على الرغم من توقف الحرب في الجبهات إلا أن الحوثيين يحشدون يوميًّا طاقاتهم لخوض حرب من نوع آخر مع اليمنيين في المحافظات غير المحررة، وهي حرب على الهوية الوطنية التي هي آخر قلاع الكرامة التي يتمسَّك بها اليمني في مجاله الخاص.
منذ سيطرة الحوثيين على صنعاء أحكموا قبضتهم على المجال العام الممثّل بطبقة ثقافية وسياسية بين المجتمع والسلطة، وحاولوا إذابة من فيه بالترهيب والاختطاف والقتل، ومع ذلك احتفظ الناس بهويتهم اليمنية في مجالهم الخاص.
يحاول الحوثيون اقتحام المجال الخاص للأسر اليمنية واختطاف هويتها، بإحلال هوية طائفية شيعية مشبَّعة بلغة المؤامرة والعداوة والصراع، ويستخدمون كافة الوسائل للوصول إلى ذلك، ومنها استقطاب أطفالها إلى المراكز الصيفية بأساليب الترغيب والترهيب، ومن هذه المراكز يعبُر الأطفال إلى جبهات القتال بلا هدف سوى حماية "السيد" وفناء ما دونه.
من الشباب المؤمن إلى المدارس الصيفية
لم تكن المراكز الصيفية وليدة الفكرة والتنفيذ لدى الحوثيين، فالنواة الأولى بدأت عام 1991م في وكر عُرِف بـ"منتدى الشباب المؤمن"، لكنَّها تحوَّلت بعد عام 2014م من أنشطة دينية وطوعية إلى مؤسسة حكومية قسرية.
ومع إعلان الحوثي تمرُّده على الدولة ومحاربة الجيش اليمني عام 2004م كثَّف الاهتمام بهذه المراكز، وتحولت من تعليم مذهبي إلى استقطاب طائفي وتعبئة عسكرية ضد الجيش والحكومة، وانتشرت في محافظة صعدة، وتحديدًا في المناطق التي كان يتواجد فيها الحوثي مستغلًا طبيعة النظام السياسي الذي أتاح المجال للجماعات والتنظيمات السياسية حرية القول والتجمّع.
وفي 2008م نقل الحوثي تجربة المراكز الصيفية إلى خارج محافظة صعدة، مستخدمًا وسائل غير تقليدية، أبرزها أجهزة التخزين الرقمية مثل: الأقراص المدمجة وذاكرات USB التي تحتوي على محاضرات حسين الحوثي ودروسه، وتوزيع الملازم بعد تفريغ المحاضرات إلى نصوص مكتوبة، ومن ثم إقامة دروس ومحاضرات في دواوين بعض البيوت الحوثية أو الموالية للجماعة.
وعام 2011م استغل الحوثيون الاعتصامات في الساحات لنقل أنشطتهم إلى المحافظات، فأصبحت المراكز الصيفية والدورات الطائفية أكثر تنظيمًا وانتشارًا، واستغلوا التحوُّل السياسي في اليمن، وهشاشة الدولة، وانشغال الرقابة الناقدة في المجال العام بالصراع السياسي مع السلطة حينها.
وفي عام 2014م حدث تحوُّل مؤسسي بارز للمراكز الصيفية، فقد رافق سيطرة الحوثيين على العاصمة إحكام السيطرة على مؤسسات الدولة التي استُخدمت لاحقًا في رعاية هذه المراكز وتمويلها من المال العام، مستغلين الحرب لإسكات الأصوات الرافضة لتوظيف مؤسسات الدولة ومواردها في أنشطة طائفية، خاصة بعد عام 2018م، وبتخلّصهم من حليفهم في السلطة علي عبد الله صالح اتسعت فرص التفرّد بالسلطة، واختطاف هوية اليمنيين، والعبث بالمال العام.
أنواع المراكز الصيفية
وقد غيّر الحوثيون تسمية المراكز الصيفية هذا العام إلى المدارس الصيفية، وارتبطت هذه الخطوة بتوسّعهم في إقامة هذه الأنشطة داخل المدارس الحكومية والخاصة، وتُقدَّم هذه المراكز في ثلاثة أنماط رئيسة: المفتوحة، والمغلقة، والنموذجية. أما المراكز المفتوحة فتُقام في المدارس، وتؤدي وظيفة ترويجية تهدف إلى كسر حاجز الخوف لدى الأهالي، وتغيير الصورة السلبية التي ارتبطت بهذه المراكز.
وتعد المدارس المغلقة هي الأخطر على هوية الأطفال، وتقام في أماكن ذات طابع عسكري، وتخصص غالبًا لطلَّاب الثانوية العامة، وتركِّز على إعدادهم عسكريًّا وإيدلوجيًّا وضمِّهم إلى صفوف الجماعة كوحدات عسكرية احتياطية. وتشير المعلومات مغادرة عدد كبير من الطلاب المراكز المغلقة وتوجههم مباشرة إلى جبهات القتال دون علم أهاليهم. أما المدارس النموذجية فهي مدراس نوعية تُخصَّص لمن تجاوزوا سنَّ العاشرة، إضافة إلى الطلبة المتفوقين في الأنشطة المدرسية، ويظل المنتسب في المركز طوال الأسبوع لا يغادر مكانه.
وجميع هذه المراكز تقام غالبًا في مراكز المحافظات، وفيها يتلقَّى الطالب محاضرات مرئية تتضمَّن خطابات لعبد الملك الحوثي، ومشاهد لمعارك حزب الله والحرس الثوري، ولقطات لإطلاق الصواريخ التي توحي بالقوة، إضافة إلى تدريب محدود على تفكيك بعض الأسلحة الخلفية. أما المدارس المفتوحة فتُخصَّص للأطفال من خمسة إلى عشر سنوات، وتمتد أنشطتها من الصباح إلى الظهر، وتتوزَّع الأنشطة بين الرياضة وتحفيظ شكلي للقرآن مع ترديد الصرخة وقَسَم الولاية، والأخير هو الأهم.
وقد تحدَّث مسؤول في المدارس الصيفية بصنعاء للكاتب عن اهتمام واسع بهذه المدارس هذا العام، فعلى سبيل المثال: توجد في مديرية بني بهلول شرق العاصمة 32 مدرسة تُقام فيها الأنشطة الحوثية موزَّعة على قرى المديرية كلها، من بينها مدارس كشفية، و5 مدراس نموذجية، و26 مدرسة مفتوحة. أما عدد الطلاب والطالبات فقد وصل إلى 3500 طالب وطالبة، وهذا ضعف ما كان عليه في الأعوام الماضية. وبلغ عدد العاملين فيها 200 معلم ومعلمة.
ويتَّخذ الحوثيون آلية خاصة للمتابعة، تتمثل في نزول فرق تابعة لأعضاء اللجنة التنفيذية إلى المدراس طوال أيام الدراسة، والتواصل مع المشايخ القبليين والأعيان لحثهم على زيارة المدارس الصيفية، وإلزامهم بتوفير الدعم المالي لها.
وتستعرض وسائل الإعلام الحوثية الرسمية، مثل: وكالة سبأ، وسبتمبر نت التابع لوزارة الدفاع الحوثية، أرقام الملتحقين بالمراكز في مختلف المحافظات، على سبيل الاستعراض الدعائي، لكن هذه الأرقام تكشف حجم الكارثة، فقد أعلنوا أن عدد الملتحقين العام الماضي في المستويات الثلاثة بلغ مليونًا وخمسمئة ألف طالب وطالبة موزعين على تسعة آلاف ومئة مدرسة.
وهناك دورات يقيمها الحوثيون في الجامعات، حيث يقوم فريق حوثي بزي عسكري بزيارات الكليات وتنظيم دورات داخل قاعاتها، يعرضون فيها فيديوهات على الطلاب، وهذا الأمر يقام بالتنسيق مع ملتقى الطالب الجامعي. واستحدث الحوثيون منظومة ضغط متكاملة لإجبار الأهالي على تسجيل أبنائهم في المراكز الصيفية؛ ومن ذلك أنهم ربطوا الحصول على الشهادة المدرسية أو تحسين الدرجات بالمشاركة في المراكز الصيفية، ويُشعِرون الموظفين الحكوميين بضرورة إرسال أبنائهم إلى المراكز كدليل على الولاء الوظيفي، ومن يرفض يتعرَّض للتهميش في عمله.
وفي إحدى مدارس ريف إب تلقَّت الإدارة تعليمات من الحوثيين تقضي بعدم تسليم نتائج نهاية العام الماضي أو قبول تسجيل الطلاب للعام الجديد إلا بعد تقديم ما يثبت مشاركة الطالب في تلك المدارس الصيفية. ويضاف إلى تلك الأساليب قيام وزارة الأوقاف والإرشاد بإصدار تعميم من الإدارة العامة للخطباء والأئمة وتوزيعه بواسطة مجموعات في واتس آب على خطباء مساجد يوم الجمعة، ينص على دعوة أولياء الأمور إلى إلحاق أبنائهم بالمراكز الصيفية التابعة للجماعة.
هيكل إداري مزيج من وزارات
تظهر المدارس والمراكز الصيفية بواجهات هيكلية متعددة المستويات والمهام، وتتوزَّع على عدد من الوزارات، ومن ذلك أن وزارة التربية تتولى مجال المنهج وتحديد الخطاب، وتؤدي لجنة التعبئة دورًا مركزيًّا في توجيه خطاب يتضمَّن عنصر الصراع، والمؤامرة، والأعداء. وتتولَّى وزارة الأوقاف والإرشاد مسؤولة المحتوى الديني والخطاب الوعظي والإشراف على تنفيذه.
وتشارك وزارات حوثية أخرى على المستوى الفني؛ إذ تتولى وزارة الاتصالات مهمَّة التعريف بخطر استخدام الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي، وتشارك وزارة الداخلية ببرنامج "شباب واع، مجتمع آمن"، أما وزارة الإعلام فتشارك بتغطية المراكز ونشرها في وسائل الإعلام الرسمية وغير الرسمية، وخاصة الإذاعات؛ بهدف الوصول إلى المناطق الريفية الأكثر سكانًا والأقل وعيًّا.
وفي الجانب التنفيذي والفني تتولَّى السلطة المحلِّية في كلِّ محافظة واقعة تحت سيطرة الحوثي الإشراف الميداني وتنسيق العمل في المديريات والحارات، وذلك بواسطة مكاتب التربية واللجان الإشرافية التي تتابع سير تنفيذ تلك البرامج.
تدير هذه المدارسَ اللجنةُ العليا للدورات والأنشطة الصيفية، التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثيين، وتضم في عضويتها كلًّا من وزير التربية، ووزير الشباب والرياضة، وممثلًا عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن هيئة التعبئة. وتتفرع عنها لجان فرعية يتولاها محافظو المحافظات، وينوب عنهم مسؤولو التعبئة العامة، وتضم في عضويتها كلًّا من مدير مكتب التربية والتعليم، ومدير الشباب والرياضة، ومدير الأوقاف والإرشاد.
هذه المدارس تُديرها اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثيين وعضوية كل من وزير التربية، ووزير الشباب والرياضة، وممثل عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن هيئة التعبئة. وتتفرع منها لجان فرعيَّة يتولَّاها محافظو المحافظات، وينوب عنهم مسؤولو التعبئة العامة، وعضوية كلٍّ من مدير مكتب التربية والتعليم، ومدير الشباب والرياضة، ومدير الأوقاف والإرشاد.
الهوية اليمنية آخر قلاع الصمود الشعبي
يكرِّس الحوثيون في خطابهم أن المدارس الصيفية وجدت لمواجهة المؤامرات التي تستهدف الدين والوطن، ولحماية الأطفال والشباب، وهي في تصورهم معركة لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية في الداخل والخارج، ويطلقون عليها إجمالًا "معركة وعي".
وتبيَّن من شهادات لأسر الأطفال الملتحقين بالمدارس الصيفية في مدينة إب أن الحوثيين يغرسون في الأطفال أن المسلمين ضالون، والحل لخروجهم من الضلال هو الالتحاق بجبهات القتال لمواجهة الأعداء الذين هم بنظر الحوثي الغزاة والمنافقون.
كلُّ هذا الحشد المتصاعد والتعبئة الخطرة التي يمارسها الحوثيون لا يهدفان إلى تنشئة جيل سليم الهوية والنفس، بل إلى قتل الوعي بالذات، ودفع الأطفال والشباب إلى جبهات القتال بعقلية عبودية بلا غاية أو هدف سوى خدمة تصور طائفي يلتقي مع محور وكلاء إيران خارج البلاد؛ لأجل ذلك يعملون سنويًّا عقب نهاية السنة الدراسية الرسمية على استقطاب الأطفال والشباب إلى مراكزهم.
ومع كلِّ هذا العمل الحوثي، وما يرافقه من تحشيد وضغط واستخدام لمختلف الوسائل يواجه الحوثيون أزمة هوية أصيلة، وتهديدًا شعبيًا لسلطتهم جراء انهيار السردية الهوياتية التي بنوها طوال عشر سنوات بزعم دفاعهم عن الوطن، وهذا ما يفسِّر استنفار جلّ طاقتهم وإمكانيات الدولة هذا العام لغزو الأسر اليمنية، ومحاولة تغيير هويتها من الداخل عن طريق الأطفال. وبدلًا من حصد مقاتلين جدد صار اليمنيون على قدر من الفهم بهويتهم اليمنية التي هي آخر قلاع الصمود أمام عدوهم الأول.
أحمد البعداني
باحث في الاعلام السياسي وتحليل النزاعات السياسية والفكرية
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





