المنبر اليمني
الطريق بين حقوق الإسلام وانتهاك الميليشيات
مقالات

الطريق بين حقوق الإسلام وانتهاك الميليشيات

عمار بن ناشر العريقي

عمار بن ناشر العريقي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

24 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

يُعدّ حقّ الطريق من أعظم الحقوق العامة التي قررتها الشريعة الإسلامية، لما له من صلة مباشرة بحياة الناس اليومية ومعايشهم؛ إذ لا تستقيم شؤونهم إلا بوجود طرقٍ آمنةٍ ميسّرةٍ تُمكّنهم من التنقل وقضاء مصالحهم. ومن هنا جاءت عناية الإسلام به عنايةً بالغة، تجمع بين تهذيب السلوك الفردي ووضع الضوابط العامة التي تمنع الاعتداء عليه أو تعطيله.

أولًا: مفهوم حق الطريق في الإسلام
حق الطريق هو ما يجب للمارة وسالكي الطرق من الأمان، وعدم الأذى، وتمكينهم من الانتفاع المشروع بالطريق دون تضييق أو تعدٍّ. ويشمل ذلك صيانته من كل ما يؤذي الناس أو يعطل مصالحهم أو يضر بها كليًّا أو جزئيًّا. وقد ربطت الشريعة بين الإيمان والسلوك في الطريق، فجعلت إزالة الأذى عنه من شعب الإيمان، كما في قوله ﷺ: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة»؛ مما يدل على أن التعامل مع الطريق عبادةٌ يتقرب بها المسلم إلى الله.
ثانيًا: آداب الطريق في الإسلام
بيّن النبي ﷺ جملة من الآداب التي تضبط سلوك المسلم في الطريق، ومن أهمها: غضّ البصر، وكفّ الأذى، وردّ السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ففي غضّ البصر صيانة للأعراض وحماية للمجتمع من الفتنة. ويعدُّ كفّ الأذى أصلًا جامعًا يشمل كلَّ ما يؤذي الناس ماديًا أو معنويًا. وفي ردّ السلام نشر للمحبة والألفة بين الناس ومنح متلقيه إشعار بالسلامة من جهة ملقيه. ويسهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في ضبط السلوك العام في الطريق وإصلاح الانحرافات أو التجاوزات والمخالفات.
يضاف إلى تلك الآداب التواضع في المشي، وإفساح الطريق، وعدم الوقوف في وسطه أو في مكانه يؤدي إلى تعطيل حركة الناس، واحترام الأنظمة والتشريعات التي تحقق السلامة العامة.
ثالثًا: حرمة قطع الطريق (الحرابة)
قطع الطريق يعدُّ من أعظم الجرائم في الإسلام؛ لأن فيه إخافة الناس وإقلاق سكينتهم، وتعطيل مصالحهم، وسلب أموالهم. وقد شددت الشريعة في عقوبته، ووردت بذلك النصوص، ومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ…﴾؛ مما يدلُّ على خطورته. ولا يقتصر مفهوم قطع الطريق على السلب المسلح، بل يشمل كل صور التعدِّي التي تؤدي إلى إخافة الناس أو منعهم من الانتفاع الآمن بالطريق أو ابتزازهم ماليًّا، أو اتخاذها للتربص بالناس واختطافهم.
رابعًا: حكم وضع الحواجز والنقاط في الطرق
الأصل أن الطرق العامة ملكٌ مشترك للناس، ولا يجوز التصرف فيها بما يضرهم إلا بإذن جهةٍ مخولةٍ شرعًا تحقق المصلحة العامة. وعليه، فإن وضع الحواجز أو نقاط التفتيش لا يكون مشروعًا إلا إذا صدر عن سلطةٍ مسؤولةٍ تراعي الأمن، وتمنع الفوضى، مع الالتزام بالعدل وعدم الإضرار بالناس.
أما إقامة الحواجز خارج إطار السلطة النظامية - كما تفعل الجماعات الإرهابية ومنها جامعة الحوثي- خاصة إذا ترتب عليها تعطيل مصالح الناس أو إذلالهم أو ابتزازهم، فهي تعدٍّ صريح على حق الطريق، وتدخل في باب الظلم والإفساد.
خامسًا: الطرقات والجبايات غير المشروعة
الأصل في أموال الناس الحرمة، فلا يجوز أخذها إلا بحق. وقد شددت الشريعة على حرمة أخذ الأموال بغير حق شرعي وجاء الوعيد الشديد في ذلك، لما فيه من ظلم الناس وأكل أموالهم بالباطل، وإشاعة الفساد الاقتصادي والاجتماعي. وكفلت الشريعة للفرد الدفاع عن ماله، ومن صور الجبايات التي تفشت في مناطق سيطرة جماعة الحوثي نصب نقاط للجباية بين المدن وعلى الطرقات العامة لأخذ أموال الناس بمسميات كثيرة، وقد تسبب بمضاعفة معاناة الناس.
سادسًا: حجز الناس ومضايقتهم في الطرق
من صور الاعتداء على حق الطريق تأخير الناس لأيام وساعات طويلة دون مبرر في ظل انعدام كافة الخدمات الضرورية، أو مضايقتهم في تنقلهم، أو تفتيشهم بغير سبب معتبر، أو معاملتهم بإهانة وغلظة. وهذا ينافي مقاصد الشريعة التي جاءت برفع الحرج والتيسير على الناس، وحفظ كرامتهم. وقد قال تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾، ومن مقتضى ذلك تسهيل السير في الطرق وعدم تعطيل مصالح الناس. يضاف إلى ذلك أن التأخير قد يضر بممتلكات الناس ويؤدي إلى إتلافها أو فسادها أو فوات مصالح الناس.
سابعًا: تطبيق ذلك على واقع الجماعات الخارجة عن السلطة
إذا قامت جماعات غير خاضعة لسلطةٍ شرعية بوضع نقاط تفتيش أو فرض جبايات أو تعطيل الطرق، فإن فعلها يشتمل على عدة مخالفات شرعية، منها:
الاعتداء على حق الطريق.
ترويع الناس وإخافتهم.
أكل أموالهم بالباطل.
إحداث الفوضى ومنازعة السلطة.
وقد يصل هذا الفعل إلى حد الحرابة إذا اقترن بالإكراه أو السلاح أو سلب الأموال، لما فيه من إفساد في الأرض وتعريض الناس للخطر.
ثامنًا: مقاصد الشريعة في حفظ الطريق
تسعى الشريعة من خلال هذه الأحكام إلى تحقيق مقاصد عظيمة، منها:
تحقيق الأمن العام.
تيسير مصالح الناس.
حفظ الكرامة الإنسانية.
منع الظلم والاعتداء.
فالطريق في الإسلام مرفق عام يجب أن يُصان، لا أن يكون وسيلة للإذلال أو الاستغلال.

الطرقات والحِرابة الحوثية
ما تنتهجه مليشيات الحوثية في الطرقات يعدُّ من أعظم صور الفساد في الأرض، ويشمل ذلك أكل أموال الناس بالباطل، وأخذ الرشوة والضرائب والجبايات، إضافة إلى اختطاف واعتقال واغتيال معارضيهم بغير حق شرعي ولا قانوني ولا أخلاقي وإنساني.
وقد تجاوزت ممارساتهم القيم الدينية والأعراف المجتمعية والقوانين الدولية، وتجرّؤوا على الأطفال انتهاك الأطفال في طرقاتهم وبالغوا في تفتيش النساء والرجال وكبار السن والمرضى، وتسببوا في تأخير الناس أو منع وصولهم إلى مصالحهم في القرى والأرياف والمدن وذلك باستحداث نقاط تفتيش عسكرية كثيرة متقاربة وبصورة همجية، لا مصلحة فيها إلا إذلال وإرهاب من لم يخضع لفكرهم السُّلالي ونهجهم الميليشاوي. وكل هذه التجاوزات الخطيرة هي عبارة عن صورة من صور الجرائم التي قامت بها هذه المليشيات منذ أن أطلعت برأسها، وهي أفعال منافية لما جاءت الشريعة الإسلامية به وكفلته للفرد من حقوق، ومنها حفظ الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والمال، والعِرض. ومن تمام حفظ هذه الضروريات العناية بالحقوق العامة التي يشترك فيها الناس، ومن أبرزها حق الطريق؛ إذ هو مرفق عام تقوم عليه حياة الناس ومعايشهم، وتترتب عليه مصالح السفر والتجارة والتنقل، بل وأمن المجتمعات واستقرارها. وقد اعتنى الإسلام بهذا الحق عناية ظاهرة، فجمع بين تقرير الآداب الفردية، ووضع الضوابط العامة التي تمنع الاعتداء عليه أو تعطيله.
إن قيام المليشيات المسلحة بقطع الطرقات الرئيسة، كما هو الحال في كثير من مناطق اليمن ومدنه، هو إفساد في الأرض وانتهاك لحق المسلم في الأمن، لما يترتب على ذلك من التسبب في إزهاق النفوس المعصومة، ودفع المسافرين إلى البحث عن طرق بديلة قد تكون وعرة وغير آمنة؛ مما يؤدي إلى حوادث سير مروعة يروح ضحيتها الآلاف من المدنيين، وهذا يدخل في باب التسبب في القتل. يضاف إلى ذلك أن قطع الطرق يؤدي إلى عرقلة وصول المواد الغذائية والطبية، وارتفاع تكاليف النقل، مما يثقل كاهل المواطن المنهك أصلًا، وقد ورد في الحديث (كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوت). ومن آثار هذه السلوكيات الخطيرة أنها تمنع صلة الأرحام وتفرق بين العائلات، والله عز وجل قد توعد قاطع الرحم باللعنة والعمى، فكيف بمن تسبب في قطيعة أمة كاملة، وحال بين الفرد وأسرته لسنوات، إضافة إلى أن انتهاك الحوثي للطرقات وقطعها أدى إلى منع المرضى من العلاج وألحق بهم أضرارًا فادحة، وكثير من الحالات الحرجة تفارق الحياة عند المعابر أو في الطرق البديلة الطويلة، وهذا من أعظم الظلم وصور إهلاك الحرث والنسل.
من يتحمل المسؤولية؟
إن كل من ساهم في إغلاق طريق أو عرقلة مرور الناس، سواء بالأمر أو التنفيذ أو التبرير، فهو شريك في كل دم يُسفك، وكل نفس تزهق، وكل معاناة يتجرعها عابر سبيل. وإن فك الحصار عن الشعب اليمني من قبل مسلحي الطرقات الخارجين عن مؤسسات الشرعية وفتح الطرقات هو واجب شرعي وإنساني عاجل، لا يجوز المماطلة فيه أو استخدامه ورقة للمساومة.
الدولة وحدها من لها حق الطاعة بعد الله
إن الشريعة الإسلامية قرنت طاعة الله ورسوله بطاعة أولي الأمر في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ}. ومن مقتضيات هذه الطاعة الالتزام بالقوانين المنظمة لحياة الناس، وفي مقدمتها حماية الطرقات وتأمينها وتنظيم السير فيها.
كما إن قطع الطرقات والخروج على مؤسسات الدولة الرسمية هو خروج عن الجماعة، وباب عظيم من أبواب الفتنة. فالأصل هو تسهيل حركة الناس وتيسير شؤونهم بواسطة مؤسسات الدولة الشرعية التي تقع على عاتقها مسؤولية الأمن والخدمات.
ولا يجوز شرعًا لأي جهة أو ميليشيا بأي اسم كانت أن تحلَّ محلَّ الدولة في فرض جبايات أو إغلاق منافذ وطرقات؛ فذلك افتئات على السلطة الشرعية وتضييق محرم على عباد الله، وقد قال النبي ﷺ: «اللهم مَنْ وَلِيَ من أمر أمتي شيئاً فَشَقَّ عليهم فاشقُقْ عليه». وكل ما يؤذي المارة في طرقاته يزال شجرًّا أو بشرًا، وتلك مسؤولية الدولة التي يجب الانقياد لها.
واجب العلماء والدعاة
لا تقتصر المسؤولية على الجانب الأمني فحسب، بل هي مسؤولية تضامنية تشمل كافة فئات المجتمع، وعلى العلماء والدعاة تبيان الحق والصدع به، وتوعية الناس بحرمة دماء المسلمين وأموالهم وأعراضهم التي تُنتهك عند قطع الطرق. 
وإن صمت العلماء عن بيان حكم الحرابة والافتئات على الدولة يسهم في تمادي المفسدين وتكاثرهم وتوسع شرهم؛ ولهذا يجب توجيه المنابر لتعزيز قيم السكينة العامة والإعلاء من المسؤولية الفردية، والحث على التعاون مع مؤسسات الدولة لفتح الطرقات، والتحذير من مغبة مساندة المليشيات التي تجعل من معاناة الناس ورقة تفاوض ومصدرًا للتكسّب الحرام والجبايات التي تزيد من حصار وتجويع وإفقار اليمنيين.
واجب المجتمع
على الوجهاء والأعيان والقبائل والنشطاء القيام بدورهم في الضغط المجتمعي لرفض هذه الممارسات، وتغليب المصلحة العامة لليمنيين على المصالح الضيقة؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا. إن تسهيل حركة الناس وفتح الطرقات عبادة نتقرب بها إلى الله، وإن إعاقة السبيل وإخافة المارين هو معصية كبرى وفساد عريض، والواجب العودة إلى كنف الدولة ومؤسساتها لبناء يمن آمن ومستقر.

شارك هذا المقال
عمار بن ناشر العريقي

عمار بن ناشر العريقي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

سامي الكافسامي الكاف23 أغسطس 2026
ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026