المنبر اليمني
الإسهامات السعودية في حضرموت... تعزيز التنمية ودعم الاستقرار
مقالات

الإسهامات السعودية في حضرموت... تعزيز التنمية ودعم الاستقرار

محمد أحمد بالفخر

محمد أحمد بالفخر

كاتب وباحث سياسي

25 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

حضرموت وموقف الإنقاذ السعودي قال الإمام الشافعي -رحمه الله-: جَزَى اللهُ الشَّدَائِدَ كُلَّ خَيْرٍ ......وَإِنْ كَانَتْ تُغَصِّصُنِي بِرِيقِي وَمَا شُكْرِي لَهَا حَمْدًا وَلَكِنْ ... عَرَفْتُ بِهَا عَدُوِّي مِنْ صَدِيقِي في شهر ديسمبر من العام الماضي 2025م تعرّضت حضرموت لغزوة بربرية من قبل مليشيات المجلس الانتقالي المنحل، وهي المسلحة والمدعومة من دولة الإمارات، وكانت تحمل معها مشاريع التجزئة والتقسيم لليمن، ومنفذةً لأجندات خارجية أخرى بعيدة المدى والأهداف، ولم تُخف خلالها ملامح السياسات الإسرائيلية التوسعية في المنطقة، والتي لم تعد خافية على كلِّ ذي عقلٍ وبصيرة، وحينها بلغت القلوب الحناجر، وظننا أنّ الماضي الأسود الذي عاشته حضرموت في سبعينيات القرن الماضي بكل مآسيه وجرائمه سيعود وبأقبح صورة من صوره القديمة والحديثة، ولكن الآمال بقيت معلقة بالله عزّوجل، ثمّ بجارة حضرموت الكبرى المملكة العربية السعودية، التي لها علاقات تاريخية قديمة ضاربة في أعماق التاريخ مع كثير من القبائل الحضرمية والمجتمع الحضرمي بصفة عامة منذ قيام الدولة السعودية الأولى ومستمرة إلى الوقت الحاضر بفضل الله.

وللمملكة العربية السعودية حدودٌ مباشرة مع حضرموت، تبلغ حوالى سبعمائة وخمسين كيلو مترًا طوليًّا تقريبًا. وبدون أدنى شك، فالمملكة يهمّها استقرار حضرموت على وجه التحديد واستقرار اليمن كاملًا، وبالتالي لن تقبل إنشاء مشاريع تخدم أعداء الأمة، وتضر بأمن المنطقة واستقرارها. فالحمد لله أولًا وأخيرًا الذي لم يخيّب آمالنا، وهنا كان للتدخل السعودي السريع لإنقاذ حضرموت والمنطقة من أخطار قادمة ثماره ونتائجه التي تحققت مباشرةً على أرض الواقع، وسنظل نتذكر تلك العبارة الحازمة والحاسمة التي وردت في بيان صاحب السمو الملكي الأمير خالد بن سلمان بن عبد العزيز الذي قال (انتهى)، بها وبعدها كانت نهاية المغامرين والمقامرين. وكانت أجمل ثمار هذا التدخل إنهاء مشروع تلك المليشيات وداعميها في أقصر مدة ممكنة، وتنفّست بعدها حضرموت الصعداء، وحملت بشائر الخير لليمن واليمنيين جميعًا، بل وللمنطقة كلها.
حقيقة، بدأت مقالي بما قاله الإمام الشافعي - رضي الله عنه- من خلال البيتين الشهيرين اللذين يحملان معاني كبيرة لا يشعرُ بها الإنسان في واقعه للوهلة الأولى، إلَّا إذا ادلهمّت عليه الخطوب، فحينها يعرف من هو العدو ومن هو الصديق؛ لأننا ما زلنا نتذكر تلك المناظر التي بُثت بواسطة الفضائيات في شهر يناير الماضي2026م أثناء حملة تطهير حضرموت من براثن تلك المليشيات الغازية، ورأينا مقرّات تحمل في ظاهرها الرحمة وتخفي في باطنها العذاب الأليم، ومقرّات منظمة الهلال الأحمر لتلك الدولة الداعمة لهم هي خير مثال نضربه، وهي التي يفترض أنها مقرّات للأنشطة الخيرية والإنسانية، وتُقدِّم مشاريع خيرية ضمن احتياجات المجتمع الذي تكالبت عليه نوائب الدهر من كل حدبٍ وصوب، ولكن ماذا رأى الناس فيها؟ لقد كانت مليئة بالألغام والمتفجرات والأسلحة بكل أنواعها وأصنافها، وبكافة أدوات مشاريع الموت المختلفة، وأجهزة التنصت والتجسس التقنية، ورأينا مناظر السجون السرية والمعتقلات التي أزهقت فيها أرواح كثير من الأبرياء، وعُذّبَ آخرون كُثُر داخلها، وآخرون لم يُعرف مصيرهم، أهم من الأحياء أم من الأموات؟ ورأينا البواخر التي ظننا أنها كانت تحمل أطنانًا من القمح أو أطنانًا من المواد الغذائية والطبية والناس في أمس الحاجة إليها لتخفيف معاناة شعبٍ كامل تعرّض لأسوأ نكسة في تاريخه، فخاب ظننا؛ لأنها ما كانت تحمل ما كنا نتمناه ونحتاج إليه، بل كانت تحمل الدبابات والمدرعات والأسلحة الثقيلة المدمّرة التي هي جزء من مشاريع الموت، وغايتها في الأصل تثبيت أمر واقع لا ندري إلى أين كان سيصل مداه لو قُدّر لهم تحقيق تلك الأهداف الدنيئة والشريرة، ولكنّ الله سلّم ولطف. 
وفي المقابل، امتدّت يدُ الخير السعودية، فكانت على النقيض تمامًا من تلك الأيدي القذرة والملوّثة، رأينا يد الخير السعودية تمتدُّ إلى حضرموت مُنقذةً لها وداعمةً لها في كلِّ المجالات، متفقدة الاحتياجات صغيرها وكبيرها، ورأيناها صانعة مشاريع الحياة في كل جوانب الحياة، فعلى سبيل المثال: قوات درع الوطن التي تم إنشاؤها وتدريبها وفق أفضل الدراسات العسكرية وبدعم كاملٍ من المملكة العربية السعودية لتثبّت الأمن والاستقرار في ربوع حضرموت، وهي التي فوّتت الفرصة على ميليشيات الفوضى من أنْ تُحقق شيئًا من أهدافها أو أهداف داعميها، وأنيط بها مسؤولية حماية المطارات والمؤسسات الحكومية ومواقع الشركات النفطية، ناهيك عن منافذ الحدود البرية، وأمن الطرق، وأصبحت محل ثقة المواطن الذي يبحث عن الأمن والأمان في المقام الأول.

السعودية تخمد مشاريع الموت بمشاريع الحياة
أعلن عضو مجلس القيادة الرئاسي محافظ محافظة حضرموت الأستاذ سالم أحمد الخنبشي عن إنشاء محطتي كهرباء إسعافيتين: إحداهما لحل مشكلة الكهرباء في وادي حضرموت، والأخرى لمنطقة الساحل، بقدرة مائة ميقا واط لكل محطة، وهاتان المحطتان ستخففان، بدون أدنى شك، جزءًا كبيرًا من معاناة المواطنين جراء انقطاع التيار الكهربائي الذي يستمر لساعات طويلة خلال اليوم الواحد، وبالتالي ستسهم في تحقيق الاطمئنان النفسي للأسرة والفرد والمجتمع.


الدعم السعودي لتثبيت الاستقرار
من فضل الله أننا كنا متابعين عبر وسائل الإعلام المختلفة التي نقلت الحدث بالصوت والصورة من لحظة عبور القاطرات منفذ الوديعة باتجاه حضرموت، وقبل هذا الحدث بأسبوع كنتُ في زيارة لمحافظ المحافظة وعضو مجلس القيادة الرئاسي في مكتبه بالمكلا، وقلتُ له: إن الخدمات البسيطة التي ينبغي أن تقدّم للمواطنين ستسحب البساط عمن يحاول استغلال الظروف الصعبة، ويلعب بمشاعر البسطاء من الناس ليسحبهم إلى مربعه، ويسيّرهم وفق أجندته الخاصة، فقال: أبشرك، مولّدات المحطتين التي وعدتنا بها حكومة المملكة العربية السعودية قد تحركّت بالقاطرات من الدمام، وهي في طريقها إلى حضرموت، وستصل بعد أيام. قلت له: هل نبشّر الناس؟ قال بشّرهم، فالأشقاء في المملكة إذا وعدوا أوفوا. 
وبالفعل شعر المواطنون بفرحة عارمة، رأيتُها في أعينهم، بل وتلهج ألسنتهم بالدعاء للمملكة العربية السعودية الشقيقة وقيادتها الرشيدة ممثلة بخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، وسمو وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان. ولم تكن المكارم محدودة، بل كانت محطة ثالثة بنفس القدرة مائة "ميقا واط"، تم تخصيصها لدعم كهرباء محافظة عدن التي تعاني هي الأخرى من سوء الخدمات وانقطاع التيار الكهربائي. وتأتي مثل هذه المشاريع - وبالذات مشروع إنشاء محطات الكهرباء - بهدف المساهمة في تحسين البُنى التحتية، وخدمة المجتمعات المحلية، والارتقاء بجودة الخدمات المقدمة للشعب اليمني من الشقيقة الكبرى المملكة العربية السعودية. 
وأيضًا نجد مشاريع ذات أهمية كبرى تلامس صميم احتياجات الناس، ألَا وهي المشاريع الصحية المتعددة، وذلك بإنشاء مراكز صحية، أو دعمٍ لمستشفيات قائمة بإعادة تأهيلها من جديد بعد أن خرجت عن إطار العمل الصحي برمته، ويأتي كذلك إرسال البعثات الطبية بين الحين والآخر لإجراء العمليات الجراحية للمحتاجين إليها، وبالذات إجراء عمليات القلب المفتوح بمركز نبض الحياة لأمراض القلب في مدينة المكلا الذي يستقبل حالات عديدة من كلِّ المحافظات، وهو أحد المشاريع التي تتلقَّى دعمًا من مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية. 
وقبل شهر تقريبًا كنتُ في زيارة لمركز الرعاية الصحية الأولية ببلادي "مدينة الهجرين" التاريخية، وهي إحدى مدن مديرية دَوْعن. وقد افتُتح هذا المركز قبل سنة كأحد مشاريع مركز الملك سلمان، وحقيقةً لقد انبهرت بما شاهدته على أرض الواقع، فهو مشروع في غاية الروعة من حيث جمال المبنى والتجهيزات الكاملة والكادر الطبي والإداري المميّز، مثَّل نقلة نوعية كبيرة بين الماضي والحاضر. 
أما البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن فأصبحت إسهاماته في معظم المحافظات اليمنية، ومنها حضرموت، في كافة القطاعات التعليمية والصحية وإعادة تأهيل كثير من الطرق، ومنها طريق "الوديعة -العبر" المتهالكة التي سمعنا أنّ البرنامج سيقوم بإعادة تأهيلها، وبالتالي ستخفف المعاناة المستمرة التي يتعرض لها مرتادو الطريق بشكل يومي وراح ضحية الحوادث فيها، للأسف، المئات في السنوات الماضية. ولهذا نقول باستمرار: إن الإسهامات السعودية المتعددة تعدُّ ركيزة أساسية للتنمية والاستقرار في اليمن عمومًا وحضرموت على وجه الخصوص. 
ولفت نظري خبرٌ عن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يتحدث عن انطلاق أولى الأنشطة التدريبية لمشروع "تعزيز سلسلة القيمة الزراعية" في مديرية تريم بمحافظة حضرموت، ضمن مشروع يشمل مأرب وأبين؛ لتمكين صغار المزارعين وتحويلهم إلى رواد أعمال - بإذن الله-؛ لأن البرنامج سيجعلهم يديرون أراضيهم بكفاءة واستدامة.

الدعم السعودي يرسم مستقبل حضرموت واليمن 
وفي شهر يونيو 2026 وقّع مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية اتّفاقية تعاون مشترك مع إحدى مؤسسات المجتمع المدني؛ لتنفيذ مشروع يهدف إلى دعم المزارعين، وتعزيز الأمن الغذائي في محافظتي حضرموت وسقطرى، يتضمن المشروع استصلاح الأراضي الزراعية، وإنشاء بيوت محمية في المناطق الجافة، وتنفيذ برامج تدريبية في مجالات الإرشاد الزراعي، وتصنيع الأسمدة العضوية، ومكافحة الآفات الزراعية، ويشمل أيضًا دعم الصناعات الغذائية التحويلية القائمة على المنتجات الزراعية، وإعادة تفعيل دور الجمعيات الزراعية، وتعزيز قدراتها التنظيمية والإنتاجية، إلى جانب تزويدها بالمدخلات والمعدات الزراعية اللازمة.
ويأتي المشروع في إطار الجهود الإنسانية والإغاثية التي تنفذها المملكة العربية السعودية بواسطة ذراعها الإنساني (مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية) لدعم القطاع الزراعي في اليمن، وتمكين المزارعين من تحسين إنتاجهم، وتحقيق تنمية زراعية مستدامة تسهم في رفع مستوى معيشة الأسر الريفية.
ألم أقل لكم: إنها مشاريع حياة وليست مشاريع موت كالتي جلبها الآخرون، وشتّان بين مشاريع صناعة الحياة ومشاريع الموت.
المشاريع التي تقدمها المملكة العربية السعودية لليمن في الجانب التعليمي، كبناء المدارس أو دعم الجامعات، وكذلك المنح الطلابية الجامعية، كلها ستسهم في التنمية والاستقرار وصناعة المستقبل في يمنٍ آمن مستقر، يتعايش مع جواره الإقليمي مساهمًا في صناعة السلام في العالم كله.
ولا ننسى أيضًا الجهود الكبيرة لبرنامج التواصل مع علماء اليمن، الذي تشرف عليه وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد بالمملكة العربية السعودية، فله دورٌ كبير في دعم العلماء، وكفالة الدعاة، ورعاية المشاريع الدعوية والفكرية، التي تحقق الأمن الفكري، وتسهم في حفظ الأجيال من الخرافات والانحرافات الفكرية. وبفضل تلك البرامج ستظل رسالة الدعوة تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، رغم المصاعب والمحن التي أحاطت باليمن من كل جانب. 
وهنا أوكّد مرةً أخرى بأنّ يمنًا آمنًا مطمئنًا مستقرًا لا شك أنه سيكون عاملًا من عوامل الاطمئنان للمملكة العربية السعودية، وسيكون مساهمًا في استقرار المنطقة كلها، والعكس صحيح أيضًا، فكلُّ هذا الدعم السخي من حكومة المملكة العربية السعودية الشقيقة من أجل استقرار اليمن شرقه وغربه وشماله وجنوبه، يجعلنا مطمئنين ومستبشرين بأننا أمام مستقبل واعد بالخيرات والمسرّات لليمن وللمنطقة كلها بإذن الله.

شارك هذا المقال
محمد أحمد بالفخر

محمد أحمد بالفخر

كاتب وباحث سياسي

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

مليشيا الحوثي.. مشروع موت يهدم ويخدم إيران
مقالات

مليشيا الحوثي.. مشروع موت يهدم ويخدم إيران

أخي المغرر به، ممن لا يزال مخدوعًا بمليشيا الحوثي، هل تساءلت يومًا: ما هو مشروعها؟ وماذا قدمت لليمنيين خلال سنوات سيطرتها؟

د محمد السماند محمد السمان9 سبتمبر 2026
شروط النصر في معركة استعادة الدولة والشرعية.. تحية لأبطال الميدان
مقالات

شروط النصر في معركة استعادة الدولة والشرعية.. تحية لأبطال الميدان

نشهد اليوم، بفضل الله تعالى، انتصارات وتقدمًا ميدانيًا في مختلف جبهات المواجهة ضد المليشيات الحوثية الانقلابية؛ وهي بشائر تستوجب شكر الله ودعم المرابطين، وتدعونا إلى تعزيز أسباب النجاح المستدام.

عمار بن ناشر العريقيعمار بن ناشر العريقي9 سبتمبر 2026
الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026