لقد وصلت الجرأة بهذه الجماعة إلى تدمير وتفجير دور القرآن ومساجد السنة التي يُذكر فيها اسم الله تعالى، في جرأة وسابقة إجرامية تكشف عن حقد دفين، وليس هذا بغريب عليهم، فهم امتداد لفكر ابن سبأ والمجوس، وهم غرباء عن جسد الأمة الإسلامية وتاريخها النقي.
الجذور التاريخية
بالنطر إلى الجذور المظلمة وسلسلة الغدر والخيانة التي عرف بها الرافضة بها عبر التاريخ، فإن تاريخهم وحقدهم الدموي المظلم ليس وليد اللحظة، بل هو سلسلة متصلة من الطعنات في ظهر الأمة. وإن الباحث في كتب التاريخ يجد أن خياناتهم ملأت التاريخ ولم تترك حقبة إلا ولوثتها، وألمح هنا إلى بعضها.
بدأ هذا الفكر بفتنة عبدالله بن سبأ، ذلك اليهودي الذي زرع بذور الفرقة والفتنة وتسبب بقتل الخليفة الراشد عثمان بن عفان -رضي الله عنه-، وما تبع ذلك من فتن أراقت دماء الصحابة والتابعين.
جرائم القرامطة الإسماعيلية الذين عاثوا في الأرض فسادًا، حتى بلغت بهم الجرأة والدموية في سنة 317 هـ أن يقتحموا مكة المكرمة في يوم التروية، ويقتلوا الحجيج في صحن الطواف، ويرموا جثثهم في بئر زمزم وهم يستهزئون بآيات الله، بل واقتلعوا الحجر الأسود وغيبوه عن مكانه قرابة عقدين من الزمان.
لا ينسى التاريخ خيانة الوزير "ابن العلقمي" سنة 656 هـ، الذي مهَّد الطريق للمغول لدخول بغداد، فكانت النتيجة مجازر لم يشهد لها التاريخ مثيلًا، حيث قُتل مئات الآلاف من المسلمين، ومزقت الكتب ورميت في الأنهار حتى تغير لونها بسببه. وتكررت الصور في الحروب الصليبية، وفي كل تلك المحطات كان الرافضة عونًا للصليبيين ضد جيوش المسلمين.
كذلك ما فعلته الدولة الفاطمية العبيدية من جرائم وفساد من سنة 909 م حتى 1171 م.
وفي العصر الحديث رأينا ما فعلته الدولة الصفوية منذ عام 1501 م، حين حوَّلت بلادًا سنية بالكامل إلى بؤر طائفية عبر المجازر الجماعية والتغيير الديموغرافي القسري.
وصولًا إلى جرائم العصر في العراق والشام، ومجازر صبرا وشاتيلا التي كشفت وجههم القبيح.
لم تسلم أقدس البقاع، مكة المكرمة، من إرهابهم، ففي حج عام 1407 هـ (1987 م)، تسببوا بمجزرة راح ضحيتها أكثر من 400 قتيل من الحجاج ورجال الأمن، ثم تفجيرات الحرم في حج 1409 هـ.
هذه الحروب الحالية التي تشعلها إيران الصفوية وأدواتها في المنطقة، والاعتداءات الغادرة والتخريبية على دول الخليج وبلاد الحرمين الشريفين، واستهداف الأعيان المدنية والمطارات، ما هي إلا فصل جديد من فصول هذا التاريخ المظلم. حفظ الله بلاد المسلمين عامة، وخليجنا وبلاد الحرمين المملكة العربية السعودية خاصة من كل سوء.
ومن تاريخهم المظلم تلك المجازر الجماعية ونهب وحرق قرى بأكملها على يد الرسي الملقب بالهادي وهو أول من أدخل التشيّع إلى اليمن عام 280 ه.
وكذا ما فعله عبدالله بن حمزة في نجران وصعدة وغيرها، وما تبع ذلك لمئات السنين حتى تأسست دعوة الحوثي عام 2004 التي هي امتداد لفكر الرسي.
الحوثيون توارثوا الإجرام في أرض اليمن؛ إذ الحوثي تلميذ لنهج سلفه "يحيى بن الحسين الرسي" الملقب بالهادي الذي أسس دولتة الزيدية الجارودية بالحديد والنار، واشتهر بنهب وحرق القرى وإبادة المخالفين. وكذا عبدالله بن حمزة الذي ارتكب مجازر مروعة في نجران وصعدة بحق المُطرّفية وغيرهم.
فحقيقة "دعوة الحوثي" أنها النسخة الحديثة والمطورة لهذا الفكر الجارودي الدموي والإقصائي. فقد تتابعت فتنتهم بالحروب الستة ضد الدولة، ثم توجوا جرائمهم ودمويتهم بالانقلاب الغادر في عام 2014. ومنذ ذلك الحين واليمن يعيش أسوأ حقبة في تاريخه؛ تصفيات للوجهاء، تكميم للأفواه، تفجير للمنازل، وتشريد للملايين. هدفهم مسخ الهوية اليمنية السنية واستبدالها بهوية "خمينية" غريبة عن المجتمع.
الدماء وحرمتها في الإسلام
الدماء لها حرمة عظيمة في الإسلام، وجاءت بذلك الأدلة، ومن ذلك قوله تعالى: (أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَاد فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعاۚ). وفي حديث النبي ﷺ الصحيح المشهور، (أول ما يُقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء) فكيف بدماء أمة من الناس.
وجاء في حديث البراء مرفوعًا وعن ابن عمرو موقوفًا: (لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل مسلم). صحيح الترغيب موقوفًا. وإن من أخطر ما يدمغ منهجية الحوثي وميليشياته تلك الأفكار المنحرفة، والعقائد الفاسدة التي تقوم على مفاهيم دخيلة على الإسلام الصحيح، كادعاء الحق الإلهي في الحكم، وحصر الولاية في سلالة معينة، والطعن في جمهور الأمة، وهي كذبة سياسية مغلفة بالدين لحصر الحكم في تلك السلالة، وصولًا إلى الطبقية والعبودية لغير الله، فأنتجت دوافع التمرُّد والخروج، وغذّت النزعة الاستعلائية، وأضفت على التمرَّد والمسلك الدموي صبغة دينية زائفة؛ وبهذا يحرض الأتباع على مواجهة المجتمع والدولة، مع ما يصاحب ذلك من تخوين وتكفير، ويكون طريقًا إلى استحلال الدماء، وشنّ الحروب باسم الدين تحت شعارات باطلة وكاذبة. واستخدموا لتزييف الوعي الملازم، والبث المتنوع في وسائل إعلامهم، والمراكز الصيفية التي تزرع في نفوس الأطفال والشباب الولاء لهذه السلالة والحقد على كلِّ من خالفهم، وتحولهم إلى ذخيرة وعتاد للحرب. فلا تستغرب حين تسمع شعارات "الموت لأمريكا" ثم ترى الواقع قتلًا في المسلمين، وهكذا ادعاء محاربة الاستكبار العالمي والتخفي وراء صبغة دينية زائفة لشرعنة القتل والنهب والفساد.
ما وراء الحرب الحوثية على اليمنيين
هناك أبعاد سياسية واجتماعية للحرب الحوثية في اليمن، فقد امتدَّ ليدمر النسيج الاجتماعي والاقتصادي، وتعدَّى الجانب العقدي؛ فالحرب حرب عقيدة. وهذه الممارسات الدموية مبنية على الخلفيات الفكرية التي تتبناها جماعة الحوثي. فالعنف، والتعبئة الطائفية، والاعتداءات الدموية، صارت مذهبًا وعقيدة وسياسة شوَّهت جمال الإسلام وسماحته، ويستغلها الأعداء وللأسف. كما أن ارتباط هذه الجماعة بمشاريع خارجية، وعلى رأسها المشروع الإيراني، جعلها أداة لتنفيذ سياسات إقليمية سفكت الدماء وأضاعت الاستقرار؛ فزاد خطورة الأمر وتعقيده، وصارت ميليشيا الحوثي أداة لتهديد الملاحة الدولية وزعزعة أمن واستقرار الإقليم ودول الجوار.
جرائم الحوثيين بحقّ اليمنيين
استهداف المدنيين والأطفال
سجَّلت التقارير الدولية والمحلية تلك الممارسات والجرائم الحوثية، وشمل ذلك القصف العشوائي للمدن المكتظة بالسكان كـ "تعز" و"مأرب"، و"حجة" وغيرها، إضافة إلى زراعة مئات الآلاف من الألغام التي لا تزال تحصد أرواح الأبرياء يوميًّا، وصولًا إلى "تجنيد الأطفال" واختطافهم من الشوارع والمدارس لرميهم في فوهات القتال ومحارق الموت.
التجويع والنهب الممنهج
مارس الحوثي التجويع كسياسة لإفقار الشعب بصورة متعمدة، ومن صور ذلك نهب مرتبات الموظفين، والاستيلاء على المساعدات الإغاثية، وفرض الجبايات المتنوعة تحت مسميات طائفية (كالخمس وغيرها)؛ مما أدَّى إلى انتشار الفقر والمجاعة والأوبئة، بينما قادة الميليشيا الحوثية تعيش في ترف فاحش من أموال الشعب المنهوبة.
القمع الفكري الذي وصل إلى تفجير المساجد ودور القرآن
يعدُّ هذا السلوك عملًا عسكريًّا هدفه اجتثاث العلم والوعي ليبقى الشعب اليمني في ظلام الجهل، وفرض قيود التبعية ليسهل قيادته وتوجيهه نحو المسار الحوثي الدموي.
وقد تفرس علماء السنة المعاصرون هذه الحقيقة مبكرًا، فحذروا من جرائم هذه الطائفة الدموية، ومن ذلك ما سطَّره شيخُنا مقبل بن هادي الوادعي -رحمه الله- الذي كان خبيرًا بأساليبهم ومكرهم، حيث قال في كتابه (الإلحاد الخميني في أرض الحرمين ص 54): "ومما ينبغي أن يُعلم أنّ الرافضة لو تمكنت من أهل السُّنّة، لا مكّنهم الله من ذلك، لاستحلوا منهم ما لا يستَحِلُّه اليهود والنصارى. ومن شكّ في كلامي فليقرأ تاريخ الرافضة".
وهذا ما نشاهده اليوم عيانًا، فالجرائم والسجون الحوثية عبثت بالأبرياء ودمائهم، ومارس الحوثيون بحقهم أبشع أنواع التعذيب والقتل النفسي والجسدي، فصار الامتناع عن "الصرخة" تُهمة. وهذا مصير كل من رفضوا الانصياع لخرافة الولاية والطريقة السلالية، فضلًا عن المنهجية الدموية والإفساد الكبير الذي خلفته جرائمهم، ومن ذلك إزهاق أرواح مئات الآلاف من الأبرياء، وجرحى عدد كبير، وملء البلاد بالأرامل، إضافة إلى القصف العشوائي، وزراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، واستهداف المدن والأحياء السكنية، والقمع والتنكيل، والتصفيات الجسدية والجماعية بالمخالفين؛ مما زاد من معاناة شعبنا اليمني، وأدخل البلاد في دوامة من العنف. فكلُّ تلك الممارسات تُخالف الشريعة الإسلامية، وتنتهك الحقوق الإنسانية، وتؤكد استخفافهم بحرمة الدماء.
الواجب علينا جميعًا
أن نتعاون لمواجهة هذا الخطر والطغيان الحوثي، فهو على عاتق الجميع وهي مسؤولية عظيمة، وذلك بالاعتصام بالكتاب والسنة والرجوع إلى تعاليم الإسلام الصحيحة بوسطيتها وسماحتها، ونبذ الغلو والتبعية للأفكار الدخيلة.
التعاون من أجل وحدة صفوفنا والالتفاف حول دولتنا وولاة أمرنا، فقوتنا في الاجتماع وضعفنا في الفرقة، إضافة إلى العمل على استعادة الأمن والاستقرار، ورفض كل أشكال التمرد والعنف، والتصدي لمشاريع تمزيق اليمن وإدخاله في صراعات لا نهاية لها.
التعاون مع الـعلماء والدعاة الصادقين في تبيان الحق ولزومه، وكشف الباطل والشبهات التي يطرحها الحوثي، وتحصين الشباب والمجتمع من الانزلاق في مستنقع التبعية العمياء، وفضح الممارسات الحوثية وتوثيق ونشر جرائم ميليشياته ضد العقيدة والإنسانية، وتوضيح خطورة استحلال الدماء، وكشف زيف الشعارات التي تُستخدم لتبرير القتل والفساد باسم الدين، وتحصين المجتمع من العقائد والأفكار المنحرفة، وبه يعرف العَالم حقيقة هذا المشروع الذي يدعي المظلومية وهو أكبر ظالم.
التعاون لدعم صمود المجتمع بتكافله الاجتماعي لمواجهة آثار الحرب والنهب الحوثي، وتقوية الجبهات الداخلية ضد محاولات الاختراق الفكري والإفساد العقدي والأخلاقي.
أخيرًا:
إن دماءنا وأعراضنا وأموالنا أمانة جسيمة، والتفريط والتهاون فيها وزرٌ عظيمٌ وجرم كبير عند الله ويبقى وصمة عار في التاريخ.
قال الله تعالى :( وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنًا مُّتَعَمّدًّا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدًا فِيهَا وَغَضِبَ ٱللَّهُ عَلَيۡهِ وَلَعَنَهُۥ وَأَعَدَّ لَهُۥ عَذَابًا عَظِيمًا ).
إننا على يقين بأن الباطل مهما انتفش فإنه إلى زوال, والليل مهما طال لابد له من فجر، وأن الحق سيعود لأهله. نسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يحفظ اليمن وأهله من مكر الحوثي وإفساده، وأن يحقن دماء المسلمين، ويرد كيد المعتدين في نحورهم، ويطهر أرض اليمن من دنس الصفوية وأدواتها، ويعيد إلى البلاد أمنها واستقرارها وعقيدتها الصافية، إنه سميع مجيب.