تعز ليست مجرد مدينة على خارطة اليمن، بل أرضٌ ضاربة الجذور في التاريخ، وموطن حضاراتٍ أسهم أبناؤها في ميادين العلم والتجارة والسياسة والعمران. فمن المعافر وحمير في اليمن القديم، إلى حضور اليمنيين في تاريخ الإسلام والأندلس، وصولًا إلى ازدهار الدولة الرسولية، تتجلى حكاية أرضٍ صنعت لنفسها مكانةً في تاريخ اليمن وحضارته.
إن الاعتزاز بتاريخ تعز ليس مجرد حنين إلى الماضي، بل فخرٌ بجذورٍ عريقة ومسؤوليةٌ تجاه المستقبل.
لقد عُرفت المعافر منذ القدم (بالثياب المعافري) التي ذاع صيتها في الجزيرة العربية، في شاهد على مهارة الإنسان اليمني في صناعة النسيج والتجارة. كما ارتبطت مناطق تعز، ومنها موزع، بحركة التجارة القديمة عبر البحر الأحمر، وكانت جزءًا من شبكة حضارية ربطت جنوب الجزيرة العربية بالعالم القديم.
ولشرعب أيضًا إرثها القبلي والتاريخي، وما ارتبط بأبنائها من أسماء وردت في كتب التراجم. ويستحق هذا الموروث مزيدًا من البحث والتوثيق، حفاظًا على الذاكرة المحلية ونقلًا لها إلى الأجيال.
ومع ظهور الإسلام، كان لليمنيين حضور بارز في الدعوة والعلم والفتوحات، وارتبطت منطقة الجند شرقي تعز بمعاذ بن جبل رضي الله عنه، الذي بعثه النبي ﷺ إلى اليمن، فأصبحت الجند من المراكز المبكرة للدعوة والعلم في البلاد.
وامتد ذكر الأصول اليمنية إلى الأندلس، ومن أبرز الشخصيات التي تنسبها مصادر تاريخية إلى المعافر الحاجب المنصور محمد بن أبي عامر، الذي تدرّج في مناصب الدولة حتى أصبح صاحب النفوذ الفعلي فيها، وقاد حملات عسكرية عززت قوتها ومكانتها.
وفي العصر الأيوبي، برزت تعز مركزًا مهمًا للحكم، ثم بلغت مكانةً عظيمة مع قيام الدولة الرسولية سنة 1229م، التي اتخذت منها مركزًا رئيسيًا لحكمها لأكثر من قرنين. وشهدت المدينة في عهدها ازدهارًا في العلوم والتجارة والعمران، ولا تزال المدرسة الأشرفية وجامع المظفر وغيرهما من المعالم شواهد على ذلك العصر المشرق.
وتعاقبت بعد ذلك الدول والعصور، من الطاهريين إلى العثمانيين، وصولًا إلى التاريخ اليمني الحديث، وظلت تعز حاضرةً في التحولات السياسية والوطنية، ومدينةً ذات مكانة ثقافية وعلمية مميزة.
إن تاريخ تعز ليس مجد سلطان أو قبيلة بعينها، بل سجل متنوع من إسهامات العلماء والتجار والقادة والقبائل وأهل الفكر. ومن واجب أبنائها أن يحفظوا هذا الإرث، ويوثقوا حقائقه، ويجعلوا منه حافزًا للعلم والعمل والبناء، بعيدًا عن المبالغة أو الاكتفاء بأمجاد الماضي.
وإذا كانت تعز قد صنعت صفحات من المجد والحضارة، فإنها تكتب اليوم صفحات أخرى من الصبر والصمود في وجه الحصار الذي تفرضه المليشيات الحوثية، وما خلّفه من معاناة قاسية على أهلها. وقد قدّم أبناؤها تضحيات جسيمة، وبذلوا من دمائهم وأرواحهم ثمنًا لصمود مدينتهم وكرامتها.
يا أهل تعز، إن الوفاء لتاريخكم وتضحيات أبنائكم لا يكون بالكلمات وحدها، بل بالصبر والثبات والتكاتف، وحماية الإنسان والأرض والهوية، والعمل من أجل مستقبل يسوده الأمن والحرية والسلام.
تعز التي احتضنت العلم والحضارة تستحق مستقبلًا يليق بماضيها، وأبناءها قادرون على تحويل إرثهم الحضاري إلى قوةٍ للبناء والنهوض.
تعز.. أرض المعافر وحمير، وحاضرة الدولة الرسولية، وموطن التاريخ والعلم والثقافة؛ ماضٍ يستحق الفخر، وحاضر يروي حكاية الصمود، ومستقبل يستحق أن نتكاتف جميعًا من أجله.
أهلها أهل العز، وتاريخها شاهد على عراقتها، وصمودها عنوان لإرادة أبنائها.
اللهم احفظ تعز وأهلها، وارحم شهداءها، واشفِ جرحاها، وفك حصارها، وارفع عنها المعاناة، واكتب لليمن وأهله الأمن والاستقرار والسلام والازدهار.
والسلام على تعز، أرض التاريخ والعز، ومدينة الصبر والصمود، وموطن الأمل الذي لا ينطفئ.

هاني كُرد
كاتب وباحث
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





