، شاركت السعودية، مع دول أخرى، في مؤتمر الأمن البحري بشأن اليمن، في سبتمبر 2025م، وتكلفت بنحو أربعة مليون دولار أميركي، خُصصت لبناء قدرات قوات خفر السواحل في الحكومة اليمنية، وتعزيز التدريب في صفوف منتسبيها، وذلك لتحقيق الحد الأقصى والممكن لمواجهة التهريب البحري إلى الحوثيين، وجماعات الجريمة المنظمة المحلية والدولية.
هذا الدعم، مِن شأنه، كذلك، إضغاف قدرات الحوثيين وشركائهم الإقليميين، إذا ما عاودوا تهديد أمن الملاحة البحرية، على نحو ما أثاروه من شواغل أمنية مزعجة ومدمرة، في خليج عدن، وجنوبي البحر الأحمر، خلال الفترة (أكتوبر 2023م- أكتوبر 2025م)، وما أحدثوا من أضرار على اقتصادات الدول المشاطئة في هذه المناطق، واقتصادات دول أخرى في العالم ترتبط مصالحها بهذه المناطق.
نحو استراتيجية أمن مشتركة، وفاعلة، بين الدولتين
لا شك أن الشراكة الأمنية والعسكرية القائمة حاليًا بين اليمن والسعودية قد وصلت إلى مرحلة متقدمة من التعاون، وهي بحاجة إلى مزيد من التعزيز عبر تقييم جوانبها المختلفة، ودراسة التهديدات الراهنة والمحتملة، وتحديث الأطر القانونية والسياسية والأمنية الناظمة لها؛ بما يسهم في تطوير هذه الشراكة وجعلها واقعًا عمليًا متكاملًا ومتفردًا، يقدم نموذجًا ناجحًا يُحتذى به في هذا المجال.
واقعيًّا، لا يزال الحوثيون يمثلون التهديد الأبرز لليمن والإقليم والعالم، حتى وإن حاولوا استظهار الجنوح للسلام، عبر الهدنة الإنسانية المعلنة في إبريل عام 2022، التي وفرت لهم الوقت الكافي لتعظيم قدراتهم في مختلف المجالات، خاصة المجال العسكري، بما يبقيهم كقوة أمر واقع، وذلك ما قد يُغري بانتقال تجريتهم إلى دول محيطة باليمن، وعلى رأسها السعودية. كذلك، حركات الانفصال الجنوبية التي تهدد وحدة الدولة اليمنية، ونظامها السياسي، وتعمل على إرباك عمل الحكومة واستقرارها في الداخل. ولعل نجاح هذين التيارين المناوئين للحكومة، وصمودهما على الواقع، إنما يؤسس لانتشار التجربة في ربوع الجزيرة العربية والخليج، ويهدد تماسك دولها واستمرار بقائها.
إن أولى أولويات استراتيجية الأمن المشترك، تبدأ برفع مستوى المشاركة في المواجهة الحاسمة للتحديات الماثلة، وإعادة تنظيم قوات الجيش والأمن الداخلية والبحرية، ضمن هياكل وطنية موحدة. والانطلاق من الأسس الاتفاقية القانونية الماثلة، نحو تأطير اتفاقي قانوني، يجعل من مختلف القوات عند مستوى التحديات والتحولات الحرجة مستقبلًا، وتتشارك تشاركًا نِديًّا مع نظيراتها في الإقليم. ولا ينبغي إغفال التنمية، فهي الأمن ذاته، وفقًا للتصورات الحديثة للأمن، التي تقول إن الأمن هو التنمية، وأنَّ لا أمن دون تنمية.

د علي الذهب
باحث في الشؤون العسكرية والاستراتيجية
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





