يعتقد كرادلة النظرية الهادوية الرسية في اليمن وكثير من بني عمومتهم خارج اليمن أن حكم المجبرة ــ وهم أهل السنَّة ــ حكم الحربيين، وأن مبرر وجود أرض للمجبرة "أهل السنَّة" بين ديار أهل البيت من جهة، والكعبة المشرفة من جهة أخرى عذرٌ كافٍ لسقوط الحج عنهم، فأرضهم أرضُ نجاسة، ولا يمكنهم الاحتراز من رطوباتهم، على حدِّ تعبيره. انظر المجموع المنصوري، مجموع رسائل الإمام المنصور بالله عبدالله بن حمزة، تحقيق: عبدالسلام بن عباس الوجيه، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، ط:1، 2002م، ص: 1/135.
وفي اعتقادهم أن مكة والمدينة هما دار حرب على الدوام ما دامتا خارجتَين عن سيطرتهم، يقول الإمام المنصور بالله: "فأما نحن فعندنا أن كل أرض ظهرت فيها خصلة، أو خصال من الكفر المعلوم بالأدلة، ولا يفتقر مظهرها إلى ذمة من المسلمين ولا جوار، وسواء كانت أرض مكة منزل البعثة أو المدينة دار الهجرة..". نفس المصدر، ص: 93/1.
ولهذا السبب لم يحج إمامٌ واحد من سلسلة الهادوية في اليمن بيت الله الحرام؛ لأن مكة والمدينة في نظرهم نجستان، كونهما تحت أهل الجبر، كما أسلفنا، في الوقت الذي حجّ أغلبُ خلفاء وسلاطين المسلمين في مختلف الدول الإسلامية القائمة.
ومما يؤثر عن الخليفة هارون الرشيد أنه كان يحج عامًا ويغزو عامًا. ولا تزال "عين زبيدة" زوجته مَعلمًا أثريًا من معالم إنجازاتها التاريخية الخيرية في سقيا الحجاج في مكة المكرمة إلى اليوم. وكانت طريق الحج من العراق إلى مكة المكرمة مطرزة بالقصور الخاصة بالخلفاء والأمراء، والمخصصة للمبيت فيها أثناء رحلة الحج، بكل ما تحتاج إليه هذه القصور من الأثاث والرياش والموظفين الذين كان الواحد منهم يُسمى "متولي المنازل".
ومن لم يحج من خلفاء وسلاطين الدول الإسلامية فلظروف قاهرة، وبعد استجازة شرعية من فقهاء عصرهم، كما هو الشأن لدى أغلب خلفاء بني عثمان، وذلك لأن فترات السفر كانت تحتاج في بعض الأصقاع إلى ما يزيد على ستة أشهر ذهابًا وإيابًا، تختل معه وظائف الدولة، فأفتى فقهاء تلك الأصقاع بسقوط فريضة الحج عن خلفاء بلادهم، لما يترتب عليه من خلل في بنية الدولة ووظائف الحاكم، أو حفاظًا على أرواح الحجاج من قطاع الطرق حين كانت الطرقات غير آمنة.
وتذكر المصادر التاريخية عن حكام بلاد التكرور ــ وهم شعوب القبائل الحامية في الممالك الأفريقية ــ أنهم كانوا حريصين على الحج سنويًا، ويمرون بأغلب صحارى أفريقيا، وبلاد مصر، ثم سيناء، وصولًا إلى بلاد الحجاز. ومن هؤلاء الحكام منسا موسى، حاكم دولة مالي الإسلامية الذي حج سنة 724هـ.
وذُكر عن ابن أمير، حاجب والي مصر، أن هذا السلطان حين حجّ كان معه مئة حمل ذهبًا، أنفقها في سفرته تلك على مَن بطريقه إلى مصر من القبائل، ثم بمصر، ثم من مصر إلى الحجاز توجهًا وعودًا، حتّى احتاج إلى القرض، فاستدان على ذمّته من تجّار مصر بما لهم عليه فيه المكاسب الكثيرة، بحيث يحصل لأحدهم في كلّ ثلاثمئة دينار سبعمئة دينار ربحًا، وبعث إليهم بذلك بعد توجّهه إلى بلاده. قال في "العبر"، ويقال: إنه كان يحمل آلته اثنا عشر ألف وصيفة لابسات أقبية الدّيباج.
انظر أيضًا: مسالك الأبصار في ممالك الأمصار، 121/ 4. وقد ذكر المؤرخون أن أهل القاهرة عاشوا على ذكراه سنوات عديدة؛ أي ظلوا ينفقون من أمواله التي نفحهم إياها أثناء مروره بها.
ويذكر المؤرخون أن المنية قد وافت القائد صلاح الدين الأيوبي وهو ينوي أن يحج في ذلك العام، على الرغم من الأخطار الخارجية من قبل الصليبيين التي كانت تتهدد بلاده. كما حج أخوه توران شاه من اليمن حين كان حاكمًا عليها، وحج من بعده أيضًا الملك الأيوبي المسعود صلاح الدين بن يوسف من اليمن. وقبله حج بعض خلفاء الدولة الصليحية، وحج سلاطين وخلفاء الدولة الرسولية في اليمن، وكانت محامل الحج من الدولة الرسولية في تعز مميزة عن غيرها، سنويًّا، فقد حج أغلب ملوكها، وكانوا يكسون الكعبة، ويوزعون الصدقات والأموال على أهل مكة، مع أن المسافة من عاصمة الدولة الرسولية في الجند هي ضعف المسافة من عاصمة الأئمة الرسيين في صعدة.
كعبة عيّان في سفيان!
هل يخطرُ ببالِ أحد أنّ إمامًا يدَّعي انتسابه إلى الإسلام، وإلى آل بيت الرسول صلى الله عليه وسلم، ويحكم جماعة من المسلمين أيضًا، ومع هذا لم يكتفِ بالتشنيع والنيل من الكعبة المشرفة؛ بل يعمل على صناعة كعبة أخرى في بلاده؟!
هذا قد يبدو ضربًا من الخيال، لكن في الواقع لا خيال ولا تخييل لدى جماعة البغي الهادوية الرسية في اليمن أو خارجه.
لنقف أمام حقيقة تاريخية مضحكة مبكية معًا، تتمثل في إقدام الإمام المهدي الحسين بن القاسم العياني 376ــ 404هـ، على إبطال الحج إلى مكة المكرمة، وتحويله إلى منطقة "عيّان"، حاضرة منطقة سفيان آنذاك، ومسرح نشاط الإمام المذكور. وقد أثبت الإمام أحمد بن سليمان هذه الواقعة، ثم أراد نفيها بعد ذلك، وقد قال ما نصه في سياق الحديث عن الإمام الحسين بن القاسم العياني: ".. وحَدّثني مَن أثِقُ به أنه قال له: هل رأيتَ المهدي أنت؟ قال: نعم. قال: كان معي في بيتٍ، ثم قام وتهيَّأ للخروج، فانفلق له جدارُ البيت فخرج منه، ولم يخرج من الباب. وقال: إنه أمره بالحج إلى عيّان، فأقام يحجّ سنينَ كثيرةً، وفتح شريعة الحجّ من مكة إلى عيان، فأقام يحجّ سنين كثيرةً هو وقومٌ من أصحابه قدر مئة رجل ويزيدون. وكانوا يفعلون ذلك في أيام عيد عرفة، حتى قال فيهم شاعرٌ ممن أنكر عليهم:
حَجَّ الأنامُ إلى المحصّب من مِنًى ... وإلى مَدَقّة حَجَّ آلُ القاسم
وقد استمرت هذه الفرقة حتى القرن التاسع الهجري.
ومدقة هي البقعة التي حج إليها هؤلاء في جبل عيان نفسه، وترد أحيانًا بلفظ "المدقة". انظر: صورة لمخطوط "الحكمة الدرية والدلالة النورية، أحمد بن سليمان، ص: 202.
وقد أثبت هذه الحالة شيخهم محمد عبدالعظيم الحوثي في تسجيل، على الرابط:
https://twitter.com/asas12367/status/1323017741444546560?s=21
والإمام الحسين بن القاسم هذا نفسه ادعى أنه المهدي أولًا، ثم ادعى أنه رسول من الله، ثم ادعى أنه أفضل من الرسول نفسه، ثم ادعى أن كلامه أبهر من كلام الله عز وجل. وحين طلق زوجته تزوجها رجل آخر بعد انقضاء عدتها، فلما علم هذا الإمام بذلك انتزعها من زوجها، وتشبه برسول الله، مستشهدًا بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ). سورة الأحزاب. انظر: حقائق المعرفة في علم الكلام، الإمام المتوكل أحمد بن سليمان، مراجعة وتصحيح: حسن بن يحيى اليوسفي، مؤسسة الإمام زيد بن علي الثقافية، ط:1، 2003م، ص: 491. وانظر أيضًا: موقع "منذر الزيدية" على تويتر، على الرابط:
https://twitter.com/asas12367/status/1323017741444546560?s=21
قريبًا من هذا ما فعله ابن عمه في مصر، المستنصر بالله معد بن الظاهر، الخليفة الفاطمي الثامن، والإمام الثامن عشر في سلسلة أئمة الشيعة الإسماعيلية، ت 487هـ، وفقًا لكتاب "الذهب المسبوك في ذكر من حج من الخلفاء والملوك" كان هذا الخليفة يركب على النُّجب مع النساء والحشم إلى موقع يسمى "جب عميرة"، مع بداية موسم الحج، وهو موقع يبدأ منه المصريون رحلتهم لأداء فريضة الحج، فكان يحمل معه جرار الخمر، ويصطحب الغواني، ويقضي نزهته هناك مع بعض حاشيته. وفي هذه العادة أنشد الشاعر:
قم فانحر الراح يوم النحر بالماء
ولا تضح ضحى إلا بصهباء
وأدرك حجيج الندامة قبل نفرهم
إلى منى قصفهم مع كل هيفاء
إن يفعل فقد فعل إمام له من قبل
ما تجدرُ الإشارة إليه هنا أنه في الفترة نفسها، وتحديدًا سنة 390هـ، أقدم الحاكم بأمره الفاطمي في مصر على نقل الحج من مكة إلى مصر، ".. فقد شيَّد في المنطقة الواقعة بين الفسطاط والقاهرة ثلاثة مشاهد، لينقل إليها رفات النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ورفات أبي بكر وعمر من المدينة، وذلك بهدف تحويل المسلمين عنها إلى القاهرة لشد الرحال إليها، وجعلها في مقام المدينتين المقدستين، وهي محاولة كتب لها الفشل". انظر تاريخ الفاطميين في شمالي أفريقيا ومصر وبلاد الشام، د. محمد سهيل طقوش، دار النفائس، بيروت، لبنان، ط:2، 2007م، ص: 280.
قبل ذلك، حين ظهر الإمام إسماعيل بن يوسف بن إبراهيم بن موسى الملقب بالسفاك، وهو من نسل الحسن بن علي، بالحجاز، وغلب على مكة أيام المستعين العباسي، غوّر العيون "هدم عيون الماء" وقتل من الحجاج كثيرًا، ونهب أموالهم، وقام من بعده أخوه محمد بن يوسف، فأربى على فعله في السفك والنهب والفساد". انظر: عمدة الطالب لابن عنبة، تحقيق السيد مهدي الرجائي، ط:1، 2009م، ص 65.
وفيه يقول الأصفهاني: ".. فعاث وأفسد، وعرض للحجاج، وتبعه أمثال له، وقطع الميرة عن الحرم، وكرهت ذكره..". انظر: مقاتل الطالبيين، أبو الفرج الأصفهاني، ط:2، ص: 524.
ويقول عنه ابن الأثير في تاريخه، ضمن حوادث سنة 251هـ: ".. وفيها ظهر إسماعيل بن يوسف... وقتل الجند وجماعة من أهل مكة، وأخذ ما كان حُمل لإصلاح القبر من المال، وما في الكعبة وخزائنها من الذهب والفضة وغير ذلك، وأخذ كسوة الكعبة، وأخذ من الناس نحوًا من مئتي ألف دينار، وخرج منها بعد أن نهبها، وأحرق بعضها..". انظر: الكامل في التاريخ، عزالدين بن الأثير، تحقيق: عمر عبدالسلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، لبنان، 2012م، ص: 231/6.
خلاصة القول
في الوقت الذي يقدس الحوثيون مدنًا إيرانية فارسية، مثل: قم وشيراز وطهران، وأيضًا كربلاء في العراق، ينالون من مكة المكرمة والمدينة المنورة، قولًا وعملًا، فيعتقدون بنجاسة كل منهما، كما يمطرون مكة والمدينة بالصواريخ والمقذوفات النارية دون أي اعتبار لحرمة المكان، ولو استطاعوا أن يهدموهما لفعلوا، ما دامتا خارج سيطرتهم. عقيدة فاسدة توارثوها خلفًا عن سلف من لدن الرسي وحتى عبدالملك الحوثي اليوم.