تلقف الأخبار من غير تأصيل من الشرع والواقع, وبدون الرجوع لأهل الخبرة والتجربة, يجعل من المتلقي ريشة في مهب الريح تأخذه يمنةً ويسرة, قال تعالى في الحرب: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [النساء: 83] وقال في الإشاعة: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ} [النور: 12] مهمة الداعية اليوم هي بث روح الأمل عند الناس, إشاعة التفاؤل كثقافة لدى الجميع, في وقت الأزمات تظهر حنكة القائد والمربي والداعية. لأن بث روح الأمل عند الناس وقت الأزمات هو القيادة الحقيقية والفاعلة, ونشر لغة التفاؤل في أحلك الظروف هو سر جاذبية وكاريزما العظماء. لا تكلمني عن المعطيات, ولا عن الواقع, ومرارته, لكن التفاؤل لا يعتمد على معطيات الواقع, وإلا لم يكن هناك تفاؤلاً, التفاؤل يعني أن هناك شيئاً سيأتي خارج الحسابات البشرية, وبعيد عن المعطيات المادية, ولذلك الواقعي غير متفائل, { قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ }, لأنهم ينظرون إلى الواقع, { قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ } لأنه ينظر إلى شيءٍ آخر غير الواقع, ونفس القصة حصلت في غزوة الأحزاب قال المنافقون يوم الأحزاب { وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا} وبنفس اليوم ونفس الحدث ونفس المعطيات قال المؤمنون { وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا} كلٌ عبَّر بإيمانه وبمعتقده, وحسب نفسيته. المتحذلقون اليوم يكثرون من كلمة خلك واقعي, نعم أنا واقعي وواقعيتي تقول اعمل بالأسباب واعتمد على المسبب وقد يأتي أمرٌ من غير حساباتي ولا حساباتك المادية من الحكيم الخبير الرحيم بعباده والعليم بضعفهم ومن وعدهم بنصره وآزرهم بمعيته وإني لأرجو الله حتى كأنني ×× أرى بجميل الظن ما الله صانع, قال تعالى { فَعَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ }. هذا الذي من عنده هو الذي سيقلب جميع الموازين موازين الواقعيين وغير الواقعيين, فدعوا الناس يحلمون بيوم الخلاص الذي هو آتٍ آتٍ لا محالة ولو كره الواقعيون.
والصراع لن يحسم من موقف، جولة من جولات الصراع، لو خسرناها فلن نخسر ما بعدها، ولن يظل المشهد كما هو، ثقتنا بالله عظيمة، وإيماننا بعدالة قضيتنا لا يتزحزح، فلا تظن أن أحداً سُر بما حصل، لكن الهزيمة كل الهزيمة هي الاستسلام النهائي، فلا الحق سيخضع خضوعاً نهائياً، ولا كذلك الباطل سيخضع للأبد، وسيظل الصراع، ما بين ثنائيات الخير والشر كلها، ومن ساءه زمن سرته أزمان، توجيهات القرآن الكريم غاية في اللطف وقت الأزمات، وغاية في المعالجة الدقيقة للخلل، { إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ...}. ما ود العدو إلا أن يظفر منا بمثل حالتنا اليوم، لكن هيهات، مآلات الأمور لا تقررها أنت، ولا يقررها كذلك العدو، وقد يدركها القائد، وقد لا يدركها، في الحديبية رأى المسلمون صلحاً مجحفاً، لدرجة أنهم تباطأوا عن امتثال أوامر النبي صلى الله عليه وسلم، ولك أن تتصور أصحاب رسول الله صلى الله عليه الذي كانوا قبل ساعات بوصف أحد المفاوضين من الجانب الآخر يصفهم بقوله: زرت النجاشي وقيصر وكسرى, فلم أجد أحداً يعظمه أصحابه كما يعظم أصحاب محمدٍ محمدا, (عروة بن مسعود)، وها هو صلى الله عليه وسلم يقول: هلك المسلمون أمرتهم فلم يمتثلوا، في الحديبية كان الظاهر هو اتفاق استسلام من طرف لطرف، والغريب أنه من الطرف الأقوى للطرف الأضعف، لم يبق أحد من ١٥٠٠ صاحبي ينظر لهذا الاتفاق إلا على أنه استسلام، عدا النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر، حتى الرجل الثالث في الإسلام كله يقول: علام نعطي الدنية في ديننا، أليسوا المشركين, ألسنا المسلمين, أليسوا على الباطل, ... ألخ, فيقول له النبي صلى الله عليه وسلم: أمر الله ولن يضيعني، وكأنه يقول لهم اصبروا حتى تروا مآلات الأمور، يقول سهل بن حنيف: اتهموا رأيكم, لو رأيتني يوم الحديبية لو استطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لردتته, بلغ التنطع في معسكر المشركين حداً لا يطاق, لدرجة أنهم لم يتنازلوا حتى على الأمور الشكلية في صياغة الاتفاق، فيرفض علي بن أبي طالب التعديل فيعدلها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، كتب بسم الله الرحمن الرحيم فرفضوها وقالوا اكتب بسمك اللهم، كتب هذا ما عاهد عليه رسول الله فرفضوها وقالوا اكتب اسمك واسم ابيك فوالله لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، يرتمي ابن المفاوض – أبو جندل - بين المسلمين فيرفض سهيل بن عمرو توقيع الصلح إلا أن يشمل ولده، فيترجاه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله اتركه لي فيرفض، أما لو قدر لك أن تكون أحد الحضور يومها لكنت المعترض الأول لما جرى.
نكتب بقلم التفاؤل، ونصارع ألم التخاذل، نشتكي وجع التباطؤ، لنعود إلى ظلال المعية الإلهية, فنستمد منها الثقة بموعوده سبحانه، ثم نرفع أكفنا لك الحمد يا الله.
وأخيراً يقول النابغة في الغساسنة
: ولا يحسبون الخير لا شر بعده ×× ولا يحسبون الشر ضربة لازب
قمة التفاؤل مع قمة الحذر والواقعية.