إن الاستجابة لله لا تعني الانصياع الأعمى لقائد الجماعة، والجهاد حكم شرعي منضبط وليس أداة للتعبئة، ونصرة فلسطين قضية مستقلة لا يجوز احتكارها أو اتخاذها ذريعة لإضفاء المشروعية على صراعات سياسية أخرى تخدم أجندات خارجية ضد المملكة العربية السعودية.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
تابعنا ما صدر عن الجهات المنظمة لفعاليات الجماعة الحوثية من دعوة للمسيرات المقررة يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، وما تضمنه الخطاب من ربط المشاركة فيها بـ"الاستجابة لله والجهاد في سبيله وتلبية دعوة قائد الجماعة"، وخلط نصرة فلسطين بمواجهة المملكة العربية السعودية. وإبراءً للذمة وبياناً للحق، نوضح المغالطات الشرعية في هذا الخطاب عبر النقاط الآتية:
• أولاً: الاستجابة لله باتباع شرعه لا الأشخاص: إن الاستجابة المطلقة لا تكون إلا لله ولرسوله ﷺ، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]. ولا تكتسب توجيهات أي قائد سياسي أو مذهبي قداسة دينية، بل تُعرض أحكامهم على الكتاب والسنة لبيان مشروعيتها.
• ثانياً: طاعة القادة مقيدة بالمعروف لا مطلقة: الطاعة المطلقة مخصصة لله ورسوله، أما طاعة من سواهما فمقيدة بموافقة الشريعة؛ لقول النبي ﷺ: «إنما الطاعة في المعروف» (متفق عليه). وإن رفع القرارات الحزبية إلى رتبة الواجبات الدينية، وجعل الولاء للأشخاص معياراً للتدين، هو انحراف فكري وغلو مرفوض.
• ثالثاً: الجهاد مفهوم شرعي محكم وليس شعاراً سياسياً: الجهاد له ضوابطه وأركانه الشرعية، ولا يجوز إطلاقه على المسيرات والأنشطة التعبوية لحشد الأتباع. ونصرة المظلومين مقصد حسن، لكن مشروعية الغاية لا تبرر الوسائل المنحرفة، وقد قال تعالى: ﴿وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [البقرة: 190].
• رابعاً: كشف الخلط بين نصرة فلسطين والصراع السياسي: إن نصرة الشعب الفلسطيني قضية إسلامية جامعة وعادلة، ولا تستلزم تبني المواقف العسكرية للجماعة الحوثية. والجمع بين نصرة فلسطين ومعاداة المملكة العربية السعودية في شعار واحد هو استغلال للقضايا الكبرى لتصفية حسابات سياسية تخدم الدولة الرافضية إيران، ولا يحول مواجهة المملكة العربية السعودية إلى واجب شرعي حقيقي، بل هو تمويه وزيف وضحك على أتباعه غير المتعلمين والمثقفين والعارفين بحقيقة الحوثي؛ ودليل ذلك أنه لما دخل باب المندب ذكروا على لسان ناطقهم الرسمي أن جميع السفن بما في ذلك سفن أمريكا وإسرائيل غير محاصرة ولم يستثن إلا محاصرة سفن المملكة العربية السعودية، فأين نصرته الحقيقية لأهل غزة؟
• خامساً: خطورة احتكار المشروعية الدينية وتخوين المخالفين: تُستمد المشروعية من الأدلة المعتبرة لا من الانتماء الحزبي. وإن محاولة تقسيم المجتمع إلى (طائعين لله) و(متخاذلين) بناءً على الموقف من أنشطة الجماعة هو مسلك خطير؛ فعدم المشاركة في مسيرة سياسية ليس ذنباً ولا دليلاً على التقصير في الدين.
الخلاصة:
إن الاستجابة لله لا تعني الانصياع الأعمى لقائد الجماعة، والجهاد حكم شرعي منضبط وليس أداة للتعبئة، ونصرة فلسطين قضية مستقلة لا يجوز احتكارها أو اتخاذها ذريعة لإضفاء المشروعية على صراعات سياسية أخرى تخدم أجندات خارجية ضد المملكة العربية السعودية.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
د فهمي محمد حيدرة
عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





