"إنّ الذين يجعلونك تعتقدُ بما هو مخالفٌ للعقلِ قادرون على جعلك ترتكبُ الفظائع". فولتير
الأيديولوجيّات لا تقوم إلا على أنقاض غيرها من مخالفيها، كونها ذات بنية حدّيّة صارمة وإن ادَّعت القبول بالآخر. هذا بصورة عامة، عن أي أيديولوجية سياسية أو دينية.
وما يجب أن نعيَه يقينا أن الأيديولوجيا الإمامية الحوثية في اليمن من أصلب الأيديولوجيات الدينية، وتمتلك موروثًا سياسيًّا وثقافيًّا مهولًا، وقد لا تكون الخطورة هنا، الخطورة الأكثر تكمن في ذلك الكم من القطيع المؤمن بها إيمانًا أعمى، على الرغم من كونها فكرة خرافية من أساسها؛ ولهذا سالت لها الدماء أنهارًا، وتكوَّمت بسببها الجماجم تلالًا، ذلك أن أبشع المظالم تنشأ عن أقوى المعتقدات لا عن صحتها، وبحسب إيريك هوفر: "ليس من الضروري لكي تصبح العقيدةُ فاعلة أن يفهمها المرء، ولكن من الضروري أن يؤمن بها".[1]
وما أكثر القطيع المؤمنين بأيديولوجيا النظرية الهادوية، كما هو الشأن مع بقية النظريات المتطرِّفة الأخرى، كالنازية، والفاشية، والصهيونية، والخمينية.!! فجميعها نظريات سياسية إرهابية تدَّعي امتلاك الحقيقة وحدها دون غيرها، وتعمل على تنشئة أفرادها على هذا. ومن هنا يسهل قيادة القطيع المؤمن إيمانًا أعمى بنظريته الخاصة، خلافًا لذوي النزعات العقلية المتحررة، وأصحاب الفكر المستنير؛ إذ يصعب قيادهم، أو التحكم فيهم؛ لأن كلًّا منهم ينظر إلى نفسه باعتباره فيلسوفًا وقائدًا لوحده، أما المُقلِّد أو الجاهل فيكون أمامَ قائده أو شيخه أو أستاذه كالميت بين يدي المغسل. وقد احتوت التعاليم الفاشية العشرة على بند خاص يقول: "موسوليني على حق".[2] وكونه على حق إذن لا يجوز اعتراضه، أو رد رأيه، أو حتى التعقيب على كلامه. هذا هو شأن موسوليني، وهي نظرية أرضية لا علاقة لها بالسماء، أما إذا ربطت بأدلة دينية مكذوبة أو وظِّفت توظيفًا خاطئًا فيصبح الأمر أكثر سهولة ولا يحتاجُ إلى مزيد من التأكيد أمام الأتباع.
خلفية تاريخية.. أحمد بن سليمان صانع القطيع الأول
ولكون الأيديولوجية الإمامية على هذه الصورة، فإنها في أمس الحاجة إلى صناعة قطيع تابع يؤمن إيمانًا أعمى بهذه الفكرة/ النظرية؛ ولذا عملت من وقت مبكر على استقطاب آلاف الشباب اليمني في أجزاء محدودة من شمال اليمن، مثلوا "حُراس المعبد" الإمامي المتهالك منذ فترة حكم الطاغية الهالك أحمد بن سليمان، ت.566هـ.
لقد شهدت القرونُ الأولى لدخول الإمامةِ إلى اليمنِ مواجهاتٍ شرسة معها من قبل اليمنيين، ابتداءً من صعدة نفسها التي واجهت الأئمة بكل قوتها، وانتهاء بيافع وحضرموت، وما مِن إمامٍ إلا وخاضَ اليمنيون معه عشراتِ الحروب، ولا يزالون، في أطول معركة نضالية لم تعرفها أمة من الأمم.. نضال الألف عام..!
ظلّ الصراعُ قويًّا حتى عهد أحمد بن سليمان الذي أدرك أن الأئمة لن يتمكَّنوا من السيطرة بالسّيف وحده؛ وأنهم بحاجة إلى القوة الناعمة لتكون ركيزة استراتيجية بعيدة المدى، وهي هنا الأيديولوجيا الثقافية والدينية؛ فبعث قاضيه وصديقه المقرب منه القاضي جعفر بن أحمد بن عبد السلام البهلولي الزيدي من صعدة إلى الجيل والديلم "عراق العجم" لإحضار ما تُسمى بكتب الزيدية من هناك، ثم نسخها وتعميمها في صعدة وما حولها. ومن هنا بدأت الفكرة الوافدة تترسخ وتنتشر في الأوساط الاجتماعية، علما أنّ لهذا القاضي نفسه ما يزيدُ عن ستين مؤلفًا.
كان هذا القاضي من أحمد بن سليمان كما كان "جوبلز" من هتلر..!
الفكر السلالي.. من الانزواء الفوقي إلى التمدد الأفقي
نتيجة لهذه السياسة الخطيرة التي تبناها الكاهن الطاغية أحمد بن سليمان تحوَّلت الفكرة من كونها فكرة سياسيّة فوقية لدى فئةٍ معينةٍ من السُّلاليين فقط إلى ثقافة وعقيدة تتشرَّبها الأجيال الصّاعدة. ولم يأت زمن السفاح عبدالله ابن حمزة بعده إلا وقد صارت عقيدة راسخة في ذهنية الجيل الجديد، فكان هذا الجيل الجديد وقوده في الصراعات الجديدة التي قمع فيها خصومه الأقوياء، ابتداءً من الأيوبيين، مرورًا بالنخبة الثقافية الفلسفية الصاعدة "المطرفية" يومها، وانتهاءً بالزعامات القبلية التي ناوأت مشروعه، ثم عامة اليمنيين.
حوالي أربعين عامًا تمددت فيها التعاليم الجديدة أفقيًّا، هي عمر جيلٍ بكامله، خلال آخر سنوات ابن سليمان، وبداية ابن حمزة التي انتشرت فيها كتب الجيل والديلم.
قطف ابن حمزة المشروع الثقافي الذي أسّسه ابن سليمان في مئات الحوزات العلمية في صعدة وشمالها، ثم في حُوث وسائر عمران وبلاد حاشد، المتمثل في صناعة آلاف القطيع الذين دُجِّنوا في تلك الفترة، ثم غزا بهم صنعاء التي كانت سُنيّة حتى ذلك الزمن، فكانت واقعة "قاع طيسان" الشهيرة التي تم فيها سبي ستمئة امرأة وتوزيعهن على الجند..!
وتعدُّ حروب السفاح عبدالله بن حمزة من أعنف الحروب الإمامية وأشدها ضراوة، ولو لم يكن قد تهيأ له ذلك القطيع الذي شكله أحمد بن سليمان بعقيدة إمامية راسخة لما استطاع أن يقتحم أسوار صنعاء العتيدة، أو ينتصر على الأيوبيين، أو يفني المطرفية عن بكرة أبيهم.
منذ ذلك الزمن، تمددت الفكرة أفقيًّا في الوسط الاجتماعي، خاصّة مع المؤلفات الكثيرة لابن حمزة التي استطاع فرضها كأيديولوجيا دينية وثقافية في وعي ذلك الجيل والأجيال المتلاحقة.
كان ابنُ حمزة الإمام الثاني بعد ابن سليمان الذي عمل على أدلجة النظرية، وفرض تعاليمها بالقوة بعد أن أدرك أهمية ذلك. وهو من جعل من كاهنهم الأول يحيى حسين الرسي رمزية سياسية دينية وثقافية مقدسة، إلى حدِّ قوله: "إننا نهابُ نصوصَ يحيى كما نهابُ نصوصَ القرآن الكريم".!!
الترميز مسألة مهمَّة في أية عملية أيديولوجية، ولا يزال الحال من بعضه إلى اليوم!
هذا الالتزام يهيئُ الميدان للإمام القادم بعده، أو قل للمشروع الإمامي، كما فعل الإمام الذي قبله؛ وهذا هو سرُّ تماسك الجماعةِ وبقائها جيلًا بعد جيل؛ لأنها قد تسقط سياسيًّا؛ لكنها تبقى ثقافيًّا كامنة في الأوساط الاجتماعية، ثم يأتي من يحرك القطيع المؤدلج، وهذا ما فطن له كرادلة الإمامة بعد ثورة 62م. سقطت دولتهم سياسيًّا بالثورة لكنهم أعادوا أنفسهم بالتمدد أفقيًّا من خلال الموروث الثقافي المتراكم؛ ففتحوا مئاتِ الأربطة والحوزاتِ لأبناء القبائل في أماكن سيطرتهم، وخاصّة من الفقراء، وكان في الوقت نفسه يرسلون أبناءهم إلى أرقى الجامعات الأوروبية والأمريكية..!
الصّريع حسين الحوثي.. القطيع الجديد
أعادت الجماعة تموضعها من جديد عقب قيام الثورة الخمينيّة في إيران سنة 1979م، بخطى خجولة بعض الشيء، في الجغرافيا المعزولة من شمال الشمال عن طريق ما عُرف باتحاد الشباب المؤمن في الثمانينيات، ثم منتدى الشباب المؤمن منذ مطلع التسعينيات حتى العام 1997م، والذي تحوَّل إلى "تنظيم الشباب المؤمن"، وهذا التنظيم أكبر من جماعة وأقل من حزب بقليل، أغلب قيادات الحوثي اليوم انضووا تحت هذا المسمّى، وهو "فقاسة القطيع" في حقيقته، وقد وصل عدده إلى خمسة عشر ألف طالب حسب تصريح أدلى به أمين عام التنظيم محمد عزان لموقع الجزيرة نت.[3]
هذا العدد استطاع به الصريع حسين الحوثي إعلان الانقلاب الأول على الدولة في يونيو 2004م، ومنذ ذلك اليوم تناسلت الحوثية التي لم تنقطع حتى الآن؛ حيث لم يكن الانقلاب الأخير على الدولة في سبتمبر 2014م إلا الإعلان الأخير لهذا الانقلاب الذي بدأ في ذلك التاريخ..!
هذا القطيع المؤدلج كان يعتقد أنّ دولة الإسلام لا تتعدى محيطه الجغرافي في صعدة وما حولها فقط؛ أما ما عداها فأمريكيون وصهاينة ومجبرة ومشبهة ويزيديون، إلى آخر هذه التقليعات التي تم بها حشو الأدمغة البريئة في تلك الأربطة الكهنوتية، في ظل غياب من الدولة والنخب الثقافية والسياسية المستنيرة. هذا القطيع هم وقود الحروب الست، وهم قادة الانقلاب اليوم..!
خلاصة القول
يتمدد القطيع الإمامي الحوثي بالجهل في المجتمعات الجاهلة، وينكمش في المجتمعات المتعلمة والمثقفة بالوعي، وهو ما يدركه منظروهم الكبار والسياسيون؛ فيعملون على تجهيل الناشئة، وإن من تعليم لهم، فهو تعليم تراثهم الخرافي التقليدي المنافي لقيم الدولة الحديثة اليوم. وبين يدينا فتوى لفقيه مقامي من كرادلتهم المعاصرين، وهو المفتى أحمد محمد زبارة "صهر الإمام أحمد" الذي وجَّه رسَالَة إلى الشهيد الزبيري ينصحُه هو ورفاقه بعدم الاهتمامِ بالقبائل وأبنائها، وتركهم على حالهم، قائلا: ".. وإن من الأوفق لهم ألا يسعوا إلى تحسينِ وضع القَبَائلِ وتعليمهم، وإدخال الوسَائل الحديثةِ لإسعادِ أهل اليَمن، من بناء مدارسَ ومُستشفياتٍ وطرقاتٍ، وأنَّ عليهم السمعَ والطاعةَ للإمام وإن ضرب ظهرهم.. وأنه لا حاجةَ لهم من التعليم غير معرفة فروضِ العبادة، وأن الأولى والأجدر بالقبيلي أن يبقى فلاحًا، فلا يحتاج إلى نعال، ولا إلى ملابس، ولا إلى علاج؛ بل يجبُ أن يستمرَّ في جهالته وشقائه وبؤسِه ومرضِه، بجوار ثوره ومحراثه وماشيته"[4]
كذلك الحال اليوم، قام الحوثي بالقضاء على العملية التعليمية في كلِّ مناطق سيطرته، بقتل وتشريد المعلمين والكادر التربوي كاملًا، وأيضًا بهدم بعض المدارس وتحويلها إلى ثكنات عسكرية، ناهيك عن قطع رواتب المعلمين، ومن ثم فرض أيديولوجيته الخاصة "ملازم الحوثي" على الطلبة، وعلى المجتمع من أجل صناعة قطيع جديد منفصل هوياتيًّا وثقافيًّا عن الجيل السابق الذي تنشَّأ على عقيدة صحيحة، وثقافة وطنية راسخة، ومن ثم الزج بهذا القطيع في جبهات القتال لمحاربة اليمنيين بأبنائهم. وقد رأينا كيف عاد بعض هؤلاء من أوكارهم التنظيمية والمراكز الحوثية وقتل بعضهم أقاربه؛ لأنهم لا يؤمنون بخرافات الحوثي وأساطيره..!
[1] ــ المؤمن الصادق، إيريك هوفر، ترجمة: د. غازي بن عبدالرحمن القصيبي، هيئة أبوظبي للثقافة والتراث، ط:1، 2010م، 133.
[2] ــ بينيتو أندريا موسوليني (29 يوليو 1883 - 28 أبريل 1945) حاكم إيطاليا ما بين 1922 و1943. شغل منصب رئيس الدولة الإيطالية ورئيس وزرائها وفي بعض المراحل وزير الخارجيَّة والداخليَّة. وهو من مؤسسي الحركة الفاشية الإيطاليّة وزعمائها، سمي بالدوتشي، أي القائد من عام 1930م إلى 1943م. يعدُّ موسوليني من الشخصيات الرئيسية المهمة في تكوين الفاشية.

د ثابت الأحمدي
مستشار مكتب رئاسة الجمهورية
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





