المنبر اليمني
لماذا يرفض اليمنيون جماعة الحوثي؟
مقالات

لماذا يرفض اليمنيون جماعة الحوثي؟

همدان العليي

همدان العليي

كاتب صحفي

18 أكتوبر 2026٠ قراءة
حجم الخط

لماذا بقيت جماعة الحوثي عاجزة عن التحول إلى مشروع يحظى بقبول اجتماعي يوازي حجم القوة التي تراكمها منذ سنوات؟! ولماذا ينظر اليمنيون إليها على أنها مشروع مفروض بالقوة وبلا جمهور؟! ولماذا فشلت جهود الحوثيين الفكرية والعقائدية والسياسية الواسعة في كسب ود وتأييد المجتمع اليمني؟

الإجابة عن هذه التساؤلات لا يمكن اختزالها في الحرب الراهنة، فهناك أسباب أعمق تتعلق بطبيعة الفكرة التي تقوم عليها الجماعة، وبطريقة إدارتها للمؤسسات التي سيطرت عليها، وبأسلوب تعاملها مع المجتمع والاقتصاد، وبالذاكرة التاريخية لليمنيين، فضلًا عن النتائج التي ترتبت على سياساتها داخليًّا وإقليميًّا.
ومن المهم القول بدايةً إن هذه الأسباب التي سأتطرق إليها ليست كل الأسباب التي دفعت المجتمع اليمني إلى رفض الحوثيين، لكنها تساعد على تفسير جانب أساسي من استمرار هذه الفجوة بين القدرة على السيطرة وبين القدرة على الحصول على القبول.
من السياسة التعددية إلى الحركة المسلحة:
بعد قيام الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990م، دخل اليمن تجربة حزبية تعددية، وأُجريت في 27 أبريل 1993م أول انتخابات برلمانية عامة في دولة الوحدة، شارك في هذه البيئة عدد من الأحزاب والتيارات، ومن ضمنها حزبا الحق واتحاد القوى الشعبية المحسوبان على التيار العقائدي الزيدي الذي يحصر الولاية في البطنين.
حصل حزب الحق في انتخابات 1993م على مقعدين فقط من أصل 301 مقعد، وكان مؤسس جماعة الحوثي حسين بدر الدين الحوثي أحد نوابه، أما انتخابات 1997م فلم يحصل فيها حزب الحق على أي مقعد، وكذلك لم يكن من الأحزاب الفائزة بمقاعد في انتخابات 2003م.
ومع ظهور ملامح فشل الأحزاب السياسية ذات العقيدة الإمامية في الانتخابات الأولى، انتهج بعض الفاعلين فيها وسيلة أخرى للوصول إلى السلطة التي يرون أنها حقٌّ محصورٌ للعلويين تحت غطاء إحياء تعاليم ومبادئ المذهب الزيدي.
بدأ حسين بدر الدين الحوثي مع بعض رفاقه بتأسيس ما سُمِّي حينها بـ(الشباب المؤمن)؛ بذريعة نشر التعاليم الزيدية، قبل أن يتحوّل هذا التكتل إلى مصنع لواحدة من أخطر الجماعات العنصرية والطائفية في شبه الجزيرة العربية، تحت مسمى (الحوثيين) نسبةً إلى حسين الحوثي.
في يونيو 2004م بدأت الاشتباكات بين أنصار الحوثي والسلطة المحلية في محافظة صعدة، وانتهت أول حرب بين الطرفين بمقتل حسين الحوثي في 9 سبتمبر 2004م.
تكمن أهمية هذه المرحلة في أنّ اليمنيين كانوا قد دخلوا إلى فضاء يقوم نظريًّا على التعددية والانتخابات والمساواة في المواطنة، على الرغم من العيوب والقصور اللذين رافقا هذه العملية؛ نتيجة عوامل مجتمعية وسياسية كثيرة، ومن هنا ظهر التناقض تدريجيًّا بين جمهورية المواطنة المتساوية، وبين مشروع يُعيد الاعتبار إلى مفاهيم دينية وعرقية عنصرية.
الامتياز السلالي في قلب المشكلة:
من أهم أسباب الحساسية اليمنية تجاه المشروع الحوثي ارتباط بنيته الفكرية بمفهوم الامتياز القائم على النسب والعرق. في النظرية الزيدية التقليدية للإمامة لا يكفي العلم أو الكفاءة أو اختيار الناس، بل يُشترط في الإمام أن يكون من ذرية الحسن أو الحسين -رضي الله عنهما-، وحين يُعاد استدعاء هذه النظرية العنصرية إلى المجال السياسي الحديث، فإنها تصطدم مباشرة بمبدأ المواطنة المتساوية، الذي يفترض أنّ حق الوصول إلى السلطة لا يرتبط بالنسب العائلي.
التمييز العرقي هنا ليس عنصرية من اجتهادات البشر الشعبوية، كالنازية في أوروبا مثلًا، أو غيرها من الحركات العنصرية التي ظهرت في القرن الماضي، بل أخطر، وتصطدم بأبسط قيم المواطنة المتساوية، وتتنافى مع أول مادة من مواد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان؛ لأنها تدّعي تميز العرق واصطفاء الجينات، وتدَّعي أنّ الله اختارها لتحمل مسؤولية نشر معتقدها الديني ولو بقوة السلاح، وبالتالي من لا يقبل بها فقد اختلف مع الدين وعارض مشيئة الخالق -عز وجل-.
ويمكن القول باختصار: إنهم جمعوا بين العنصرية السلالية العرقية، والإرهاب العقائدي الديني، وهذا مزيج لا يمكن أن نجده في جماعة أخرى في هذا العصر. 
فإذا كانت النازية في أوروبا عبارة عن عنصرية شعبوية، فهذه السلالة في اليمن تدعي أنّ جيناتها مميزة، وفي الوقت نفسه تضفي عليها طابعًا إلهيًا كهنوتيًا ثيوقراطيًا؛ لاعتقادها أنّ الله كلّفها بحكم الناس والتحكم في أموالهم وممتلكاتهم ومصائرهم، ومن يُخالف ذلك فقد كفر، ويجب قتله.
ويمكن النظر إلى ما سُمِّي بـ(الوثيقة الفكرية والثقافية) الخاصة بالحوثيين، الموقعة في مارس 2012م، التي أكّدت بلغة حاسمة أنّ الله اصطفى هذه السلالة من بين كل البشر ليكونوا هداة للبشرية، وحملة القرآن بعد رسول الله ﷺ حتى يوم القيامة، وأنّ الله يُهيئ منهم للبشر في كل عصر مَن يكون منارًا لعباده، وقادرًا على القيام بأمر الأمة الإسلامية، والنهوض بها في كل مجالاتها.
هذا النوع من العنصرية كان وما يزال سببًا في استمرار الرفض المجتمعي للحوثيين، وهذا الأمر بطبيعة الحال امتداد طبيعي للرفض المجتمعي للنظرية ذاتها طوال قرون مضت.
إعادة هندسة الهوية والمجتمع:
المشكلة الثانية أنّ المشروع الحوثي لا يتوقف عند السيطرة على مؤسسات الدولة، بل يسعى إلى إعادة تشكيل البيئة الثقافية والاجتماعية التي تعمل فيها تلك المؤسسات، يتضح ذلك في مفهوم (الهوية الإيمانية) الذي توسّعت الجماعة في نشره عبر المدارس والمراكز الصيفية، والخطب، والدورات الثقافية، ووسائل الإعلام، ومؤسسات الدولة.
وبمجرد أنْ سيطرت جماعة الحوثي على وزارة التربية والتعليم، عملت على تنفيذ تغييرات واسعة في المناهج الدراسية، ولا سيما في مواد القرآن والثقافة الإسلامية واللغة العربية والتربية الوطنية والتاريخ، إلى جانب إدخال رموز وخطاب الجماعة إلى البيئة التعليمية، وهي بذلك تصادر حق الآباء في تحديد واختيار ما يتعلمه الأبناء، خاصة ما يتعلق بالجانب العقائدي.
وهنا تصبح المسألة أعمق من مجرد أن (سلطة سياسية تنشر أفكارها)، نحن أمام محاولة لإعادة تعريف المفاهيم ذاتها: من هو المؤمن أو المسلم؟ ومن هو الوطني؟ وما معنى التضحية؟ وما هي القبيلة؟ ومن هو القائد؟ ومن هو المرجع؟ وما هو المذهب أو المعتقد الذي يجب أن يتبعه الأبناء؟ إضافة إلى تحويل المدارس إلى مصائد لتجنيد الأطفال.
وحين تحتكر جماعة مسلحة الإجابة عن هذه الأسئلة، فإنها لا تطلب فقط الطاعة السياسية، بل تعمل على إنتاج إنسان جديد، تتطابق هويته الدينية والوطنية مع تعريف الجماعة لنفسها، وبما يضمن للسلالة هيمنتها على عامة اليمنيين، وهذا ما يمكن وصفه بـ(الإبادة الثقافية) للمجتمع.
مأسسة العنصرية:
الأكثر تأثيرًا في الوعي المجتمعي هو انتقال هذه الأفكار من الكتب والخطب إلى بنية السلطة، قبل سيطرة الحوثيين على صنعاء كانت بعض الأسر السلالية في اليمن تدَّعي أنها غير ممثلة في مفاصل الدولة، ومن المعلوم أنّ أغلب هذه العائلات تتقلّد مناصب كبيرة وحسّاسة؛ فمنهم الوزراء، والمحافظون، والقادة العسكريون والأمنيون، والوكلاء، والمديرون، والقضاة، والصحفيون، وغير ذلك، ولا يوجد مجال أو تخصُّص أو حزب سياسي في اليمن إلّا وهم قيادات فيه، بل إنّ حظهم في المناصب أكثر بكثير من غيرهم من اليمنيين؛ لكونهم أبناء قيادات في النظام الإمامي الذي سبق الحكم الجمهوري، وقد حظوا بفرص تعليمية أفضل من غيرهم؛ ولهذا تبوأوا مناصب عليا في مؤسسات الدولة كلها.
وبعد السيطرة على صنعاء في سبتمبر 2014م أنشأت الجماعة شبكة واسعة من (المشرفين)، تعمل بالتوازي مع المؤسسات الحكومية الرسمية، وفي كثير من الحالات أصبحت سلطة المشرف الفعلية أعلى من سلطة المسؤول الحكومي صاحب المنصب الرسمي.
في أكثر من مناسبة وخطاب قال زعيم الحوثيين: إنه وجماعته ليسوا طلاب سلطة، وأنهم لا يسعون من وراء تمددهم إلى الحصول على مناصب في مؤسسات الدولة، وأكد مرارًا أنّ جماعته لا تريد إلّا الإصلاح، ولن تشارك في أي حكومة، وفي أحد خطاباته قال: "نحن نذرنا أنفسنا لله، في خدمة شعبنا، وفي قضايا شعبنا العادلة، وفي هموم شعبنا، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أنْ نحيد عنه.. نحن ليست لدينا أطماع، وأنا قلت للوفد الحكومي إننا لن نكون أبدًا جزءًا من أي تشكيلة وزارية في أي حكومة قادمة.. لا نريد وزاراتكم"، لكن ما إنْ دخلوا إلى العاصمة صنعاء، حتى قاموا بعمليات واسعة لتسريح الموظفين، وتعيين أتباعهم العقائديين، وغالبيتهم من عرقية واحدة؛ أي حوّلوا العنصرية من نظرية إلى فعل مؤسسي.
ومن الأمثلة الأكثر إيضاحًا للعنصرية اللائحة التي أصدرتها جماعة الحوثي عام 2020م، والمتعلقة بالزكاة والخُمس، والتي خصصت جزءًا من الموارد لفئة (بني هاشم)، وقد أثارت هذه الخطوة اعتراضات واسعة؛ لأنها أعادت إدخال العنصرية العرقية بصورة مؤسسية في توزيع بعض الموارد العامة للبلاد. وهذا ما جعل الحوثيين كأقلية يصطدمون بالمجتمع اليمني بشكل مباشر، تمامًا مثل أي مجتمع في العالم يرفض العنصرية.
القوة تصنع الخضوع لا القبول:
يمكن القول: إنّ لجماعة الحوثي أنصارًا ومؤيدين في اليمن، ومن يصفقون لها بسبب انجذابهم إلى خطابها المتعلق بفلسطين وإسرائيل، لكن وجود قاعدة من المؤيدين لأسباب عرقية أو غيرها من الأسباب الأخرى لا يعني وجود قبول مجتمعي شامل بالمشروع.
السلاح يستطيع ترهيب الناس وفرض أوامر الحوثيين، والميليشيات تستطيع الحد من المعارضة العلنية من خلال ملاحقة الناس، وزجهم في السجون، أو سحلهم في الشوارع، والسيطرة الاقتصادية والتجويع تستطيع دفع الأفراد إلى التكيف والتعايش، وربما التّحَوّث، لكن هذه الأدوات لا تنتج بالضرورة شرعية اجتماعية.
أسهمت سياسة التجويع والترهيب في إخضاع الناس ومشاركتهم، إما في القتال وإما في الاحتشاد الأسبوعي، مقابل الرغيف الذي يساعدهم على العيش، مقابل ثراء وغنى فاحش لأتباع الحوثيين، وهذا سبب كافٍ لتنامي الحقد المجتمعي ضد الحوثيين.
من موقع استراتيجي إلى تهديد للإقليم والعالم:
يقوم مشروع الحوثيين على العنف، وتعبئة اليمنيين على كراهية الأنظمة العربية والدول الوطنية، ولهذا يعدُّ الحوثيون السلطة في السعودية وبقية دول الخليج والإقليم العربي أنظمة عميلة وغير شرعية؛ لأنها أولًا ليست من السلالة، وثانيًا لأنها في نظرهم (عميلة لأمريكا وإسرائيل)، ولهذا تنشئ الجماعة أجيالًا من الحاقدين والقنابل الموقوتة، وتستمر في تعبئة اليمنيين بكراهية الدول العربية والإسلامية باستثناء إيران والدول الخاضعة لها، وهذا يعني جعل اليمنيين أمام أسئلة مصيرية: هل ينبغي أنْ يتحول اليمن، بموقعه ومقدراته، إلى منصة صراع إقليمي، تجعل مصالح اليمنيين وأمنهم وعلاقاتهم بمحيطهم رهينة قرار جماعة مسلحة؟
خلاصة القول: ثمة أسباب مختلفة وكثيرة تجعل اليمنيين يرفضون الحوثيين، ويتمسَّكون بخيار مواجهتهم حتى النهاية؛ لأنّ الخلاف مع الحوثيين ليس سياسيًّا بدرجة أساسية، بل متعلِّق بكرامة اليمنيين، وحقِّهم في الاعتقاد والمواطنة المتساوية، وغيرها من الحقوق الإنسانية.
ومن جملة تلك الأسباب البُعد المتعلِّق بالامتياز القائم على العرق، ومحاولة إعادة تشكيل الهوية، وتحويل التنظيم العقائدي إلى نظام حكم، وإعادة توزيع النفوذ الاقتصادي، واستخدام القوة والإكراه، وتراكم الانتهاكات، إضافة إلى تحويل اليمن إلى ساحة لصراعات تتجاوز حدوده وغيرها من الأسباب.
والحقيقة أنّ الجماعة الحوثية قد نجحت في بناء أدوات قوية للسيطرة والهيمنة بالقوة، لكنها فشلت في صناعة القبول المجتمعي، وكذلك عجزت عن بناء دولة؛ لأن العقيدة الحوثية في جوهرها تصطدم بالمبادئ التي يجب أن تتوافر لبناء دول مستقرة وعادلة.

شارك هذا المقال
همدان العليي

همدان العليي

كاتب صحفي

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

تعز.. تاريخٌ من المجد وحكايةٌ من الصمود
مقالات

تعز.. تاريخٌ من المجد وحكايةٌ من الصمود

تعز ليست مجرد مدينة على خارطة اليمن، بل أرضٌ ضاربة الجذور في التاريخ، وموطن حضاراتٍ أسهم أبناؤها في ميادين العلم والتجارة والسياسة والعمران. فمن المعافر وحمير في اليمن القديم، إلى حضور اليمنيين في تاريخ الإسلام والأندلس، وصولًا إلى ازدهار الدولة الرسولية، تتجلى حكاية أرضٍ صنعت لنفسها مكانةً في تاريخ اليمن وحضارته.

هاني كُردهاني كُرد18 أكتوبر 2026
مكة والمدينة في عقيدة الإمامة الهادوية
مقالات

مكة والمدينة في عقيدة الإمامة الهادوية

ما من جماعة أو مذهب هانت عليه مقدساته الدينية والروحية كما هانت مكة المكرمة والمدينة المنورة على أتباع الهادوية الرسية الجارودية في اليمن. وما نالت مقدساتٌ دينية من الهجوم والتبخيس كما نالت مكة والمدينة من قبل هذه الجماعة، ومن غلاة الشيعة بشكل عام، سواء في اليمن أم خارج اليمن!

د ثابت الأحمديد ثابت الأحمدي18 أكتوبر 2026
تعز من الإباء الأول إلى وعد الفجر
مقالات

تعز من الإباء الأول إلى وعد الفجر

لمّا زلزلت الخلافاتُ أركانَ الوطن، وتصدّعت جدرانه، تسلّل أحفادُ الإمامة من شقوقه إلى عاصمة اليمنيين، فخالوا أنَّ الأرض قد دانت لهم، وأن التاريخ قد استدار ليُعيد إليهم سلطانًا طواه، فقالوا لليمن: كوني كما نشاء؛ أرضًا على مقاس أهوائنا، وهُويَّةً على صورة أنسابنا، وأمةً تُولد من جديد على أيدينا.

د. خالد بريهد. خالد بريه18 أكتوبر 2026