المنبر اليمني
أموال اليمنيين وممتلكاتهم: الحرمة الشرعية والاستحلال الحوثي
مقالات

أموال اليمنيين وممتلكاتهم: الحرمة الشرعية والاستحلال الحوثي

د.عبدالله بن غالب الحميري

د.عبدالله بن غالب الحميري

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

24 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

جعل الله المال قوام الحياة وضرورة ملحة من ضرورات البقاء فيها، قال تعالى: ﴿وَلا تُؤتُوا السُّفَهاءَ أَموالَكُمُ الَّتي جَعَلَ اللَّهُ لَكُم قِيامًا وَارزُقوهُم فيها وَاكسوهُم وَقولوا لَهُم قَولًا مَعروفًا﴾ [النساء: ٥]، أي: تقوم بهـا معايشهم التجارية، ومصالحهم الدينية والدنيوية.

وحرمة الاعتداء على الأموال تعتبر من قطعيات الشريعة، بل قرنت الشريعة حرمتها بحرمة الدم والعرض، وقرنت جهاد الأموال بالأنفس في سبيل الله، بل قدمته عليها في مواضعَ كثيرة من القرآن الكريم.
ونظَّم الإسلام الأموال تنظيمًا دقيقًا، وجعل فيها فريضة الزكاة حقًّا معلومًا للفقراء والمساكين وغيرهم من الأصناف المذكورة في النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. 
وجعل فيها حقوقًا مُعيَّنة معلومة أخرى من النفقات الواجبة، كنفقة الزوجة والأبناء، والأبوين الفقيرين، والمملوك، وغير ذلك. وجعل عقوبة التعدِّي عليها بالسرقة (وهي أخذ المال من حرزه خفية) قطع اليد، فقال تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة: 38].
وحرّمت الشريعة كل الأسباب والحيَل المفضية إلى التعدي عليها بأي صورة من الصور، ومن ذلك:
تحريم الغَصْب والنهبة والخيانة: وقد وبَّخ مَن فَعَل ذلك، وجعل له عقوبة رادعة، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾، [النِّسَاء: 29]، وقال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البَقَرَة: 188]. 
ومن أصول المعاملات: تحريم الربا، والرشوة، وجميع طرق الاحتيال، وكل ما اشتمل على الغرر والجهالة، أو الإضرار بأهل السوق، أو ما يسبب إيغار الصدور بين المسلمين كالتناجش، والغش، والكذب. أو ما يعود بالضرر على البدن أو العقل، ونحو ذلك. وحرمت الشريعة فوق عشرة أنواع من البيوع التي كانت سائدة عند العرب، وكل ما يقاس عليها من المعاملات، وكل ذلك حفظًا لحرمة المال. ومن ذلك: بيع الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، وبيع الحاضر للبادي، وبيع الثمر قبل بدو صلاحه، وبيع العينة، وبيع الرجل على بيع أخيه، وغيرها. وجاء في السنة النبوية الشريفة نصوص لا تحصى، تأكيدًا لهذا الأصل، ومن ذلك: ما جاء في خطبة النبي -صلى اللهُ عليه وسلم- يومَ النَّحْر في حجَّة الوداع: (إنَّ دماءكم وأموالَكم وأعراضكم عليكم حرامٌ، كحُرْمة يومِكم هذا، في شهرِكم هذا، في بلدكم هذا، حتى تلقوا ربَّكم، ألاَ فلْيُبلِّغِ الشاهدُ الغائب) رواه مسلم وغيره.
 وثبت في الصحيحين عن عبدالله بن عمر أنَّ رسول الله - صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (أُمِرتُ أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأنَّ محمدًا رسول الله، ويُقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دِماءَهم وأموالهم، إلاَّ بحقِّ الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى). وعند مسلم: قال رسول الله -صلَّى الله عليه وسلَّم-:(كلُّ المسلِم على المسلم حرامٌ: دمُه، وماله، وعِرْضه). وفي البخاري: قال صلَّى الله عليه وسلَّم: (مَن كان عِنده مظلمةٌ لأخيه فليتحللْ منها، فإنه ليس ثَمَّ دينار ولا درهم ، من قبل أن يُؤخَذ لأخيه مِن حسناته، فإن لم يكن له حسناتٌ أُخِذ من سيئات أخيه، فُطِرحت عليه). وعند مسلم أيضًا أن رجلا قال: يا رسول الله، أرأيتَ إن جاء رجلٌ يريد أخْذ مالي؟ قال: (فلا تُعطِه مالك)، قال: أرأيتَ إن قاتلني؟ قال: (قاتِلْه)، قال: أرأيتَ إن قتلني؟ قال: (فأنت شهيد)، قال: أرأيت إن قتلتُه؟ قال: (هو في النَّار). وكذلك ما ورد في الصحيحين أنَّ النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (مَن قُتِل دون مالِه فهو شهيد)، وفي لفظ: (مَن أُريد مالُه بغير حقٍّ فقاتل فقُتِل، فهو شهيد) رواه أبو داود، والترمذي وصححه. وجاء عن السائب بن يَزيدَ عن النبي -صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (لا يأخذ أحدُكم عصَا أخيه لاعبًا ولا جادًّا، فمَن أخذ عصا أخيه فلْيردَّها إليه) رواه أحمد وأبو داود والترمذي. وعن أنس: أنَّ النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم- قال: (لا يَحِلُّ مال امرئ مسلِم إلاَّ بطِيب نفسه) رواه الدارقطني بسند صحيح. وغيرها من النصوص كثير كثير. فالقطعي مـن شريعة الإسلام: أنه لا يحل مال امرئٍ مسلم إلا عن طيبة من نفسه. ولا شك أن الحرمة تتناول المال الخاص والمال العام على حدٍّ سواء، بل إن حرمة المال العام أشدّ حرمة من حرمة المال الخاص. 
والمال العام هو مال الأمة، مال الدَّولة، وهو ملك لجميع المسلمين، مرصود لإقامة مصالحهم الدينية والدنيوية، وفي سبيل توفير الخدمات لهم بإشراف الدولة ورعايتها، ولعظم المصالح المترتبة على حراسته وصيانته من عبث العابثين ونهب الناهبين، وفظاعة المفاسد المترتبة على تضييعه وتبديده؛ ولهذا كله وغيره كانت حرمته أشد من حرمة المال الخاص.
الحوثيون واستحلال نهب الأموال
وعلى ما سبق ذكره وبان أمره، جرت سنة المجتمع اليمني ذي العادات الحميدة والقوانين الاجتماعية المحافظة، وانتظم حال الناس فيه حتى جاء الحوثي المشؤوم الجموع المنُوع، فنبذ كل ذلك وراءه ظِهْريًّا؛ واستحل نهب الأموال الخاصة والعامة بطرق شتى وحيل شيطانيّة تحت لافتات ومسميات كثيرة؛ تارة باسم المولد (النهبوي)، وتارة باسم يوم الولاية، وتارة باسم المجهود الحربي؛ وأخرى باسم الزهراء؛ وهكذا، ناهيك عن الضرائب (المكوس) المجحفة، ثم الزكاة التي قلب مفهومها ومقصدها الشرعي، فأصبحت تؤخذ من الفقراء وتنفق على أغنياء ميليشياته التي أثرت ثراءً فاحشًا؛ وبنت القصور وشركات التجارة الخاصة بهم على حساب هذا الشعب المسحوق، فلا تكاد تنتهي سنة من استحداث واختلاق مواسم ومراسم ومناسبات لا عهد للمجتمع بها، إلا وتبدأ سنة أخرى بأعظم وأكثر الطرق والمسميات للجبايات، وجميعها اختلاس ونهب وإتاوات أرهقت كواهل الناس، والتهمت أقواتهم، وأقَضّت مضاجعهم، وقضت على الطبقة المتوسطة بينهم؛ فأصبح المجتمع إما فقيرًا مدقعًا، أو غنيًّا فاحش الثراء.
كل هذا في الوقت الذي عطل فيه الحوثي كثيرًا من مصالح العباد بسبب الفتن والحروب التي اختلقها، ومنعه للرواتب في جميع القطاعات العاملة؛ فاشتدت فاقة الناس، وعظمت ضرورتهم، فلا هو أعطى الحقوق، ولا هو منع العطاء وترك الناس في حالهم يعملون دون أن يأخذ أموالهم بغير حق!، فصار على حدِّ المثل الشعبي: لا يرحم الناس ولا يترك رحمة الله تنزل عليهم.
ومن خلال دراسات أممية وحقوقية قُدِّر ما نهبه الحوثي وعصابته من أموال اليمنيين فوق 100 مليار دولار، وأن أكثر من 60٪؜ من مقدرات الشعب حتى استنزفت من قبل هذه العصابة وذهبت إلى جيوب المتنفذين الخاصة، ووصلت نسبة الفقر في الشعب أعلى مستوى وهو ما أكدته التقارير المتخصصة. وكفى بهذه الفاقرة التي أوصلت الشعب إلى حافة الهلكة؛ كفى بها وحدها سببًا شرعيًّا وقانونيًّا لانتفاض الشعب عليه، وانفكاكه من ظلمه وعصابته المجرمة، فكيف إذا اجتمع إلى هذا السبب أسباب أخرى لا تقل فداحتها عنه؟
 وإن أعظمها ضررًا إفساده لدين الناس، وإضلالهم في معتقداتهم، وتخريب مناهج أجيالهم، وإدخال البدع والخرافات والمحدثات على مساجدهم ومآتمهم وأفراحهم، ناهيك عن الزج بأبنائهم في محرقة الحروب العبثية ودفعهم إليها دفعًا، ناهيك عن تعطيله عجلة التنمية، وقضائه على بنيتها التحتية، وتعريض ما بقي منها للتدمير من خلال زج الشعب كله ورهنه بمشروع إيران، وربطه بمصيرها المجهول!
والخلاصة: أن اليمن المأزوم اليوم في جميع أوضاعه يمرُّ بمرحلة كارثية (ليس لها من دون الله كاشفة) بسبب تسلط هذه العصابة المترفضة في عقيدتها، الخاطئة في سلوكها، ولم يسبق لذلك مثيل.
ولا يأتي الحديث عن المال ونهبه والعبث بمقدرات الشعب إلا في خانة واحدة من جملة مآسيه التي لا حصر لها ولا عد وإلا ففي عقيدة القوم ومنطلقات فكرهم الخارجي والتكفيري لكل من عداهم: استحلال عام للدماء والأموال والأعراض! وخذ مثالًا على ذلك هذا العنوان الصارخ: إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع! فهذا العنوان يشير إلى فتوى فكرية سياسية تأريخية شهيرة للمدعو الإمام الهادوي المتعصب: المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم! (1058هـ). وقد بلغت هذه الفتوى من الشهرة والذيوع والتجسيد الواقعي ما يأبى على الزمن نسيانها، أو على المحاولين عبثًا إنكارها.
فالحوثي اليوم كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني -وهم الشافعية السنة- كفارٌ، أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم: كفار التأويل! ولذلك يعدون أموالهم غيمة، فيأخذون منهم الخمس الذي لا يؤخذ إلا من غنائم الكفار. وهذه الفتوى الطائفية مبنية على عقيدة التكفير التي أطلقها متعصبو الهادوية على مخالفيهم من الشوافع السنة، وأخفاها من أخفاها منهم عملًا بالتَّقيّة المستعارة من مذهب الإمامية، أو خوفًا من إثارة الشعب عليهم!
 وحين سئل هذا الطائفي (إسماعيل بن القاسم): هل يؤاخذنا الله فيما نفعله بحق هؤلاء ..؟! كان جوابه: إنني أخشى أن يسألني الله عما أبقيت لهم لا عما أخذت منهم. ومنطلق هذه العقيدة التكفيرية أن الشوافع "مجبرة"، أي: يثبتون القدر، ويقولون: إن الله أجبرهم على فعل المعاصي - زعموا- وحاشا مذهب الشوافع من ذلك.
ولأجل ذلك جعلوا أرضهم خراجية، حكمها حكم أرض خيبر، وحكموا على أموالهم بالتعشير والتخميس لأنها مباحة بالأصل! 
وزعم بعضهم أنها انتزعت من أيدي الأتراك الكفار بعد خروجهم من اليمن. فمسألة الخمس والتخميس وغيرها من شبه الاستحلال لأموال اليمنيين بالباطل متفرعة من هذه العقيدة الكلية، والخلفية الفكرية لهذا المذهب الطائفي العنصري، سوءًا ظهر بعمامة قسيس، أو قبعة إبليس!
والرجوع إلى الجذور والمنطلقات الفكرية يغني عن كثير من تفسيرات هذه الظواهر والجزئيات الشاذة التي تبرز كلَّما ظهرت لهم شوكة في ردهات الزمن، أو غفل عنهم التأريخ، وجهل الناس حقيقة مذهبهم.

شارك هذا المقال
د.عبدالله بن غالب الحميري

د.عبدالله بن غالب الحميري

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

سامي الكافسامي الكاف23 أغسطس 2026
ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026