المنبر اليمني
المدرسة المظفرية الرسولية..ريادة في التعليم المؤسسي
معالم وأعلام

المدرسة المظفرية الرسولية..ريادة في التعليم المؤسسي

د طه حسين هديل

د طه حسين هديل

مستشار ثقافي بسفارة اليمن في الرياض

18 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

وتُعد المدرسة المظفرية الرسولية من بين أهم تلك المدارس الذي أنشئت في فترة زمنية ازدهر فيها التعليم، وارتفعت فيها سمعة اليمن لتصبح قبلة للعديد من العلماء وطلاب العلم من داخل اليمن وخارجه.

عُرفت اليمن في تاريخها الطويل بتميزها بالعديد من المعالم التاريخية التي أبرزتها بين الأمم الأخرى ذات الحضارات العريقة، ومن بين أهم تلك المعالم: المدراس العلمية التي قامت بدور كبير في التعليم والتأهيل للعديد من أبناء الخاصة والعامة على حدٍ ّسواء، ليتخرج منها العلماء، والفقهاء، والقضاة، والقادة، والحكام، والمعلمون. وتُعد المدرسة المظفرية الرسولية من بين أهم تلك المدارس الذي أنشئت في فترة زمنية ازدهر فيها التعليم، وارتفعت فيها سمعة اليمن لتصبح قبلة للعديد من العلماء وطلاب العلم من داخل اليمن وخارجه. وتنسب هذه المدرسة إلى مؤسسها السلطان المظفر يوسف بن نور الدين عمر بن علي بن رسول (647 - 694ه‍/ 1250 - 1295م) ثاني سلاطين الأسرة الرسولية، وقد أنشئت في أعلى مَغْربة تعز، ورتب لها طاقم متكامل مكوّن من مدرّسٍ ومعيد، وعشرة طلاب، ومعلم، وإمام، ومؤذن، وقيّم، إضافة إلى عشرة أيتام يتعلمون القرآن الكريم، ووقف جيد يقوم بكفاية الجميع. أما عمارتها فكانت من أموال جزية اليهود. 

وكان الفقيه علي بن الحسن الأصابي القعيطي (ت: 657ﻫ‍/ 1258م) أول من درّس فيها، بعد أن طلب المظفر من وزيره القاضي بهاء الدين محمد بن عبدالله بن أسعد العمراني (ت: 695ه‍/ 1296م) أن يرتب فيها أعلم فقهاء العصر؛ فدرّس فيها أشهرًا قلائل ثم مرض وعاد إلى بلده. وبعدها كتب المظفر إلى القاضي بهاء الدين أن يعيَّن الفقيه أبا محمد عيسى بن مطير بن عثمان الحكمي (ت تقريبًا: 680ه‍/ 1281م) مدرسًا فيها، وأن يرفع راتبه. وكانت لديه قدرات في تدريس الحديث والفقه واللغة العربية وغيرها، وكان يحضر مجلس تدريسه جُل الشيوخ والشباب؛ فاستفاد الجميع من علمه وإدارته للمدرسة وتنظيمها. وبعد عدة سنوات عاد إلى بلده.

وقد حظيت المدرسة باهتمام خاص من السلطان المظفر؛ فذاع صيتها في الآفاق، وجذبت إليها العديد من العلماء، أمثال القاضي أبي عبد الله محمد بن علي الرياحي الحميري (ت: 682ﻫ/ 1284م) الذي قدم إليها من إب ليدرس فيها، والعلامة الفقيه أبي عبدالله محمد بن محمد علي الكاشغري (ت: 705ه‍/ 1305م) الذي درس فيها بترتيب من القاضي بهاء الدين العمراني سنة 690ﻫ/1290م. ودرس فيها الفقيه الصالح أبو الحسن علي بن عثمان الأشهبي (ت: 707هـ/ 1307م) القادم من الحجاز، وأتاها للتدريس فيها من ذي جِبْلَة الفقيه أبو عبدالله محمد بن غانم )ت بعد: 730ﻫ/ 1329م) بترشيح من القضاة بني محمد بن عمر، ودرس فيها أيضًا القاضي جمال الدين محمد بن يوسف النزاري الصبري) ت: 742ﻫ/ 1342م)، والفقيه البارع تقي الدين عمر بن سعيد التعزي (ت: 788ه‍/ 1386م) حتى وافاه الأجل، والفقيه عبد الرحمن بن أبي بكر الزوقري )ت: 810ه‍/ 1407م)، والقاضي عز الدين النويري )ت: 826ه‍/ 1423م) بعد قدومه إلى تعز، وكان ممن تولى الإعادة فيها الفقيه محمد بن عباس الشعبي (ت بعد: 682ﻫ/ 1284م)، والفقيه عبد الله بن محمد بن سبأ الريمي العياشي )ت: 725ه‍/ 1325م) فترة من الزمن. أما أول طلابها فهو القاضي محمد بن يحيى بن أبي الرجا الجناب الحميري) ت: 720ﻫ/ 1320م( الذي تتلمذ عند الفقيه الأصابي.

ويذكر العلامة إسماعيل الأكوع في كتابه (المدارس الإسلامية في اليمن) أن هذه المدرسة خربت في تاريخ غير معروف، ولم يبق منها غير حجر التأسيس المحفور عليه اسم المدرسة واسم بانيها من بين أنقاضها، ونقل الحجر إلى جامع الملك المظفر، جامع ذي عُدَيْنَة في تعز. وقد أسهمت المدرسة المظفرية بدور كبير في نشر العلم بين أفراد المجتمع اليمني، إضافة إلى تقديم الإجازات العلمية، وزيادة الوعي بين فئات واسعة من الناس الذين كانوا يتوافدون عليها للدراسة والاستماع، لاسيما وأنها احتوت على مرافق لإقامة الطلاب، وتوفير متطلباتهم، وشمل ذلك توفير أماكن الإقامة، وتوزيع الأطعمة، وغيرها. وكانت المدرسة المظفرية كغيرها من المدارس الرسولية التي قامت على نظام تعليمي متطوّر في وقته، ومنهج دراسي وافٍ، وقاعات للدرس وغيرها.


شارك هذا المقال
د طه حسين هديل

د طه حسين هديل

مستشار ثقافي بسفارة اليمن في الرياض

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة
معالم وأعلام

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة

حين تقترب نار الفتن والأفكار المتطرفة من الأوطان تحتاج إلى شخصيات استثنائية تطفئها، وتنصر الحق، وتكشف الزيف، وتعري الباطل وتتصدى له، وتُنير الطريق بنور الهدى، وتزرع الأمل في نفوس الناس، وتصدع بالحق. تحتاج إلى قادة يتصدرون للدفاع عن أرضها وهويتها، رجال صادقين في تضحياتهم ومواقفهم.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 أغسطس 2026
قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها
معالم وأعلام

قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها

نتيجة لاهتمام بعض حكام حضرموت ومشايخها، والأغنياء من التجار الحضارم والمهاجرين منهم بالبناء والمعمار اتَّجه كثير منهم إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم بتعمير البيوت المتقاربة ذات الطوابق المتعددة، والقصور المنفردة والمتميزة بأشكالها الفنية والمعمارية الجميلة والمحاطة بالحدائق الغناء، معتمدين في بنائها على مادة الطين المقاوم لعوامل التعرية وللظواهر البيئية الصعبة.

د طه حسين هديلد طه حسين هديل24 يوليو 2026
العلامة العمراني..  جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع
معالم وأعلام

العلامة العمراني.. جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع

من يتأمَّل الجهود العلمية المتعددة للقاضي محمد بن إسماعيل العمراني -رحمه الله- ويطلع على علمه الغزير، وثقافته الموسوعية، وإجماع عموم أبناء اليمن عليه، والقبول الذي يحظى به، وكثرة طلابه من اليمنيين ومن غيرهم من العالم الإسلامي، يلاحظ أنه مقل في التأليف.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 يوليو 2026