المنبر اليمني
العلامة مرشد الشهاب هِمَّةٌ تُناطح السحاب
معالم وأعلام

العلامة مرشد الشهاب هِمَّةٌ تُناطح السحاب

د.عبدالله بن غالب الحميري

د.عبدالله بن غالب الحميري

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

19 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

من أعيان فقهاء محافظة إب، ولد عام 1356هجرية الموافق 1937 ميلادية في قرية الدرب -عزلة جبل عقد - مديرية المخادر -محافظة إب - من الجمهورية اليمنية - في أواخر عهد الدولة القاسمية الزيدية، وولاية الـإمام يحيى حميد الدين.

هو فضيلة الشيخ العلامة الفقيه الأصولي الفرضي أبو يحيى مرشد بن عبد الله بن ناصر الشهاب. 

من أعيان فقهاء محافظة إب، ولد عام 1356هجرية الموافق 1937 ميلادية في قرية الدرب -عزلة جبل عقد - مديرية المخادر -محافظة إب - من الجمهورية اليمنية - في أواخر عهد الدولة القاسمية الزيدية، وولاية الـإمام يحيى حميد الدين.

ترجمة هذا الحبر لا تتسع لها هذه الأسطر المختصرة، وإنما هي نبذة تعريفية بفضيلته.

بدأ الشيخ رحلته المباركة في طلب العلم من كُـتَّاب القرية على يد عمه ثابت بن ناصر الشهاب، فختم على يديه القرآن الكرام، وحفظ مجموعة من المتون المهمة في مقدمات العلوم، كالفقه، والفرائض، والنحو وغيرها، ثم التحق بمدرسة جبلة العامرة بالعلم والعلماء، بشفاعة القاضي محمد بن عبدالله الإرياني، وفيها تلقى العلم من كوكبة مباركة من الفقهاء، وتتلمذ عليهم على فترات متقطعة، حيث إن الشيخ كان يبقى في جبلة ستة أشهر إلى سبعة ثم يعود إلى قريته في جبل سمارة لمساعدة والديه في شؤونهم الحياتية القاسية، ثم يعود إلى رباطه العلمي للمواصلة.

 وقد وهبه الله حافظة نادرة، فسلك في دراسته على شيوخ جبلة طريقة تدلُّ على عقل وعزم وثاب، وهمة تناطح السحاب؛ إذ كان يقرأ الكتاب الواحد مجزّءًا على أكثر من شيخ، على خلاف العادة المعروفة في دراسة الطلاب! فشيخ يقرأ عليه في الطهارة والعبادات، وآخر يقرأ عليه في البيوع والمعاملات، وثالث في الأنكحة، ورابع في الحدود والجنايات؛ وخامس في المواريث؛ 

وبذلك ينهي الكتاب الواحد في فترة قياسية!

 وكان يعلل ذلك لشيوخه بأنه لا يستطيع البقاء في المدرسة سوى أشهر معدودات، ثم يعود إلى قريته للقيام بشأن أسرته. وكانت مدت بقاء الشيخ في مدرسة جبلة العامرة أربع سنوات تخللها انقطاع فترات، درس خلالها مجموعة من الفنون العلمية، كالفقه، والفرائض، والحديث، والنحو، وغيرها.

 

بساطة الشيخ وتواضعه وزهده وتقلله من الدنيا:

عرف عن الشيخ الشهاب بساطته وقلة كلفته في ملبسه ومأكله وسائر عيشه، فهو يعيش كواحد من أفراد قريته، يعمل في إصلاح أرضه ومساعدة أهله، وليس له مصدر رزق سوى ما يحصل عليه من عمل يده. 

أما تواضعه فهو كجلّ علماء اليمن، شخص اجتماعي مغمور، عليه حلة الزهد والتواضع والوقار، يكره التكلّف وحب الظهور، سهل العشرة، طيب النفس، حسن المفاكهة، هينٌ ليّن، وأليف مألوف، وقدوة للناس في الخير؛ لم تنجب مديرية المخادر مثله في علمه وفضله وجميل سيرته ونقاء سريرته ربما منذ قرون عدة.

 

بداية لقائنا بالشيخ وانتفاعنا بعلمه

بعدما تأسس مركز الإمام الذهبي في منطقة الدليل عام ١٩٩٢م بدأ طلابه في الانتشار، واتسعت دائرة أثره وتأثيره في المنطقة، وكان الخروج الدعوي الأسبوعي المشتمل على خطب الجمعة والمحاضرات من أهم نشاطاته النافعة. ومن هذه الزيارات المباركة للقرى تم التعرف على هذا الكنز الثمين والجوهرة المكنونة، فتشرفنا بزيارة فضيلته، ثم تكررت الزيارات، وبعدها أُقنع الشيخ بالتدريس في المركز، على أن يتولى المركز توفير وسيلة النقل له من وإلى منزله؛ كونه لا يملك أي وسيلة نقل خاصة به، وإنما يتنقل مع الماشي منذ عرف نفسه!

وبقدر تعلقنا الشديد بعد ذلك بدروس الشيخ وانتفاعنا بها بقدر ما كان تعلّق الشيخ نفسه بطلابه الذين أحبوه وأحبهم، وشعوره بالنشوة والسرور لنشر علمه وعثوره بعد فترة من عمره على بيئة مهيأة للبذل والغرس والاستفادة؛ وكأنَّ الشيخ -رحمه الله- وجد بذلك ضالته المنشودة؛ فأظهر اغتباطه بها، وكان كثيرًا ما يردد: "جزاكمُ الله خيرًا، لقد أحييتموني بعد أن كنت ميتا، فالفضل لكم وليس لي".

وظل الشيخ، على الرغم من تقدُّم سنه، يؤدّي دروسه بهمة وعزيمة تقصر عنها همم الشباب. وأظن أنه ابتدأ التدريس معنا في ملتقى شباب الفرقان في الدليل الأعلى عام٢٠١٠م، واستمر على ذلك أربعة أعوام حتى تحوَّلت دروسه إلى مبنى المركز في الدليل الأسفل، وفيه استمرت دروسه حتى توفاه الله نهاية عام ٢٠٢٥م.

وفي أثناء ذلك طُلب الشيخ للتدريس في مركز الإمام الشوكاني الواقع في رأس (منطقة مشورة من مدينه إب)، حتى لا يحرم من علمه هذا المحضن العلم، فاستجاب لذلك على الرغم من بعد مسافته، إلا أنه حظي منه بعامين متواصلين، وهما عاما ١٤٣١ و١٤٣٢ هـ ظل خلالهما يوزع وقته بين المركزين، درّس فيه كتاب المنهاج للإمام النووي، ابتداء من كتاب العبادات حتى كتاب الصلح، ثم تعب الشيخ لبعد المسافة، فتركه وانقطع للذهبي لقربه من قريته.

ثلاثة عقود متواصلة قضاها الشيخ في التدريس، لا يكل ولا يمل ولا يعرف التوقف والانقطاع إلا فيما ندر. درس خلالها جلّ ما يتعلَّق بفني الفرائض والفقه في مذهب الشافعية، إضافة إلى مجموعة من كتب الإمام الشوكاني، وغيرها.

وقد منّ اللهُ عليّ بإدراك سنوات تدريسه الأولى، فأخذت عليه شرح الرحبية، وكتاب الرائد في علم الفرائض، وكتاب متن الغاية والتقريب في شرح الزبد، وشرح الدرر البهية، وانتفعت بذلك مع بقية من كانوا معي انتفاعًا عظيما؛ فجزاه الله عنا خير الجزاء وأوفاه.

وقد ختم الله لشيخنا حياته المباركة الحافلة بالعلم والجد والمثابرة في الذهبي الذي أحبَّه كثيرًا، وكان آخر درس له فيه بعد صلاة العصر من آخر شهر ربيع الثاني، حيث تعرَّض لجلطة دماغية منعته من التكلم، وأسعف على إثرها إلى المستشفى في إب، ثم إلى صنعاء، ودخل في غيبوبة قرابة الأسبوعين. ومن الذهبي لم يعد إلى منزله وقريته إلا محمولًا على الأعناق.

وكانت وفاته -رحمه الله- في العاصمة صنعاء، التاسع من شهر جمادى الأولى ١٤٤٧هـ الموافق ٩ / ١١ ٢٠٢٥م.

 

شارك هذا المقال
د.عبدالله بن غالب الحميري

د.عبدالله بن غالب الحميري

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة
معالم وأعلام

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة

حين تقترب نار الفتن والأفكار المتطرفة من الأوطان تحتاج إلى شخصيات استثنائية تطفئها، وتنصر الحق، وتكشف الزيف، وتعري الباطل وتتصدى له، وتُنير الطريق بنور الهدى، وتزرع الأمل في نفوس الناس، وتصدع بالحق. تحتاج إلى قادة يتصدرون للدفاع عن أرضها وهويتها، رجال صادقين في تضحياتهم ومواقفهم.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 أغسطس 2026
قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها
معالم وأعلام

قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها

نتيجة لاهتمام بعض حكام حضرموت ومشايخها، والأغنياء من التجار الحضارم والمهاجرين منهم بالبناء والمعمار اتَّجه كثير منهم إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم بتعمير البيوت المتقاربة ذات الطوابق المتعددة، والقصور المنفردة والمتميزة بأشكالها الفنية والمعمارية الجميلة والمحاطة بالحدائق الغناء، معتمدين في بنائها على مادة الطين المقاوم لعوامل التعرية وللظواهر البيئية الصعبة.

د طه حسين هديلد طه حسين هديل24 يوليو 2026
العلامة العمراني..  جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع
معالم وأعلام

العلامة العمراني.. جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع

من يتأمَّل الجهود العلمية المتعددة للقاضي محمد بن إسماعيل العمراني -رحمه الله- ويطلع على علمه الغزير، وثقافته الموسوعية، وإجماع عموم أبناء اليمن عليه، والقبول الذي يحظى به، وكثرة طلابه من اليمنيين ومن غيرهم من العالم الإسلامي، يلاحظ أنه مقل في التأليف.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 يوليو 2026