وكان لكلمات العلماء أثرها في إطفاء نار الخلافات والاضطرابات واستقرار البلدان، وما ذاك إلّا لأنّ قولهم مسموع، ولأنّ الناس يثقون بهم وبما يقولون؛ وهذا يضاعف المسؤولية الملقاة عليهم للقيام بواجبهم بكافة السبل. وحين تطلُّ الفتنة برأسها يتأكد واجب البيان، ويعظم حق النصيحة، وتصبح الكلمة أمانة واجبة الأداء؛ لأنها قد تُطفئ نارًا إن وضعت في مكانها، والتزم قائلها بالشرع والنهج القويم الذي عليه العلماء الربانيون، وقد تزيدها اشتعالًا إن خالفت الشرع أو جرت وراء العواطف وتلبية رغبات الجمهور.
يضاف إلى ذلك أنّ وقت الفتن تزداد أهمية رجوع الناس إلى العلماء امتثالًا لأمر الله تعالى، القاضي بالرجوع إليهم، وقد جعل الله تعالى الإصلاح بين المؤمنين من لوازم الأخوة الإيمانية، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، وأمر بردّ الباغي إلى الحق مع حفظ أصل الأخوة، فقال: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: 9-10].
وفي الحديث عن اليمن عمومًا، وعن حضرموت خصوصًا، وعن الفتن التي تعصف بالبلد، يبرز دور العلماء كواجب شرعي لإصلاح ذات البين، وتبيان الحق، والإسهام في حفظ الكليات الخمس، وهي: حفظ الدين والنفس والعقل والمال والعِرض، وهي كليات جاءت الشريعة بحراستها، كما قررها الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه (الموافقات). وإن تفشي الفوضى والفتن، وتركها دون أنْ تُحسم يؤدي إلى إفساد الحياة وإهلاك الحرث والنسل.
وأشير هنا إلى أنّ رسالة العلماء في أوقات الاضطراب تقوم على أصل جامع، وهو حماية الدين والأنفس على مستوى الفرد والجماعة من أسباب التنازع، ورد الناس إلى الوحي، وعليهم أداء الواجب في وقته من غير تأخير. وقد قرر القرآن الكريم أنّ الأخوة الإيمانية لا تنفك عن الإصلاح بين الناس، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾، وجعل الإصلاح بين الطائفتين المتنازعتين مقرونًا بالعدل والقسط: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾ [الحجرات: 9-10]. ومن هنا فإنّ تصدّي العلماء للفتنة التي شهدتها حضرموت كان من الواجب الشرعي والاجتماعي لحفظ الدولة التي ببقائها بقاء الدين، وصون المجتمع، وحماية الدماء، وصيانة الأعراض، وحفظ السكينة، وتجنيب البلد مآلات الصراعات التي تدمر كل شيء وتفسد الدين والدنيا. وقد رأينا أثر كلمة العلماء في البيانات التي صدرت عن عدد من أصحاب الفضيلة العلماء في المملكة العربية السعودية واليمن حين اشتدت الفتنة في حضرموت.
ونحن نعيش اليوم في ظل فتن أنتجتها الصراعات الحزبية، التي أسهمت في ذهاب هيبة الدولة، واستغلتها الجماعات المتطرفة والمليشيات المختلفة في مسمياتها الوظيفية في أدوارها، وفي مقدمتها جماعة الحوثي التي تعمل خدمة للمشروع الصفوي.
والفتنة في استعمال القرآن والسنة تدور معانيها على الابتلاء والاختبار، والاضطراب الذي تختلط فيه الأهواء، وتشتبه فيه الطرق، ويتسع فيه أثر الكلمة غير المنضبطة، ولذلك حذر القرآن من التنازع المؤدي إلى ذهاب القوة، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، فإذا كانت الفتنة تمس مجتمعًا له امتداد حضاري وعلمي وتجاري، مثل حضرموت، فإن علاجها يحتاج إلى خطاب علمي رصين، وموقف شرعي منضبط، وتربية عامة على حرمة الدماء ووجوب التثبت حتى لا تتحوَّل الواقعة المحدودة إلى خصومة واسعة.
وعلينا أن نعلم أنّ حضرموت لها مكانة تاريخية، وتاريخ يعرفه العالم في مجالات العلم والتعليم، والهجرة، والدعوة، والتجارة، فقد كانت حواضر حضرموت تضج بمدارس العلم وأربطته، وكان للحضارم حضور واسع في الهجرة إلى سواحل المحيط الهندي وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا، ونقلت دراسات تاريخية حديثة أنّ علماء حضرموت وتجارها كانت لهم آثار مهمة في بناء شبكات دينية واجتماعية، وهذه المكانة تستدعي أن نذكر بأنّ رجال حضرموت الذين عُرفوا بالعلم والصلاح وحسن الجوار أحق الناس بصيانة هذه المعاني عند اشتداد الخلاف وبروز الصراعات، يضاف إلى ذلك أنّ حضرموت عُرفت مؤثِّرة لا مُتأثِّرة.
وحضرموت اليوم واحدة من محافظات اليمن الذي يعيش حالة من الحرب والانقسام، فوجب على العلماء أن يكونوا في مقدمة من يحرسون السلم الأهلي، ويقوموا بدورهم، كما يجب عليهم نشر المفاهيم الصحيحة، وبناء الوعي، والقيام بالدعوة وفق منهج وسطي معتدل.
وأول ما يجب على العلماء تثبيته هو تعظيم حق الإنسان، وعصمة دمه وماله، وقد قرّر القرآن الكريم أنه: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- كما في صحيح مسلم: «كل المسلم على المسلم حرام: دمه وماله وعرضه»، وهذا الأصل ينبغي أن يكون حاضرًا في المنابر، والمجالس، والبيانات، واللقاءات والندوات، والتذكير به في ظل المحن والخلافات، بلغة واضحة جلية، وبأدلته الشرعية، حتى يدرك الناس أنّ الدم المسلم لا يجوز أن يصبح ورقة ضغط، ولا وسيلة انتقام، ولا يشارك الإنسان في أعمال تؤدي إلى إزهاق الأنفس البريئة. وإنّ تعظيم أمر الدماء والتذكير به في زمن الاضطراب والفتن يسهم في حفظها، ويُحدث وعيًا شرعيًّا يمنع استباحة المخالف أو التعدي عليه، ويغلق الطريق على دعاة الثأر والتعبئة العمياء.
ومن واجبات العلماء إصلاح ذات البين، فقد روى أبو داود والترمذي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قوله: «ألَا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى، قال: إصلاح ذات البين؛ فإنّ فساد ذات البين هي الحالقة». وهذا يفرض على العلماء والدعاة والمصلحين أن يكونوا قريبين من الناس، وأن يعرفوا طبائع المجتمع وعاداته وأعرافه، ويلامسوا ذلك في إصلاحه؛ لأن هذا يكسبهم ثقة الناس، أمّا البعد عنهم فيُحدِث قطيعة، ويُضعف الأثر والقبول لما يقولون. وهذا حتَّم على العلماء ألا يغيبوا عن المجتمع، وعليهم استثمار الوسائل العصرية في البقاء على اتصال بالناس أداءً لواجبهم، وحفاظًا على مكانتهم، ولكي يكون لهم أثر صالح.
ومن واجب العلماء كذلك توجيه أصحاب الكلمة من الدعاة والإعلاميين والناشطين إلى ضبط الخطاب بميزان الشرع، وبميزان فقه المآلات والمصالح العامة، فقد قرّر الإمام الشاطبي أنّ النظر في مآلات الأفعال معتبر شرعًا، وأنّ العالم والمفتي يراعي ما يفضي إليه القول والفعل من مصالح ومفاسد. وبناء على هذا الأصل، فإنّ العالم بصورة عامة لا يسترسل في إيراد عبارات ونصوص تستثير العصبيات، ولا يُعمم الحكم على قبيلة أو منطقة أو مكون، ولا يفتح باب التشفي والاتهام، بل عليه بيان الحق بالطرق الشرعية، وكشف الأخطار التي تحدق بالمجتمع متى ظهر له ذلك، وتوافرت الأدلة والشواهد عليه. والكلمة في زمن التوتر قد تصبح سببًا في سفك الدم، وتوسع الفوضى، وتقوية مشاريع الخراب، وقد يكون غيابها عن وقت الحاجة سببًا في سفك الدماء، وذهاب وحدة الصف، وتوسع النزاعات؛ لذلك كانت الأمانة العلمية تقتضي البيان بلا تحريض، والنصيحة بلا شماتة، والإنكار بلا إضرار.
وللشائعة في الفتن خطر بالغ؛ لأنّ الناس إذا فقدوا التثبت اتسعت بينهم الظنون، وقد قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات: 6]، وقال سبحانه في شأن تلقي الأخبار بغير علم: ﴿وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾ [النور: 15]، وفي صحيح مسلم: «كفى بالمرء كذبًا أنْ يُحدث بكل ما سمع»، وعلى العلماء والدعاة أنْ ينقلوا هذا الأصل إلى واقع الناس، ويكشفوا خطر الشائعات وتفشيها اليوم في ظل وسائل التواصل والمنصات الرقمية التي أنتجت كل شيء بلا خطام ولا زمام، ويعرض فيها على مدارِ الساعة ما يثير الفتن، ويُجيِّشُ فيها الأتباع لخدمة أجندات لا تريد خيرًا لليمن وحضرموت. ولهذا على العلماء أن يسهموا في الحدِّ من أثر الشائعات، وأن يكون لهم حضور في هذه المنصات العصرية؛ لأنّ كلامهم مسموع وسيحدثون أثرًا، وأنّ غيابهم عنها يفسح الطريق أمام حملة الشائعات ومثيري الفتن، وعليهم أن يبينوا أنّ إعادة نشر الخبر من غير تثبت مشاركة في أثره.
ومن الحكمة أن تصدر عن العلماء رسائل قصيرة موثّقة عند حلول الأحداث، تُذكّر بحرمة التهييج، وتدعو إلى انتظار البيان الصحيح، وتعين الناس على التوقف قبل النشر، وعلى العمل على إصلاح الدولة، والحفاظ على هيبتها التي هي حصن المجتمعات، والتجارب التي نمر بها من ضعف الدولة وفقدان هيبتها خير شاهد.
ومن تمام الإصلاح ربط التهدئة بالعدل؛ فالشرع لم يأمر بصلح يطوي المظالم ويترك الحقوق، بل قال تعالى: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ﴾ [الحجرات: 9]، والعدل يقتضي رد الحقوق، وجبر الضرر، ومنع الاعتداء، وإتاحة مسارات القضاء والتحكيم، وصيانة كرامة المتضررين. ومن هنا وجب أنْ يكون بيان العالم دقيقًا: ينهى عن العنف، ويطالب برد الحقوق، ويحفظ هيبة القضاء، ويرعى مشاعر الضحايا، ويمنع تحويل المظلومية إلى ذريعة للعدوان.
ومن الوسائل العملية المقترحة ليقوم العلماء بدور موحد ويكون لها أثر، إنشاء مجلس علمائي موثوق في حضرموت، يضم العلماء والدعاة من مختلف المكونات، وتكون له مهام محددة: إصدار بيانات شرعية موحدة عند الأزمات، وتشكيل لجان وساطة ميدانية، والتواصل مع السلطات المحلية والقيادات القبلية والمجتمعية، ورصد الشائعات المؤثرة، والتحذير منها، وإعداد ميثاق شرف للمنابر والخطاب العام، يقرر حرمة التحريض بجميع أشكاله، ووجوب التثبت، ومنع تعميم التهمة، وتقديم لغة الشرع والقانون على لغة الثأر. وتزداد الحاجة إلى هذا لأنّ الخطاب المتفرق قد يضعف أثر العلماء، أو يجعل كل عالم يحجم عن القيام بدوره لاعتبارات يراها، أمّا البيان المشترك فيدل الناس على وحدة المرجعية الشرعية وقت الاضطراب.
وإذا قام العلماء بهذه المسؤولية حفظوا للناس دماءهم، وأعراضهم، وأموالهم وحفظوا لحضرموت إرثها العلمي والاجتماعي، وجعلوا من الكلمة الصادقة حصنًا يحول دون تفشي الفتن، والناس في زمن الفتن أحوج ما يكونون إلى عالم ناصح، قريب منهم، عارف بأحوالهم.