المنبر اليمني
عدالة الصحابة بين نصوص الوحي وشبهات الحوثي
فضاء حر

عدالة الصحابة بين نصوص الوحي وشبهات الحوثي

د. هاشم محمد

د. هاشم محمد

أكاديمي وباحث

22 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

تتجدد حملات الطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- بصور مختلفة، ومنها تقديم قراءة انتقائية للنصوص وتأويلات مسيسة للتاريخ، تُحمِّل الجيل الأول مسؤولية ما آلت إليه الأمة؛ غير أن ميزان البحث العلمي المنضبط يقتضي ردّ الأقوال إلى نصوص الوحي وفهم السلف وإجماع الأمة، بعيدًا عن الإثارة والشحن العاطفي والروايات المكذوبة والموضوعة.

ومن الشبهات التي يثيرها الحوثيون حول الصحابة -رضوان الله عليهم- ما يلي:

الشبهة الأولى: الصحابة أسسوا ظلم الأمة وفرقوها

من أخطر الدعاوى التي يكررها حسين الحوثي اتهامه الصحابة -رضوان الله عليهم- بأنهم أسّسوا لظلم الأمة، وكانوا سببًا في تفريقها وانقسامها، هذه الدعوى لا تمثِّل مجرَّد رأي تاريخي قابل للنقاش، بل هي طعنٌ مباشر في الجيل الذي شهد له القرآن بالفضل والرضا، وأجمع أهل الإسلام على عدالته وسبقه في حمل الدين ونشره.

فالقرآن الكريم قد نصّ على تزكية الصحابة والثناء عليهم ثناءً قاطعًا، فقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} [التوية:100]، كما أن عدالة الصحابة أصلٌ مقرر عند أهل السنة والجماعة، انعقد عليه إجماع العلماء؛ لأنهم حملة الشريعة، ونقلة القرآن والسنة إلى من بعدهم، ومن ثمّ فإن الطعن فيهم يستلزم الطعن في أصل المنقول.

أما من جهة التاريخ والواقع، فإن المرحلة التي تولَّى فيها الصحابة قيادة الأمة اتسمت بالعدل والقوة والتمكين، حيث امتدت الدولة الإسلامية في عهدهم شرقًا وغربًا، وانتشرت قيم العدل والشورى، ودخلت شعوب كثيرة في الإسلام، ولم يكن ما وقع من خلافات سياسية بينهم إلا اجتهادات بشرية في إطار السعي إلى تحقيق المصلحة العامة، فلا يمكن استخدامها ذريعة لتهميش فضلهم أو اتهامهم بتفريق الأمة.

الشبهة الثانية: دعوى أن قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} تعنيف للصحابة وتأنيب لهم

يزعم حسين بدر الدين الحوثي أن قوله تعالى: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}[آل عمران:100] يتضمَّن تعنيفًا للصحابة وتأنيبًا لهم، ويزعم أنهم قصّروا في مسؤوليتهم حتى آلت أحوال الأمة إلى ما آلت إليه؛ غير أن هذا الفهم يصادم ما أجمع عليه المفسِّرون من أن الآية واردة في سياق المدح والثناء؛ إذ وصف الله تعالى هذه الأمة بالخيرية لما تقوم به من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، وكان الصحابة -رضي الله عنهم- أول من تحقَّق فيهم هذا الوصف وأكملهم قيامًا به.

كما أن دلالة (كان) في الآية لا تفيد الانقطاع كما توهّم، بل تدلُّ على التحقيق والثبوت كما قرره أهل التفسير، ومنهم ابن جرير الطبري، أي إن هذه الأمة خُصّت بالخيرية في حكم الله وتقديره. أما إلحاق ما وقع في عصور متأخرة من ضعفٍ أو انحراف بالصحابة -رضي الله عنهم- فهو قلبٌ للحقائق التاريخية؛ إذ كان عصرهم عصر عزٍّ وتمكين وانتشار للإسلام، وإنما نشأ الضعف حين ابتعد المتأخرون عن منهج الدين القويم الذي أقامه ذلك الجيل المؤسس العظيم.

الشبهة الثالثة: دعوى إقصاء علي -رضي الله عنه- وبداية الانحراف يوم السقيفة

يزعم حسين بدر الدين الحوثي أن الصحابة أقصوا علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن مقامٍ خصّه به النبي ﷺ، وأن الانحراف بدأ يوم السقيفة. وهذه الدعوى تفتقر إلى الدليل الصحيح؛ إذ لم يثبت في القرآن ولا في السنة نصٌّ صريح بتعيين علي للخلافة، بل ثبت عنه -رضي الله عنه- أنه نفى أن يكون النبي ﷺ خصّ أهل بيته بشيء دون الأمة، ولو وُجد نصٌّ جليّ في ذلك لاحتجّ به عليّ نفسه، ولما خالفه الصحابة وهم أحرص الناس على امتثال أمر النبي ﷺ.

أما بيعة أبي بكر -رضي الله عنه- فقد قامت على الشورى وإجماع الصحابة، مدفوعة بما عرفوه من منزلته عند النبي ﷺ، ومن الإشارات النبوية التي دلّت على تقديمه، كأمره بالصلاة بالناس في مرض موته؛ ولذلك أجمع الصحابة على بيعته، ولم يُعرف عنهم أنهم رأوا في ذلك إقصاءً لعلي -رضي الله عنه- بل كان عصرهم عصر اجتماعٍ وتمكين؛ مما يدلُّ على أن دعوى الانحراف من يوم السقيفة ليست إلا قراءة مغرضة تُسقِط تصورات مذهبية على أحداث التاريخ.

الشبهة الرابعة: تحميل الصحابة دماء علي -رضي الله عنه- وأهل بيته

يزعم حسين بدر الدين الحوثي أن الصحابة -رضي الله عنهم- مسؤولون عن قتل علي والحسن والحسين -رضوان الله عليهم- وأن فاطمة -رضي الله عنها- ماتت كمَدًا لما جرى بعد وفاة النبي ﷺ، وهذه دعوى تصادم الحقائق التاريخية؛ إذ إن قاتل علي -رضي الله عنه- هو الخارجي عبد الرحمن بن ملجم، وليس من الصحابة، أما الحسن -رضي الله عنه- فمات على فراشه، وأما الحسين -رضي الله عنه- فكان مقتله على أيدي جماعة من أهل العراق في كربلاء، ولم يكن فيهم صحابي واحد.

أما ما يقال عن وفاة فاطمة -رضي الله عنها- كمَدًا فدعوى بلا دليل؛ إذ ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ أخبرها أنها أول أهله لحوقًا به، فكان موتها تحقيقًا لهذا الخبر. كما أن قضية فَدَك التي تُستغل لإثارة العداوة بين الصحابة وأهل البيت إنما حُكم فيها بحديث النبي ﷺ: «لا نورث، ما تركنا صدقة»، فعمل أبو بكر -رضي الله عنه- بما بلغه من السنة، وبذلك يتبيَّن أن تحميل الصحابة دماء آل البيت إنما هو قراءة طائفية للتاريخ لا تسندها الوقائع.

يتبيّن من هذه الشبهات أن الطعن في الصحابة -رضي الله عنهم- ليس مجرَّد قراءة تاريخية مختلفة، بل هو منهج قائم على إعادة تفسير النصوص والوقائع بما يخدم تصورات مذهبية وسياسية؛ بينما يشهد القرآن والسنة وإجماع الأمة بعدالتهم وفضلهم ومقامهم في حمل رسالة الإسلام ونقلها. ومن هنا، فإن ردّ هذه الشبهات بالحجة والدليل ليس مجرَّد تصحيح تاريخي، بل صيانة لمصادر الدين وحماية لمكانة الجيل المؤسس للأمة.

شارك هذا المقال
د. هاشم محمد

د. هاشم محمد

أكاديمي وباحث

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد
فضاء حر

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد

أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.

محمد علي العسليمحمد علي العسلي28 أغسطس 2026
إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع
فضاء حر

إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع

الحوثي كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني، وهم الشافعية السنة، كفارٌ أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم في ثقافتهم: «كفار التأويل»!

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري22 أغسطس 2026
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري18 أغسطس 2026