المنبر اليمني
من 26 سبتمبر إلى 21 سبتمبر.. حين حاولت الإمامة أن تعود من بوابة الجمهورية
مقالات

من 26 سبتمبر إلى 21 سبتمبر.. حين حاولت الإمامة أن تعود من بوابة الجمهورية

هاني كُرد

هاني كُرد

كاتب وباحث

22 سبتمبر 2026٠ قراءة
حجم الخط

هناك تواريخ لا تكون مجرد أرقام في التقويم، بل محطات فاصلة في ذاكرة الشعوب.... في التاريخ اليمني الحديث يقف تاريخان متقابلان ألا وهما: _26 سبتمبر 1962، يوم الثورة على الحكم الإمامي وقيام الجمهورية.


_و21 سبتمبر 2014، اليوم الذي ارتبط بسقوط صنعاء والانقلاب على الدولة  وتراجع سلطتها  لصالح مليشيات الحوثي 
وبين التاريخين حكاية وطن حاول أن يخرج من الماضي، فإذا بالماضي يعود إليه بثوب جديد!...
لم تكن ثورة 26 سبتمبر مجرد تغيير في رأس السلطة، بل لحظة عبّر فيها اليمنيون عن رغبتهم في الخروج من نظام ارتبط في الذاكرة اليمنية بالاستبداد والظلم والقهر واحتكار السلطة.
وبعد الثورة اتسع التعليم، وانتشرت المدارس، وتطورت مؤسسات الدولة والإعلام، وأصبح التعليم متاحا لشرائح أوسع من أبناء اليمن.
فحين يتعلم الإنسان يعرف حقه، وحين يعرف حقه يصعب استعباده...!
لكن التاريخ لا يعيد نفسه دائما بالصورة ذاتها. قد لا تعود الأسماء والرايات القديمة، لكن بعض الأفكار قد تعود بشعارات جديدة.
فالمشكلة ليست في الاسم وحده، بل في أي مشروع يمنح فئة معينة حقا استثنائيا في السلطة، ويجعل بقية المجتمع تابعا له!...
عندما سيطر الحوثيون وحلفاؤهم على صنعاء في سبتمبر 2014، لم يكن الأمر مجرد تغيير حكومة، بل بداية مرحلة تراجعت فيها مؤسسات الدولة، واتسعت سلطة السلاح، وتعَمقت الانقسامات، ثم انزلقت البلاد إلى حرب واسعة.
والسيطرة على الأرض ليست وحدها الخطر؛ فهناك معركة أخرى على الوعي والذاكرة، من خلال إعادة تقديم التاريخ وصناعة خطاب يجعل الجماعة صاحبة الحق الحصري في تمثيل الدين والوطن.
ومن هنا يصبح السؤال:
أي يمن نريد؟
يمن خرج من الإمامة إلى الجمهورية؟ أم يمن يعود إلى منطق السلطة القائمة على السلالة أو الجماعة أو الحق الحصري في الحكم؟
إن الدفاع عن ذاكرة 26 سبتمبر لا يعني الدفاع عن كل الحكومات أو الشخصيات التي جاءت بعدها، بل الدفاع عن حق اليمنيين في الجمهورية والمواطنة والتعليم والحرية!!...
فمن أكثر صور المأساة اليمنية أن أبناء الفقراء والقبائل والمناطق المهمشة وجدوا أنفسهم في مقدمة صفوف القتال، يُستقطب بعضهم بالشعار وتستغل حاجة الفقير  بالمال أو  الخوف من بطش المليشيات السلالة ، ثم يُدفع إلى الجبهة.
يموت الشاب، وتبقى أسرته تواجه الفقر والفقدان، بينما تعيش فئات مرتبطة بمراكز القوة في ظروف أفضل...
فمن يدفع الثمن الحقيقي للحرب؟
صاحب القرار أم ابن القرية؟ المتنفذ أم الأم التي تنتظر ابنها؟ صاحب المشروع السلالي أم الشاب الذي أقنعوه بأن حياته رخيصة أمام شعاراتهم؟
لا يمكن بناء وطن عادل بينما يدفع المواطن البسيط ثمن صراعات لا يملك قرارها!..
قد تكون الحرب والفقر من أقسى مآسي اليمن، لكن الأخطر أن يُسرق وعي الإنسان؛ أن يُقال له إن الفقر قدر، وإن الطاعة للجماعة مقدمة على الدولة، لأنها طاعة لله، وإن الدم اليمني رخيص في سبيل المشروع.
ومن المؤسف أن بعض أبناء المجتمع انخرطوا في المشروع الحوثي لأسباب مختلفة: الترهيب، المال، النفوذ، الدعاية، أو الخصومة السياسية.
لكن الوقوف ضد خصم سياسي لا يعني بالضرورة الوقوف مع الوطن، وتحويل الخصومة السياسية إلى تحالف مع مشروع سلالي مسلح قد تكون كلفته أكبر من الخصومة نفسها.
أيها اليمنيون..
لا تجعلوا أبناءكم وقودا لمشاريع لا تملكون قرارها.
لا تجعلوا ابن القبيلة يموت من أجل ثراء من يدعي ان الله اختاره ليحكمك ، ولا تجعلوا الفقير يدفع حياته ثمنا لمشروع لا يعرف نهايته، ولا تجعلوا السياسة والمذهب والمنطقة سببا لاقتتال أبناء الوطن الواحد!...
اليمن أكبر من الجماعات والأحزاب والأشخاص، وأكبر من كل مشروع يريد احتكاره لنفسه.
وقد يختلف اليمنيون حول الحكومات التي جاءت بعد الثورة وأخطائها، وهذا حق طبيعي، لكن نقد أخطاء الجمهورية لا ينبغي أن يتحول إلى رفض الجمهورية نفسها.
وفي الوقت ذاته، فإن رفض الحوثيين لا يعني كراهية أي يمني بسبب نسبه أو منطقته. نحن نختلف مع مشروع  سلالي ، لا مع أصل بشري.
قد تسيطر القوة على مدينة، وقد تفرض جماعة شعاراتها في الشوارع، لكنها لا تستطيع بسهولة محو ذاكرة شعب عاش التحول من الإمامة إلى الجمهورية.
سيبقى 26 سبتمبر حاضرا في الذاكرة اليمنية باعتباره يوما ارتبط بالخروج من الحكم الإمامي وبداية الجمهورية.
وسيظل 21 سبتمبر شاهدا على مرحلة دخل فيها اليمن منعطفا خطيرا، تراجعت فيه مؤسسات الدولة واتسعت الحرب والانقسام.
قد يطول الليل، لكن اليمن ليس مشروع جماعة.
اليمن وطن شعب، ومستقبله لا ينبغي أن يقرر بالاستقواء بالسلاح، ولا بالنسب، ولا بالولاءات الضيقة، بل بدولة يتساوى فيها الجميع أمام القانون، ويحصل فيها الطفل على التعليم، والشاب على العمل، والمواطن على الأمن والكرامة.
26 سبتمبر لم يكن مجرد يوم في التقويم؛ كان صرخة اليمني ضد الاستعباد والجهل.
و21 سبتمبر ليس نهاية التاريخ؛ بل صفحة من صفحات تاريخ اليمن، ستبقى شاهدة على مرحلة قاسية، وسيستخلص منها اليمنيون دروسهم.
أما اليمن، فسيبقى.
وسيظل أبناؤه أصحاب الحق في تقرير مستقبله.
رحم الله شهداء اليمن، وحفظ شعبه، ورد إليه دولته وأمنه وسلامه، وفتح أمام أبنائه طريق العلم والحرية والكرامة.
فلا 21 سبتمبر يستطيع أن يمحو 26 سبتمبر، ولا مشروع مسلح يستطيع أن يلغي ذاكرة شعب.
شارك هذا المقال
هاني كُرد

هاني كُرد

كاتب وباحث

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة