المنبر اليمني
التزوير الحوثي للسردية التاريخية
مقالات

التزوير الحوثي للسردية التاريخية

زايد جابر

زايد جابر

كاتب وباحث في التاريخ اليمني

18 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

لم تكن الحركة الحوثية مجرد انقلاب على مخرجات الحوار الوطني أو على السلطة الشرعية أو حتى على الدولة اليمنية فحسب؛ لأنها قبل ذلك وبعده حركة انقلاب على تاريخ اليمن وإرثه وحضارته، بل وعلى التاريخ الإسلامي كله؛ فهي تسعى إلى تقديم سردية للتاريخ اليمني والإسلامي عمومًا، تبدأ من السلالة وتنتهي إليها.

 

لم تكن الحركة الحوثية مجرد انقلاب على مخرجات الحوار الوطني أو على السلطة الشرعية أو حتى على الدولة اليمنية فحسب؛ لأنها قبل ذلك وبعده حركة انقلاب على تاريخ اليمن وإرثه وحضارته، بل وعلى التاريخ الإسلامي كله؛ فهي تسعى إلى تقديم سردية للتاريخ اليمني والإسلامي عمومًا، تبدأ من السلالة وتنتهي إليها. فتاريخ اليمن عندها يبدأ منذ وصول مؤسس الإمامة يحيى بن الحسين الرسي إلى اليمن أواخر القرن الثالث الهجري، ويستمر فقط مع من تولى أو سعى إلى الإمامة من ذريته. وفي سبيل ترسيخ هذه السردية، لم تكتف الحركة بتشويه وطمس تاريخ اليمنيين بعد وصول الهادي، وإنما عمدت إلى تشويه تاريخ اليمن حتى قبل الإسلام، وقد كان حسين الحوثي يسخر من تاريخ اليمن وآثاره، ويعد محاولة الاهتمام به اهتمام بالجاهلية، وحتى تُروِّج لأطروحتها رفعت الحركة شعار "الهوية الإيمانية" كبديل عن "الهوية اليمنية"، في محاولة منها للتضليل على الأتباع، والإيحاء بأن الحديث عن الهوية اليمنية يتناقض مع الهوية الإيمانية التي هي عندها هوية الإمامة وتاريخها في اليمن. وبعد إسقاطها للدولة في 2014م ضمَّنت رؤيتها تلك في المناهج الدراسية، وعمدت إلى استبعاد الشخصيات الوطنية التي كانت تدرس في المناهج، واستبدلتها بشخصيات إمامية، وإمعانًا منها في حربها، قامت بإلغاء أسماء المدارس التي تحمل أسماء شخصيات وطنية، أو إسلامية واستبدالها بشخصيات إمامية حملت او تحمل فكرتها.. إلخ. أما في مناهجها الخاصة في الدورات الثقافية، والمراكز الصيفية، ومحاضرات قادتها، ووسائل إعلامها؛ فالأمر أكثر وضوحًا، وفجاجة في هذا التزوير التاريخي الذي تسعى من خلاله إلى طمس الذاكرة التاريخية والإرث الإسلامي واليمني لصالح تاريخ خاص يخدم إيديولوجية إمامية سلالية، تتمحور حول نظرية الاصطفاء الإلهي، وما يترتَّب عليها من استحقاقات، وأهمها احتكار السلطة فيما يعرف بنظرية "البطنين".

اليمنيون والمواجهة الفكرية مع الإمامة

هذا الأسلوب الذي انتهجته الحركة الحوثية ليس جديدًا، لكنه إحياء لتراث الإمامة التاريخي، كما أن مواجهتنا لهذا التزوير التاريخي، الذي يعد جزءًا من معركتنا ضد الإمامة، ليس جديدًا، بل هو امتدادٌ للمواجهة الفكرية التي خاضها اليمنيون وحركتهم الوطنية في مواجهة الإمامة منذ أن وطئت أقدامها اليمن، وكان لسان اليمن الحسن بن أحمد الهمداني المولود بصنعاء سنة 280ه /893م، أي: قبل مجيء الإمام الهادي بثلاث سنوات، وهو رائد الحركة الوطنية الأولى، وحامل لواءها في مواجهة نظرية الإمامة ومحاولتها تشويه، وطمس التاريخ اليمني، وهو ما تجلى من موسوعته "الإكليل" في عشرة أجزاء، وفي قصيدته الشهيرة "الدامغة"، والتي تبلغ قرابة ستمائة بيت، وقد شرحها في كتاب كبير، تجلَّت فيه موسوعيته في الأدب، واللغة، والأنساب، والتاريخ، والجغرافيا. لم يكن الهمداني في قصيدته وفي شرحها يفتخر بنسب اليمنيين كما كان يفعل خصومه، فالناس جميعًا خلقوا من تراب وسيعودون إلى التراب كما يقول في قصيدته:

ألا إِنَّا خُلِقْنَا مِنْ تُرَابٍ        ..       ونَحْنُ مَعًا إليه عَائِدُونَا

وأن لَسْتُمْ بِأَنْقَصَ مَنْ رَأَيْتُمْ  ..      ولا أهل العُلُوِّ بِكَامِلِيْنَا

وكان يهدف إلى إبراز خصائص ومؤهلات اليمن واليمنيين ليحكموا أنفسهم، وأنهم ليسوا قُصَّرًا، أو عاجزين عن ذلك، فلديهم حضارة، وتاريخ مجيد، ودين كانوا أول من استجابوا له، وبذلوا أنفسهم في سبيل نصرته، وهما دعامتا المجد والفخار، حيث يقول:

ومَا افْتَخَرَ الأَنَامُ بِغَيْرِ مُلْكٍ     .. قَدِيْم، أو بِدِيْنٍ مُسْلِمِيْنَا

ومَا بِسِوَاهُمَا فَخْرٌ، وإِنَّا       .. لِذَلِكَ، دُونَ كُلٍّ، جَامِعُونَا

وحول هذين الأمرين، تدور قصيدته وشرحها، فقد تتبع الهمداني فيهما "تاريخ الكيان اليمني منذ القدم، كما ترسخ في وجدان اليمنيين، سواء كحقائق تاريخية، أم كأساطير تدل على التعلق بمفهوم محدد للدولة اليمنية، وبأرض محددة تحققت عليها هذه الدولة اليمنية الموحدة، وبإنجازات حضارية عظيمة ما تزال بعض آثارها شامخة تدل عليها، وتكون الحصيلة النهائية طموحًا موحدًا نحو إعادة هذا الكيان اليمني إلى التشكل من جديد والفعل في حركة التاريخ."([1])

أما الدين، وهو المتغيّر الجديد الذي يتكّئ عليه دعاة العنصرية، فقد تتبع الهمداني مواقف اليمنيين في نصرة هذا الدين، ووفودهم على النبي -صلى الله عليه وسلم- وثناءه عليهم، كما تعرض لمواقف الأنصار، ولم ينس أن يذكرهم بمواقف قريش التي وقفت ضد الدعوة الإسلامية، وحاربت النبي، وتريد اليوم باسم الإسلام أن تستأثر بالسلطة وتبعد الآخرين، مؤكدًا أن اليمن ليست تركة ليرثها الهادي وأولاده باسم الإسلام الذي دخلت فيه قبل مجيئهم بقرون، يقول الهمداني:

تملكها بمخرقة رجال          ..      بلا حق أقيم ولا بحد

وقد كانت على الإسلام قدمًا .. ولم تسمع بهاد قبل مهدي.

وعلى منوال الهمداني ومن زوايا مختلفة ظهرت المُطرّفية في منتصف القرن الرابع الهجري لتدافع عن نظرية المساواة، وأن الفضل والشرف إنما يكون بالعلم والعمل الصالح وليس بالنسب، وكانت هذه القضية أهم قضايا الخلاف بينهم وبين الأئمة وأتباعهم في عصرهم وبعد عصرهم وحتى اليوم، وقد أبدعوا في التأصيل لهذ المفهوم وتفنيد دعاوى الاصطفاء الإلهي، ومع أن تراثهم قد تم طمسه وإحراقه إلا أن المخطوطة المتبقية من تراثهم، وهي كتاب العلامة سليمان بن أحمد المحلي "البرهان الرائق المخلص من ورط المضائق"، قد خصص بابًا كاملًا بعنوان "باب القول في الفضل"، طرح فيه -كما يقول علي محمد زيد- "نظرية عامة تتناول الفضل في الفكر الإسلامي، لا نعثر على مثيل لها في تاريخ الإسلام، نستنتج منها تميزًا واضحًا عن الزيدية كما عرفت من قبل ومن بعد، وما حملته من إعلاء للأشراف من الزيدية باعتبارهم من (آل البيت)، وهي قضية ظلَّت مثار خلاف حتى قيام الجمهورية في اليمن"([2])

ثم ظهر نشوان بن سعيد الحميري (ت 572 ه) الذي لم يكتف برفض وتفنيد حصر الإمامة في البطنين وتحريمها على اليمنيين نظريًّا، وإنما "سعى إليها ودعا إلى نفسه من الشرق ليثبت أنها تصلح لمن هو أهل لها، وملك بعض النواحي، ليجمع إلى مجد العلم ـــ وقد تحقق له منه ما يريد- مجد السلطان، لكنه أخفق فيه، ولم يكتب له النجاح، ربما لأنه كان رابع أربعة كانوا يتنافسون على ملك اليمن في تلك الفترة... وربما لأمور أخرى نجهلها"([3]).

وقد كان فكر نشوان أكثر الأفكار جذرية في نقد الإمامة الهادوية، بمنطق أقرب إلى روح الإسلام، بل وأقرب إلى روح العصر الحديث، فرأي نشوان هو ما يتوافق اليوم مع النظام الجمهوري الذي جاء بعد ثورة 26 سبتمبر 1962م. وقد صدق المؤرخ والأديب أحمد محمد الشامي حينما اعتبر نشوان الحميري "أول من نادى بالنظام الجمهوري"، وقال: "إن القاضي نشوان كان أول من نادى في شمال اليمن وشرقها بما تطوّر ونما حتى سموه: النظام الجمهوري"([4]).

استلهام التاريخ لمواجهة الإمامة المعاصرة

كان تراث الحركة الوطنية الأولى (الهمداني، المطرفية، نشوان الحميري)، إضافة إلى تراث مدرسة الاجتهاد اليمني (ابن الأمير ـ ابن الوزير ـ المقبلي ـ الشوكاني)، من المؤثرات الفكرية الأولى للحركة الوطنية المعاصرة، إلى جانب الفكر المعاصر. وقد سقطت الإمامة كدولة في 26 سبتمبر 1962م لكنها بقيت فكرة، سرعان ما عاودت الظهور، حتى وصلت ذروتها بظهور الحركة الحوثية التي تسابق الزمن لإعادة سردية الإمامة، ومحاولة طمس وتشويه وتزوير التاريخ اليمني والإسلامي. وما أحوجنا ونحن نواجه الطبعة الجديدة من الإمامة أن نستلهم تاريخ الحركة الوطنية وإرثها الطويل في مواجهة الإمامة، ونحن إذ نفعل ذلك ليس بقصد الفخار بالنسب، أو إحياء العنصرية كما هو شأن دعاة الإمامة قديمًا وحديثًا، وإنما دفاعًا عن الحقيقة وعن تاريخ مجيد، يسعى هؤلاء إلى طمسه وتشويهه، كما فعل مؤرخ اليمن وشاعرها الكبير مطهر بن علي الإرياني في ملحمة "المجد والألم "التي رد بها على قصيدة أحمد محمد الشامي ـ وزير خارجية البدر ـ التي أسماها "دامغة الدوامغ"، فبعد أن تحدَّث عن دور اليمنيين في الدفاع عن الإسلام ونشره في مشارق الأرض ومغاربها قال:

وما نرجو على هذا جزاءً            سوى نصر الحقيقة جاهدينا

ولا نبغي على أحد شموخًا              ولا أن نُقتدَى متألهينا

ونصبح سادة والناس طرًّا            عبيدًا دوننا مستصغرينا

ولم نزعم بأن الحكم حق             لنا نطغى به متحكمينا

ولم نذكر مفاخرنا امتنانا             ولكنا نصد المفترينا

 



[1]- د عبدالعزيز المقالح  "قراءة في فكر الزيدية والمعتزلة " دار العودة بيروت ـ لبنان ، ط1 1982 ،   ص 117

[2]- د/ علي محمد زيد "تيارات معتزلة اليمن في القرن السادس الهجري"، المركز الفرنسي للدراسات اليمنية، طبعة بيروت 1997 م ص 87ـ ـ88.

[3]- القاضي إسماعيل الأكوع، "نشوان بن سعيد الحميري والصراع الفكري والسياسي والمذهبي في عصره "، دار الفكر المعاصر، بيروت، لبنان، ودار الفكر دمشق ـ ـ، ص 34ــ35.

[4] أحمد بن محمد الشامي، تاريخ اليمن الفكري في العصر العباسي، الجزء الثاني، دار النفائس بيروت، الطبعة الأولى 1407ه ـــ 1987م، ص245ــــــ 246 .

شارك هذا المقال
زايد جابر

زايد جابر

كاتب وباحث في التاريخ اليمني

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

سامي الكافسامي الكاف23 أغسطس 2026
ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026