المنبر اليمني
مساندة الدولة.. واجب ديني ووطني
مقالات

مساندة الدولة.. واجب ديني ووطني

ا

الشيخ د. عبدالله بن مرعي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

22 أغسطس 2026٠ قراءة
حجم الخط

إنّ من حكمة الله تعالى ابتلاء بعض المجتمعات بأنواع النوازل والأزمات التي فيها من الخير ما هو أضعاف ما فيها من غيره، وذلك إذا حسن التصرف معها، ولله الحكمة البالغة، فالشدة والنوازل والأزمات تخرّج الرجال وتراكم الخبرات للأجيال، وتعين في بناء دولة متماسكة بقوة وخبرة في أفرادها ومؤسساتها؛ ولهذا كان من المهم وجود يقظة عالية، وفهمٍ ثاقبٍ لمقاصد الشريعة الإسلامية المطهرة، يعين في حفظ الدين والعقول والأبدان والأعراض والأموال، ومن ذلك حفظ الدولة ومؤسساتها؛ إذ لا صلاح للخلق في معاشهم، ولا استقامة لحياتهم وإقامة شعائر دينهم، إلا بوجود كيان جامع يلم شملهم، ويحمي حرماتهم وكرامتهم، ويكف أيدي الظلمة والعتاة عن المظلومين والضعفاء، ويقيم في الناس حكم الله والعدل الذي أمر الله به.

حماية الأوطان أصل من الأصول الشرعية 
ما يمر اليمن اليوم في هذه المرحلة المفصلية الحرجة من تاريخه يستدعي التلاحم الصادق، والالتفاف الأكيد حول ثوابت الأمة ومؤسساتها الشرعية الوطنية؛ فإن حماية الأوطان والحفاظ على كيان الدولة ليس خيارًا ومسارًا سياسيًّا يتأرجح وفق المصالح الذاتية، ولا مواقف وتحركات مرحلية تفرضها الظروف السياسية والموازين الهامشية، بل هو أصل من الأصول الشرعية الأصيلة، وضرورة من الضرورات الوطنية الملحة، وواجب من الواجبات الكفائية التي تتحقق بها المصالح العليا العظيمة للبلاد والعباد، وتندرئ به المفاسد العظام التي تهدد أصل الوجود والاستقرار والأمن.
وقد أجمع العلماء المحققون كابن تيمية وغيره على أنّ وجود الدولة المسلمة والالتفاف حول قيادتها ضرورة شرعية وحياتية لحفظ الدين والنفس والأمن، إذ لا تستقيم حياة الناس إلا بذلك.
ولقد جاءت شريعتنا الإسلامية مؤكدة أمر الاجتماع والائتلاف كما قال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرّقوا﴾، وحذرت شريعتنا العظيمة من التفرق والاختلاف والتنازع كما قال تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ أي تذهب قوتكم، وقال تعالى: ﴿ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم﴾ ولا يتم الاجتماع إلا تحت مظلة ولاة الأمر، وطاعتهم في المعروف، فهم مَن يعين على طاعة الله والقيام بشريعة الله كما قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولوا الأمر منكم﴾، وقال عليه الصلاة والسلام: "اسمعوا وأطيعوا وإنْ تأمَّر عليكم عبد حبشي"؛ فطاعتهم والالتفاف حولهم ليس مجاملة، بل طاعة لله تعالى ولرسوله، وسبب عظيم لتلاحم الدولة والمجتمع وقوته، ومساندة لمؤسسات الدولة، وأصلًا متينًا من أصول أهل السنة والجماعة خلافًا للخوارج وغيرهم، وشرطًا أساسيًا لبقاء انتظام الدولة وقوتها، وصيانة أمن الأمة ومكتسباتها، ولذلك أمر الشرع بالالتفاف وطاعة ولاة الأمر حتى مع وجود النقص مادام ليس كفرًا؛ لأن مفسدة هذا لا تُذكر أمام مفسدة ذهاب الدولة وانفلات الأمن وتمزق المجتمع وتناحره وتسلط الأعداء علينا، فقد أمر نبينا عليه الصلاة والسلام بطاعة ولاة الأمر وإن وجد منهم الظلم أو الفسوق وفي حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: "بايَعَنا على السَّمعِ والطَّاعةِ، في مَنشَطِنا ومَكرَهِنا، وعُسرِنا ويُسرِنا، وأثَرةً علينا، وأن لا نُنازِعَ الأمرَ أهلَه، إلَّا أن تَرَوا كُفرًا بَواحًا، عِندَكُم مِنَ اللهِ فيه بُرهانٌ" رواه البخاري 7055 ومسلم 1709. وفي الحديث الآخر الصحيح: "وإن أخذ مالك وجلد ظهرك"

 
ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب
ويرتكز وجوب مساندة الدولة الشرعية على مقاصد شرعية كبرى وحجج وبراهين ظاهرة؛ إذ لا يمكن للناس أن يقيموا شعائر دينهم على الوجه الأكمل من جُمَع وجماعات، وحج وجهاد، ونشر للعلم النافع والتعليم، وتسيير جميع ما تحتاجه الحياة، ولا أن يأمنوا على أرواحهم وأموالهم وأعراضهم وسائر حقوقهم المكفولة، إلا بوجود دولة قائمة لها سلطتها وهيبتها، مبسوطة يدها على الأرض، ولها مؤسساتها المستقرة التي تحمي الحمى، وتدير الحياة، وتنفذ الأحكام، وتستوفي الحقوق، وتفصل في الخصومات بالعدل والقسط الذي أمر الله به.
وقد قصد الشارع الحكيم حفظ الجماعة، وإقامة السلطة الشرعية؛ لمنع الفوضى والتظالم والعدوان بين الناس؛ فالإمام وسلطة الدولة هما الجُنّة والوقاية التي يُقاتَل من ورائها ويُتَّقى بها، وبوجود هذا الكيان الراعي تُحقن الدماء، وتُؤمن السبل، وتُقام الحدود، ويُردع الفاسد والمفسد والأفّاك. 
وقد تقرر في القواعد الفقهية الكبرى المستنبطة من الاستقراء الشرعي أن "ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب"، وحيث إن إقامة الدين وحفظ أموال الناس وأرواحهم وأعراضهم تُعد من الواجبات الكبرى التي لا تتم إلا بوجود دولة قائمة ورعايتها؛ فإن مساندتها والتمكين لها يُعَدُّ واجبًا شرعيًا لازمًا، كما حثت النصوص النبوية الشريفة والآثار السلفية على السمع والطاعة لولاة الأمر في غير معصية الله، ومساندتهم في إحقاق الحق كما تقدم، ونصرة المظلوم، وإعادة الاستقرار، والقيام بواجب النصيحة والرعاية والبيعة، وإن إضعاف السلطة الشرعية أو الخروج عليها والافتئات على قراراتها ومؤسساتها يفتح أبواب الفتن والدماء والخراب والدمار، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في منهاج السنة النبوية: "ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته". 
ولنا عبرة بما يسمى بالربيع العربي، وما آلت إليه الأمور في تلك الدول من الدمار والتشريد، والخسارات العظيمة من القتلى والجرحى والمشردين، وضياع الأعراض والأموال، وعندها يتمكن حتمًا أهل النفوذ وأرباب الأجندات المشبوهة، وتتمدد المشاريع الهدامة التي تبدد الطاقات، وتدمر المكتسبات، وتُحوّل الأوطان الآمنة إلى ساحات للاقتتال والتناحر والشتات؛ فالتمسك بالدولة الشرعية ومؤسساتها الرسمية هو العروة الوثقى التي تعصم الدماء، وتحفظ الهوية، وتصون المستقبل، وتدفع عن المجتمع غوائل الفتن ومضلات الأهواء.
 
الخلافات وآثارها الكارثية
لا يمكن من الحرص والتشديد المؤكد على الاجتماع ومساندة الدولة ومؤسساتها، والحذر من التنازع بين أبناء الوطن الواحد، والصراعات بين المكونات الوطنية والدعوية والسياسية المختلفة، إذ لها الآثار الكارثية الحاضرة والمستقبلة، وسبب عظيم لتداعيات خطيرة، تعود بالوبال والخسران على الموقف العام للدولة، وعلى المجتمع بأكمله في حاضره ومستقبله؛ فالتشتت نتيجة حتمية التنازع، وذهاب المخلصين والجهود الوطنية المخلصة ثمرة أكيدة من ثمرات الصراع، إذ تنصرف العقول والطاقات البشرية والمادية والميدانية عن مواجهة العدو الحقيقي والمخاطر المحدقة بالبلاد، وتنشغل بالخلافات الفرعية، أو المنافسات الحزبية والسياسية الضيقة، وتضيع قوة ومال ومدخرات المجتمع في تلك المعارك الجانبية الوهمية التي لا طائل منها، والمنتصر فيها مهزوم، فنصره مكّن عدو الجميع، وأذهب سنده الحقيقي، فنكون جميعًا بصراعاتنا قد مكّنا الخطر الأكبر يستشري ويتسلط على مجتمعنا ووطننا، إذ صرنا نساعده ليستغل هذا الفراغ والصراع للتمدد والإحكام، وتثبيت أركانه الباطلة.
نحن كما قال نبينا -عليه الصلاة والسلام- جسدٌ واحدٌ، فلا ينبغي لنا أن نمزقه: "مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر" رواه البخاري 6011 ومسلم 25 86 عن النعمان بن بشير رضي الله عنه مرفوعًا.
إذ يتسبب الخلاف والصراع في نخر جسد المجتمع، وإذكاء العصبيات الجاهلية، والنعرات الطائفية والمناطقية والحزبية المقيتة، مما يفكك نسيج المجتمع الواحد، ويضعف القوة والجبهة الداخلية، ويُسهل على الأعداء والمتربصين اختراق البلاد، والنيل من أمنها وحريتها واستقلالها، بل إن كل نزاع جانبي أو صراع هامشي يقع بين المكونات الوطنية والدعوية يوفر ثغرة بيئية خصبة للجماعات المارقة والميليشيات الانقلابية للتوسع والسيطرة، وفرض واقع جديد على حساب أمن الوطن والمواطن، وحريته وكرامته ومعيشته، فتكون النتيجة ضياع الجميع، واكتواء الكل بنار العدو بعد نار الصراع والتنازع والفرقة، وحينها لا ينفع الندم بعد فوات الأوان، والسلامة في جمع الكلمة، والحكمة تقتضي ترفُّع الجميع عن الصراعات والخلافات الضيقة والهامشية، وتقديم المصلحة العليا لليمن ولأهله على كل مصلحة طائفية أو مناطقية أو حركية أو شخصية؛ فالحفاظ على الدولة هو الحفاظ على الجميع، والفرقة هي التدمير للجميع.
 
الحوثي خطر يهدد الدين والدنيا
تُعدُّ الميليشيا الحوثية الانقلابية خطرًا عظيمًا، وشرًا كبيرًا يهدد اليمن، عقيدًة وهوية، وأرضًا وإنسانًا، وتاريخًا وحاضرًا ومستقبلًا، ولا بد لكافة أطياف المجتمع والشعب ومكوناته من إدراك طبيعة وحقيقة هذا الخطر الاستثنائي بشقيه الديني والدنيوي إدراكًا واضحًا، فعلى الصعيد الديني والعقدي تسعى هذه الميليشيا الانقلابية بكل طاقاتها وأدواتها القسرية إلى تجريف العقيدة الإسلامية الصافية، ونشر الأفكار العقائدية الدخيلة والإيرانية المستوردة، القائمة على الخرافة والغلو والتكفير، والطعن في أمهات المؤمنين وصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضوان الله عليهم جميعًا، وتعمل جاهدة على الاعتداء على المساجد بُدورها وقدسيّتها، وإغلاق دور القرآن ومراكز العلم الشرعي الأصيل، وتبديل المناهج التعليمية والتربوية في المدارس والجامعات؛ لزرع الطائفية والأحقاد في نفوس الناشئة والأطفال ضد أهل الحق، واختطاف عقول الشباب ليكونوا وقودًا لمعاركها التدميرية، وسلوكياتها المنحرفة في الحاضر والمستقبل.
أما على الصعيد الدنيوي والمعيشي فقد مارست هذه الجماعة أبشع صور الانتهاك والإجرام، وتدمير مقومات الدولة ومؤسساتها الرسمية، ونهب الثروات الوطنية والممتلكات الخاصة والعامة، وقطع أجور الموظفين، والاعتداء على المقدرات الحيوية للبلاد، وتهجير الملايين من المواطنين قسرًا من قراهم ومنازلهم، وتفجير بيوت المخالفين، وإغراق البلاد في أزمات اقتصادية وإنسانية وصحية طاحنة غير مسبوقة، طالت بآثارها الكارثية كل بيت وأسرة ومواطن في المجتمع اليمني الذي تسلط عليه. 
ومن باب التحقيق الشرعي للمقاصد الشرعية، والموازنة السليمة بين المصالح والمفاسد، فإنّ دحر هذا الخطر الحوثي، وطرد هذه الفكرة الانقلابية المارقة، والعمل الجاد على إنهاء هذا المشروع التدميري، يُعد واجبًا شرعيًّا كِفائيًّا، بل عينيًّا، ومسؤولية وطنية وقومية على كل قادر ومستطيع، كلٌّ في موقعه وبحسب مقدوره؛ سعيًا لاستعادة مؤسسات الدولة الشرعية، وبسط نفوذ الشرع والقانون، ورعاية المواطنين على أرضية صلبة من العدل والمواطنة المتساوية، وصيانة أمن الوطن واستقلاله وسيادته.
ولا ننسى الموقف التاريخي الذي وقفت فيه المملكة العربية السعودية؛ إيمانًا منها برابطة الدين العظيمة، وعرى الأخوة الصادقة، وحق الجوار الإسلامي والعربي، وبحكم مسؤوليتها التاريخية 

شارك هذا المقال
ا

الشيخ د. عبدالله بن مرعي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

معركة مفتوحة لمواجهة المشروع الحوثي
مقالات

معركة مفتوحة لمواجهة المشروع الحوثي

يمرُّ اليمن بمنعَطَفٍ وجودي، يُعدُّ هو الأخطر في تاريخه الحديث، حيث أثبتت السنوات الماضية أنّ المواجهة التي يخوضها اليمنيون ضد ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران هي معركةٌ شاملةٌ تَهِدف إلى حمايَةِ كَيان الدولةِ والمجتمعِ والدينِ والهويةِ من مشروع إِمامِيٍّ باطِني، يستمدُّ عقيدتَه وأدواتَه من النظام الإيراني.

د صقر اليافعيد صقر اليافعي22 أغسطس 2026
معركة الخلاص ومسؤوليات المرحلة
مقالات

معركة الخلاص ومسؤوليات المرحلة

في ظل استمرار الاعتداءات التي تشنها ميليشيا الحوثي ضد أبناء الشعب اليمني في عدد من المناطق، ومن أحدثها استهداف مناطق في مأرب وحضرموت والحديدة، والمخا وشبوة، تبرز ضرورة الخلاص من المشروع الحوثي، والتوجه الجاد نحو استعادة الدولة وإنهاء الانقلاب والتمرد.

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري22 أغسطس 2026
وقفة مع (موارد المولد)
مقالات

وقفة مع (موارد المولد)

حماية الأموال وصيانتها من أهم الضروريات والكليات التي حفظتها الشريعة الإسلامية وقننتها، كسبًا وإنفاقًا وترشيدًا، بصورة واضحة جلية، قطعًا لمادة التنازع والتحاسد والقطيعة والأطماع والبغي.

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري22 أغسطس 2026