لكن الأرض أبت أن تذعن لهم؛ فبقيت بقعةٌ منها تضطرب وتهيج، حتى انشقّ عنها شواظٌ من نار، وتطاير الشرر على قممها، وبدت على سفوح جبالها آثارُ دمٍ ونار؛ خلّفها شُذّاذٌ راموها موطنًا لهم من دون أهلها، فلفظتهم الأرض، وأبت أن تُسلِم لهم وجهها.
ورث أبناؤها ذلك الإباء الأول، فحاروا في تسميتها، وقالوا: أيُّ عزٍّ يسكن هذه البقعة؟ فإذا صوتٌ يهتف من شعابها: لِتَكُنْ تعز؛ بلاد الغاضبين، وامتداد الإباء البكر، وصيحة النذير، وصورة الأرض في عنفوانها، ومبتدأ الحياة والموت.
وكُتب في صحائفها: موطن الرعد إذا تكلّم، والبرق إذا سلّ سيفه، والحجر الذي تنكسر عليه عوادي الدهر، والقلعة التي كلما دنا منها الخراب نهضت من رمادها أشدّ بأسًا وأمنع جانبًا.
ولكل إنسانٍ بلاؤه الذي يُعرف به معدنه، وتُمحَّص فيه سريرته، وتنكشف عنده خبايا نفسه؛ وكذلك المدن، لها من البلاء ما يرفع ذكرها، ويستخرج مكنونها، ويجعل لها في صحائف الأيام نَسَبًا إلى المجد لا تناله بكثرة عمرانها، ولا بسعة سلطانها. وقد كُتب على تعز أن يكون البلاء قرينها، وأن تُبتلى كلما همَّت أن تستريح، وأن تنهض كلما ظنَّ الخراب أنه قد فرغ منها. وكأنما أُخِذَ عليها عهدٌ قديم أن تكون حارسة اليمن الكبير، وأن تأبى أن تكون مطيّةً للظلم، أو معبرًا للطامعين، أو أرضًا يقتسمها الغالبون ثمَّ يمضون.
فهي، صِمامُ أمان البلاد، مدينةٌ من العزِّ خُلقت، ويأبى الله لها أن تهون! مدينةُ العلم والثقافة، والفنون والحضور؛ مدينةُ الصمود والإباء، والقوة والبأس. لا يمرُّ الغازي من ديارها آمنًا، ولا يظفر بها باغٍ؛ موقدُ الجمهورية، وموطنُ الحالمين، وحارسةُ اليمن كلما أحدقت به العوادي.
وما كان هذا الإباء طارئًا على أهلها، ولا وليد هذه الحرب التي أكلت من أعمارهم وأرزاقهم وأحلامهم؛ فإن لتعز في مقاومة الجور تاريخًا موصول الحلقات، كلما انقضى منه عهدٌ أفضى إلى عهد، وكلما غاب رجالٌ قام من أعقابهم رجال. ولليمنيين في ذلك ميراثٌ عريض؛ فما برحت أرضهم، على تعاقب الدول وتصاريف السلطان، تشهد مدافعةً بين إرادة الناس في العدل والكرامة، وبين نزعات الاستئثار التي تجعل الحكم حقًّا موروثًا، والناس مراتب في الأنساب.
وكانت مقاومة الحكم الإمامي في القرن المنصرم فصلًا من فصول ذلك الكفاح الطويل؛ فمن إرهاصات الإصلاح، إلى حركة الأحرار، إلى ثورة الدستور سنة ١٩٤٨م، ثم حركة أحمد الثلايا في تعز سنة ١٩٥٥م، حتى أطلَّ فجر السادس والعشرين من سبتمبر سنة ١٩٦٢م، بعد مخاضٍ طويلٍ من السُّجون والمنافي والمشانق والدماء. وما كان ذلك الفجر هبةً ساقتها المصادفات، حسبي أنه جاء على أعقاب رجالٍ بذلوا أعمارهم لتخرج البلاد من ضيق الحكم الكهنوتي إلى أفق بناءِ حكمٍ ارتضاه أبناء الأرض، ومن امتياز النَّسب إلى حق المواطنة.
وكان لتعز في تلك المسيرة موضعٌ مشهود؛ ففيها اتصلت وشائج الأحرار، ومنها خرجت أصواتٌ في وجه الاستبداد، وعلى أرضها اجتمع من الوعي والشجاعة ما جعلها إحدى حواضر الحركة الوطنية. وكان لأبنائها نصيبٌ من الكفاح الذي مهّد لثورة سبتمبر، ثم امتدّ أثرهم إلى مسيرة التحرر الوطني في الجنوب وثورة الرابع عشر من أكتوبر سنة ١٩٦٣م. ومضت الجمهورية في امتحانها العسير، ووقف اليمنيون في الدفاع عنها، حتى غدا بقاؤها شاهدًا على أن ما يُغرس في الأرض بدماء الأحرار قد تشتدّ عليه العواصف، ولكنه يضرب في أعماقها جذورًا لا تُقتلع بسهولة.
ثم دارت الأيام دورتها، وإذا باليمن يُمتحن من جديد، وتعود إليه دعاوى الحكم السلالي، وقد لبست أثوابًا أخرى، واستعانت بأدوات عصرها، واستصحبت من الماضي أشدّ ما فيه وطأةً على الإنسان. وعاد السؤال القديم يقرع أبواب اليمنيين: أيكون الوطن لأهله جميعًا، أم يُجعل إرثًا تتداوله جماعةٌ تزعم لنفسها حقًّا فوق حقوق الناس؟
وهنا نهضت تعز، على ما بها من جراح، وعلى ما أصابها من اختلافٍ وتنازعٍ وضيق حال. نهضت بمدينتها وقراها وأريافها، بجبالها التي طالما كانت حصونًا للإباء، وبأبنائها الذين خرجوا من حقولهم ومتاجرهم ومدارسهم وجامعاتهم، يحملون من أسباب القوة ما تيسّر، ومن اليقين بعدالة قضيتهم ما أعانهم على احتمال ما استعظمته النفوس.
ولئن كانت المدن تُعرف بما شُيّد فيها، فإن تعز اليوم تُعرف أيضًا بما احتمله أهلها؛ ببيوتٍ خلت من ساكنيها، وأمهاتٍ طال انتظارهن، وأطفالٍ كبروا على أصوات الحرب، وقرى دفعت من شبابها وأرزاقها ما تعجز الصحائف عن استقصائه. وفي أرياف تعز، من الحجرية إلى جبل حبشي، ومن صبر إلى مقبنة، ومن المعافر إلى سائر النواحي، حكاياتٌ من الصبر لم تبلغ المنابر، وأسماءٌ طواها النسيان، وأسرٌ دفعت من أعزّ ما تملك، ثم عادت إلى شأنها من غير أن تسأل التاريخ أن يكتب لها سطرًا.
وكنتُ قد حرّرتُ كتابًا في زهاء خمسمائة صفحة، استنطقَ أوجاعَ النساء وما خلّفته في نفوسهنَّ سنوات الحصار والقتال؛ ورأيتُ فيه كيف كانت المرأة اليمنية، في تعز وسائر اليمن، تقف في وجه زيف السُّلالة، وتحتمل من لأواء الحرب، ومرارة الاغتراب، وفواجع النزوح والتهجير، ووحشة السجون، ولوعة الفقد، ما تنوء بحمله الجبال. وكم من امرأةٍ دفنت فِلْذَة كبدها، ثمَّ عادت تُمسك ما بقي من شتات أسرتها، كأنما أُنيط بقلبها أن يصبر عن قلوبٍ كثيرة. وكلُّ تلك التضحيات كانت وفاءً لهذه المدينة التي أضاءها ثبات أهلها، وصبر نسائها، وشموخ جبالها؛ حتى غدت تعزُّ كأنما أخذت من نسائها صبرهنّ، ومن جبالها إباءها، ومن جراحها سرَّ بقائها.
وما تعزُّ في هذا الشأن إلا صفحةٌ من كتاب اليمن الكبير؛ ففي مأرب والضالع والبيضاء والحديدة وسائر المواطن التي شهدت المقاومة، بذل اليمنيون من أنفسهم وأموالهم ما يشهد أن قضية الحرية والكرامة أوسع من حدود مدينة، وأقدم من خصومة اليوم، وأبقى من الرجال الذين يتصدرون مشهدها. وهي قضيةٌ يجتمع عليها من أبناء اليمن من اختلفت مذاهبهم ومناطقهم وأنسابهم.
بيْدَ أنَّ للثبات آفاتٍ ينبغي أن تُحذر، وللنصر أسبابًا ينبغي أن تُستوفى، وأخوف ما يُخاف على قضيةٍ عادلة أن ينال منها أهلها ما عجز عنه خصومها؛ فيتفرّقوا بعد اجتماع، ويتنازعوا بعد ائتلاف، ويجعلوا حظوظ أنفسهم فوق حقّ وطنهم. وما أفسد على الأمم أمرها مثل العصبية إذا استحكمت، والتحزّب إذا غلب على البصيرة، والأثرة إذا صارت ميزانًا للولاء والخصومة.
فيا أهل اليمن؛ إنَّ الوطن الذي اتسع لآبائكم وأجدادكم أحقّ أن تتسع له صدوركم، وإن الدماء التي امتزجت على أرضه أكرم من أن تُفرّقها أسماء الأحزاب، أو حدود المناطق، أو منازعات الزعامة. وما أحوجكم إلى ضميرٍ جمعيٍّ تتوارى أمامه حظوظ الأفراد، وتُردّ إليه الخصومات، وتُوزن به المواقف. فإنَّ الأمم تُحفظ بصدق من يحمل همَّها، ويقدِّم حقّها على نصيبه، ويجعل من قوته سياجًا لها، ومن اختلافه مع أخيه بابًا للمراجعة والإصلاح، دون أن يصيّره ثغرةً يدخل منها الخراب.
وتركُ تعز وحدها تواجه جحافل الخراب خِذلانٌ لن تقف عاقبته عند أسوارها، وستبلغ غوائلُه سائرَ بقاع الوطن. فإن تعز من الجمهورية بمنزلة الثغر من الحصن؛ إذا انكسر ثغرٌ منه انكشفت سائر جهاته، وإذا استُبيح جانبٌ منه لم يأمن الباقون على ما بقي. ومن ظنّ أن مصير تعز شأنٌ يخصّ أهلها، فقد غاب عنه أن ما يُصيبها من وهنٍ قد يفتح على الجمهورية أبوابًا من البلاء، وأن التفريط في صمودها قد يعود على اليمنيين جميعًا بما يعسر تداركه.
فلا ينبغي أن تُترك وحدها، نرقب مصيرها، حتى إذا نزل بها ما نخشاه شرعنا في البكاء عليها. إن معركة تعز معركةُ اليمنيين جميعًا في وجه عناكب التاريخ، والوقوف معها وفاءٌ للجمهورية، وذودٌ عن اليمن الكبير، وصدٌّ لمحاولات الانتقام من المدينة التي أدّبت عدوّها، وما تزال تُلقمه الحجر والموت.
وحريٌّ بنا أن نوقن أنَّ النَّصر من عندِ الله، {وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ} [آل عمران: 126]، وله سننٌ لا تحابي، وقد أمر سبحانه الأخذ بالأسباب، وإعداد القوة، واجتماع الكلمة، والصبر عند اللقاء؛ وجعل التوكل عليه عدّةً للقلب بعد استفراغ الوسع، فلا يستقيم أن تُطلب معونته مع تضييع ما أوجب، أو يُنتظر فرجه مع التفريط فيما استُؤمن عليه الناس. ومن فقه الإيمان أن تُوصل الأرض بالسماء؛ فتجتمع في النفوس قوة اليقين وحسن التدبير، ويصحب الدعاءَ عملٌ، والصبرَ إعدادٌ، والرجاءَ وفاءٌ بحقوق الله وعباده.
ولعلّ من أعظم ما تحتاجه البلاد في هذه الساعة أن تحفظ ثقتها بنفسها، وألّا تستسلم لكل ناعقٍ بالإرجاف، ولا لكل شائعةٍ تُلقي في القلوب وهنًا، وأن تميّز بين النقد الذي يُصلح، والتثبيط الذي يبدّد العزائم؛ فكم من هزيمةٍ ابتدأت في النفوس قبل أن تقع في الميدان، وكم من قومٍ حفظوا رجاءهم، فحفظ لهم الرجاء قدرتهم على العمل حتى انكشفت عنهم الشدائد.
وهذا قَدَرنا وقَدَرُ تعز: أن تُبتلى فتثبت، وأن تُجرح فتنهض، وأن تقف على ثغر اليمن كلما ادلهمّت عليه الخطوب. وهذا قَدَرُ اليمنيين: أن يحملوا ميراث آبائهم، ويصونوا ما بقي من وطنهم، ويُعدّوا لأبنائهم غدًا لا يُورَّث فيه الخوف كما تُورَّث الأرض التي لا صاحبَ لها.
وإن طال ليل اليمنِ فللصبح ميعاد، وإن أبطأ الفجر فما زالت في جباله عيونٌ ترقبه، وفي قراه صدورٌ تتّسع له، وفي أرضه بقيةٌ من ذلك الإباء الأول.
والله غالبٌ على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.