المنبر اليمني
المدرسة الدينية الحضرمية خصائص وأسرار
مقالات

المدرسة الدينية الحضرمية خصائص وأسرار

الشيخ/ أكرم بن مبارك عصبان

الشيخ/ أكرم بن مبارك عصبان

عضو مجلس علماء وادي حضرموت

25 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

لن يستوفي هذا المقام المحصور في كلمات معدودات الحديث عن خصائص المدرسة الدينية الحضرمية وأسرارها، وحسبنا أن نفتح الأنظار بإطلالة سريعة بمثابة مفاتيح لأبواب متعددة يلج من خلالها القارئ إلى رحاب فسيحة ورياض يانعة يتنقل فيها بين أروقة هذه المدرسة وفصولها المتعددة، وذلك من خلال البحث عن مفهومها، ونشأتها التاريخية، ومناهجها العلمية والعقدية، وأبرز أعلامها المتأخرين، ثم أثرها في العالم الإسلامي. والحديث ليس مصروفًا عمن أضرَّ بصفائها فلا نبخس من وجوده شيئًا.

مفهوم المدرسة الحضرمية
المدرسة الحضرمية الدينية واسعة الأرجاء، ممتدة منذ صدر الإسلام إلى الزمن المعاصر، وهي أوسع من أن تختزل في مدرسة تنسب إلى التصوف زورًا فضلًا عن حصرها في عائلة معينة؛ فحضرموت عبر تاريخها الطويل قد احتضنت مدارس علمية متعددة المشارب، منها ما أَفِلت آثارها كالإباضية، ولم يبق منها شيء ولو كباقي الوشم في ظاهر اليد، ومنها ما تجذر على علاته متلبسا بمفاهيم الخرافة والأحلام والأوهام، كالصوفية التي تنزع إلى القطبية وأخواتها، وبينهما مدرسة أصيلة لها جذور ضاربة في القدم، ولم تزل هي الوجه الحقيقي للمدرسة الدينية بحضرموت. وقد جاب الحضارمة الآفاق، وطالما تغنوا بصفة الأمانة بشهادة معاوية بن أبي سفيان -رضي الله عنه- حين كتب إلى مسلمة بن مخلد وهو على مصر: (لا تول عملك إلا أزديًا أو حضرميًّا فإنهم أهل الأمانة)().
النشأة التاريخية للمدرسة الحضرمية
المدرسة الحضرمية بنسختها العلمية المتمثلة في الاهتمام بجمع الأحاديث النبوية وطلب أسانيدها، والعناية بالفقه الشافعي ومتونه الشريفة، والاعتماد على عقيدة أهل السنة، والالتفات إلى التصوف زهدًا وورعًا وسلوكًا؛ هي الأسبق في حضرموت من غلاة الصوفية وفكرهم الذي ينضح بالغلو، ويتقاسم التعالي على الناس مع الشيعة.

ولا غرابة في ذلك، فقد تأثرت هذه المدرسة في القرن السادس الهجري بمراكز العلم في اليمن، مثل: زبيد، والجَنَد، وعدن، حيث الشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني الذي نصر عقيدة سلف الأمة ورد على المعتزلة والأشاعرة وصنف كتاب (الانتصار في الرد على القدرية الأشرار)، وأضاف إليه من مسائل القدرية مذهب الأشعرية والرد عليهم، ومن أصحابه سيف السنة أحمد محمد البريهي، سكن إب، وله كتبٌ عِدة في الأصول يرد بها على المعتزلة والأشعرية، ومن تلاميذ يحيى بن أبي الخير من الحضارمة محمد بن مفلح الحضرمي، ومحمد بن عبد الله الحضرمي().

هذه المدرسة الأسبق والأجمل القائمة على خدمة الأحاديث النبوية، والعناية بفقه الشافعية، والاهتمام بعقيدة أهل السنة، والميل إلى التصوف السنّي القائم على الرقائق والسلوك والزهد قبل أن تتسلل من خلاله طريقتان ماكرتان: إحداهما علم الحقائق ومصطلحات الفناء والوحدة التي ترجع في طرحها إلى أفكار ابن عربي، والثانية مفاهيم الشيعة والرافضة والباطنية التي يكرّسها التصوف المنحرف كالسعي نحو الإمامة الخاصة لآل البيت لا تكون في سواهم، فهم يتوارثونها، وأنهم أصحاب الخلافة الباطنة وهم ملوك على التحقيق، فالنفوذ الحقيقي في حضرموت -بزعمهم- إنما هو للولاية الصوفية.

مناهجها العلمية والعقدية

كانت المدرسة الدينية الحضرمية في مناهجها العلمية الأولى على منهاج النبوة في العصر الأول، حيث لا شائبة فيها، وقد وفد الحضارمة على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخذوا عنه العلم، ومن أجلهم ذكراً وفد بني أبذى من قبيلة تُجيب، قدم المدينة سنة تسع للهجرة، وهم ثلاثة عشر رجلًا، ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرضها الله عليهم، وقال أبو بكر فيهم: يا رَسُول اللَّهِ، مَا وَفدَ عَلَيْنَا وَفدٌ مِنَ العرب مِثْل مَا وَفد بِهِ هَذَا الحَي مِن تُجيب().

ثم وفدت على الخلفاء الراشدين جماعات، منهم عطية بن أوس الحضرمي ورهطه، وقد قال: إن أبي وأعمامي هاجروا زمن عثمان في آخر إمرته، وكنت معهم، وأنا غلام جفر، أعقل ما أسمع، فخرجنا من حضرموت في مائة راكب حتى أتينا المدينة، فأقمنا بها شهرًا، وكان أبي وأعمامي يجالسون أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فدخلوا يوما على عثمان -رضي الله عنه- ليستأذنوه في المصير إلى مصر، فدخلت معهم().

ثم غشيت الإباضية البلاد الحضرمية ولم تزل بها حتى أحاطت بها من أقطارها، ولبثت فيها مدة طويلة لا تنقص عن أربعة قرون قبل أن يسلمها الوهن إلى العلوم السنيّة. والإباضية كمرحلة تاريخية قد طويت صفحاتها من حضرموت ولم يبق من آثارها شيء، ومثلها العلوم الكلامية العقلية من آثار الاعتزال، ولكن حالت الإباضية دون تغلغل الصليحيين إلى حضرموت، وأبلى آخر أئمة الإباضية بحضرموت بلاء حسنًا، وهو أبو إسحاق إبراهيم بن قيس الهمداني الحضرمي، واستنجد في ذلك بالخليل بن شاذان إمام عمان: 
انصر أخاك فإن الحرب قائمة      والحق يطلب من أهليه أركانا
إن الذي عمرت صنعاء دولته     بالفسق أصبح من مولاي فزعانا
ومن أشعاره المشهورة قوله:
ولم يبق لي إلا الصليحي قائما وها هو ذا سعده غير قائم
فكان جدارًا منيعًا دون سيطرة الصليحيين وأفكارهم، ويصفهم بأوصاف منها: (لكنها دول الأنجاس) (لديهم بواطن سوء)().
ثم لبست البلاد لباس علوم السنة والعناية بالأحاديث النبوية، وفقه الشافعية. وقد أغاث الله البلاد بقدوم إمام من أئمة الشافعية إلى مرباط بظفار، وهو الإمام محمد بن علي القلعي صاحب المصنفات العديدة والفتاوى المفيدة (عنه انتشر العلم، فتسامع به الناس إلى حضرموت ونواحيها، فقصدوه، وأخذوا عنه الفقه وغيره، بحيث لم ينتشر عن أحد بتلك الناحية كما انتشر عنه، وأعيان فقهائها أصحابه وأصحاب أصحابه)(). 
ومن علوم تلك الطبقة علم التصوف بمفهومه السنّي القائم على الزهد والورع وعلم الرقائق، ثم تسللت بعض تعاليم الشيعة وترتيباتهم، ودخلت من تعاليم التصوف، واصطبغ التصوف بمقاصد التشيع، والإفاضة في مناقب آل البيت وفضائل الانتساب إليهم، مستغلين الصلات العقائدية بين التصوف والتشيع، وقد حال الأيوبيون دون تحقيق الإعلان عن التشيع فاختفى المشروع تحت ستار التصوف.
وكانت آثار ذلك؛ معالم الغلو في المقبور، وتشييد القباب، وإحداث الزيارات للأقطاب، وإشاعة فضائلها؛ فبها تقضى الحاجات، وبعضها تعدل كذا وكذا حجة، والترويج للخرافة. وترددت في جنبات المدرسة معانٍ بعيدة في الغلو كتصرف الأقطاب في الأكوان، وغيرها من المفاهيم التي تهدم الإسلام. ولم تفلح الحملة النجدية سنة ۱۲۲٤ هـ في التغيير المنشود؛ لأنها كانت عسكرية لم تأخذ في حسابها عامل الوقت والصبر في غرس المفاهيم الصحيحة وسقيها وتعهدها حتى تؤتي ثمارها يانعة، غير أن هذه الهفوة تداركها من جاء بعدهم ممن رام التغيير، وألقت مدارس علمية رصينة بنفسها فانقلب حال المدرسة إلى سيرتها الأولى مع شائبة لا تخلو منها مدرسة دينية.

أعلامها المتأخرون
أنَّى لي أن أتحدث عن أعلام المدرسة الحضرمية بألوانها المختلفة والمتعددة، وإني لا أستنكف من إيراد من كان علمًا فيها وإن أضرَّ بالمدرسة العلمية الحقة، فلا يكفي المقام في بث أخبار أعلامها، فهذا يحتاج إلى أسفار عظيمة، ولا يخلو عصر انتفشت فيه الخرافة وعلا صوتها من نذير من العلماء والمصلحين الأجلاء، يذبُّ عن الحق ويبيّنه. ولعلنا نبيح من أسرارها بخمسة مواقف:
۱ - بينما كانت المدرسة الدينية الحضرمية المتمثلة في العلوم الفقهية الشافعية والصوفية السنية تعاني من شطحات أتباع مدرسة ابن عربي؛ إذ برز الفقيه العلامة عبد الله بن عمر بامخرمة ت ٩٧٢ هـ يكشف عوارهم، مع أنه يثني على أمثل الجنيد، ولكنه أراد حماية المدرسة الدينية بحضرموت من أن يتسور جدرانها أهل وحدة الوجود، فألف كتابًا أسماه (حقيقة التوحيد وصحيح الاعتقاد في تكفير طائفة الوحدة والاتحاد). ومما قاله في الفتاوى العدنية: (وغرَّروا أممًا بما لبسوا به من إظهار سلوك الصوفية، وإنما جعلوها شبكة لأرباب العقول الضعيفة والآراء السخيفة)().
٢ - لما كانت مفاهيم الرافضة قديمًا تتسلل لواذًا إلى حضرموت؛ إذ قام فينا شاعر لم نقف على ترجمته الوافية، ولم نحط بها خبرًا، ولكنا عرفناه من خلال قصيدته العصماء، وجهاده بالشعر، وما أدراك ما الشعر! يرميهم بنباله ومن مقطوعاته التي لا زال ينشدها الحضارمة:
أبو بكر الصديق ذو الفضل والمنن    فمن فضله عند النبي قد اندفن
فما بينهم شيء سوى طية الكفن      فإن كنت من أهل الجماعة والسنن
ترض عن الشيخ الإمام أبي بكر
 أبو بكر في حجابه السادة الغرر     وباغضهم لا شك يحشر في سقر
أحب أبا بكر ومن بعده عمر     وقل للشقي الرافضي الذي كفر
فإني محب للنبي وأبي بكر
3- ومن ذلك ما شاع من المناهي الدينية وتفشيها في حضرموت، فانبرى لها الفقيه بلا مَيْن، علي بن أحمد باصبرين ت ١٣٠٤هـ ، وقام وقعد، وألف وقرر من ذلك كتاب (إرشاد كمَّلِ العبيد لخالص التوحيد) وكتاب (الجمل من المهمات الدينية في بعض المرتكب من المناهي الربانية).

٤ ـ أما جهود الأديب علي بن أحمد باكثير في إصلاح الجانب الفكري فمشهودة، تتجلَّى في باكورة أعماله مسرحية (همام في بلاد الأحقاف) يصوّر فيها الحال البائس الذي تردَّت فيها المدرسة الدينية حين اختطفها الغلاة، ويتحدَّث عنها بأسلوب أدبي كما في حديثه عن أحد مدعي الولاية: 
فأهل الله هم جازوا     مناط النهي والأمر
ملوك لهم التصريــــ  فـ      في البر وفي البحر
وقوله على لسان دعي آخر:
 أنا جيلاني هذا العصر قد     وطئت رجلاي أعناق النجوم
خضت بحرًا وقف الخلق على     ساحليه في ذهول ووجوم
من رآني أو رأى من رآ               ني فهو محظور على نار الجحيم

5 ـ وممن له جهد مشكور في حفظ المدرسة الفقهية العقدية الصحيحة القاضي العلامة عبد الله بن عوض بكير رئيس القضاء الشرعي للدولة القعيطية بحضرموت لثلث قرن (١٣٥١ – ١٣٨٥هـ)، له رسالة لطيفة بعنوان (تطهير الفؤاد من سيء الاعتقاد) ورسالة أخرى (السيف القاطع في صون المسجد عن الدُّفِّ على رغم أنف المنازع).
ولا ننسى جهود شيخنا فقيه حضرموت ومفتيها في هذا العصر الحاضر العلامة علي بن سالم بكير باغيثان، شفاه الله، فقد جمع بين نشر المدرسة الشافعية والاعتقاد الصحيح ونبذ الغلو في أهل القبور، ومن أجلّها الاستغاثة بهم. وكان له القدح المُعلّى في هذين الأمرين.

أثرها في العالم الإسلامي
إن أثر المدرسة الدينية الحضرمية بارز كقمر ليس دونه سحاب، ولا تكاد تخطئه العين، منذ النشأة الأولى حين حملوا معهم صفاتهم الطيبة، وبلغوا المشرق إلى سجستان، والمغرب إلى الأندلس؛ فمكنهم الخلفاء من الولاية والقضاء، وقد ولي القضاء بمصر تسعة من الحضرميين، أولهم يونس بن عطية، وآخرهم لهيعة بن عيسى (١٩٩هـ - ٢٤٤هـ). قال الشاعر يزيد بن مقسم الصدفي:
يا حضرموت هنيئًا ما خُصصت به    من الحكومة بين العجم والعرب 
في الجاهلية والإسلام يعرفه                أهل الرواية والتفتيش والطلب 
ثم بعد ذلك تعددت المدارس الفرعية التي ذكرناها، وما زالت آثار مدرسة حضرموت بارزة في شرق آسيا وشرق إفريقيا، من الذين هاجروا حاملين الأخلاق الإسلامية إلى حيث ألقوا رحالهم، غير أنه لا ينسينا الثناء عليهم ونشر مسكهم من نبذ ما تم نقله باسم التصوّف في حضرموت الأصل من مظاهر الغلو والتعالي، الآنفة الذكر إلى المهاجر، وإشاعة الخرافة ذات الأحلام والأوهام. 

شارك هذا المقال
الشيخ/ أكرم بن مبارك عصبان

الشيخ/ أكرم بن مبارك عصبان

عضو مجلس علماء وادي حضرموت

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

مليشيا الحوثي.. مشروع موت يهدم ويخدم إيران
مقالات

مليشيا الحوثي.. مشروع موت يهدم ويخدم إيران

أخي المغرر به، ممن لا يزال مخدوعًا بمليشيا الحوثي، هل تساءلت يومًا: ما هو مشروعها؟ وماذا قدمت لليمنيين خلال سنوات سيطرتها؟

د محمد السماند محمد السمان9 سبتمبر 2026
شروط النصر في معركة استعادة الدولة والشرعية.. تحية لأبطال الميدان
مقالات

شروط النصر في معركة استعادة الدولة والشرعية.. تحية لأبطال الميدان

نشهد اليوم، بفضل الله تعالى، انتصارات وتقدمًا ميدانيًا في مختلف جبهات المواجهة ضد المليشيات الحوثية الانقلابية؛ وهي بشائر تستوجب شكر الله ودعم المرابطين، وتدعونا إلى تعزيز أسباب النجاح المستدام.

عمار بن ناشر العريقيعمار بن ناشر العريقي9 سبتمبر 2026
الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026