وقد أصبح الصراع في أقوى بواعثه يمثّل الصراع بالهوية الطائفية ضد المخالفين لهم، وصاحب ذلك استخدام مكثف للخطاب الطائفي في التعبئة والتجنيد، مع فرض خطاب عقائدي شيعي رسمي، وقيام الحوثيين بعمليات التعبئة الأيديولوجية، والإجبار الاجتماعي في مناطق سيطرتهم.
واقع العلماء اليمنيين:
يمكن النظر في واقع العلماء في اليمن إلى ثلاث فئات رئيسية:
الفئة الأول: العلماء المتصدرون لحركة المقاومة الفكرية
يمثّلهم علماء مركز دار الحديث في دماج (المهجرون قسريًّا)، وهيئة علماء اليمن، وهم الغالبية، وهؤلاء هاجروا من مناطق سيطرة الحوثيين، وتركوا مراكزهم ومساجدهم، ويقوم دورهم على:
1) حماية الهوية السنية من التطرف الزيدي المتمثل بالحركة الحوثية وقيادتها.
2) مقاومة التسييس الطائفي للدين، وتوظيف الدولة بإيديولوجية مذهبية.
3) تحصين المجتمع من التحول العقدي الطائفي المتطرف.
وقد نظمت مؤسسات علمية في عدد من المدن ندوات متعددة لدحض الأفكار الدخيلة، وأسهمت في كشف خطورتها من خلال الأبحاث، والمؤتمرات، والخطب، وغيرها من الوسائل الممكنة.
الفئة الثانية: العلماء البارزون في الحياد السياسي
هؤلاء يرون البقاء في الداخل اليمني (تحت سلطة الحوثيين) بمقاومة اجتماعية، والتمسك بأحقيتهم في حركة التعليم السني، وهدفهم:
1) تقليل حالة الصراع الدموي.
2) حماية الهوية السنية من التجريف الفكري بضغوط القوة والدولة المختطفة.
3) حماية مراكز أهل السنة ومساجدهم، والحفاظ على العلماء والدعاة العاملين فيها.
4) تخفيف التعبئة الطائفية المتطرفة ضد أهل السنة، من خلال حضورهم في لقاءات ومناسبات عامة مشتركة مع الحوثيين، كالمؤتمرات العلمية وغيرها، والندوات العامة حول الذكرى النبوية، والهجرة النبوية، وحلول شهر رمضان.
ويعملون غالبًا عن طريق الوسائل المتاحة والممكنة، وإن كانت ليست مضمونة النجاح لطبيعة المزاج الحوثي المتقلب. وهؤلاء سلكوا طرقًا عده يرون أنها تحقق أهدافهم، ومنها:
1- التصالح المذهبي بعقد اتفاقيات مع الحوثيين تضمن استمرار جهودهم الدعوية، رغم أنها غير مضمونة من طرف الحوثيين؛ لأنهم سرعان ما يتذرعون بانهيارها ويختلقون المبررات لذلك.
2- الوساطات الرسمية بالتنسيق مع الحوثيين في هيئة الأوقاف ومكاتبها في المحافظات.
3- الوساطات المذهبية بالتنسيق مع شخصيات حوثية في مناصب عليا تربهم بهم علاقات شخصية.
وهؤلاء لم يسلموا من التضييق والضغوط الحوثية، والتسلط المتطرف في الخطاب الطائفي الحوثي، ولم يكونوا بمنأى عن أساليب الاستفزاز ببعض القرارات والتعميمات، أو نشر الأخبار المغلوطة الانتهازية، والاصطدام مع رموز حوثية تفرض الخطباء على مساجد أهل السنة، وغيرها. وكل مساجد اليمن سنية ما عدا التي سطا عليها الحوثي بفكره الرافضي مؤخَّرًا؛ لأن مساجد الطائفة الزيدية القديمة قليلة ولا تقارن بأعداد مساجد أهل السنة.
الفئة الثالثة: العلماء المتفاعلون مع التشارك السياسي
هناك شخصيات دينية انخرطت مع الحوثيين، وأسهمت في آلة الخطاب المذهبي والسياسي، وكان لهم تأثير في ممارسة الضغوط على علماء السنة، وصاروا جزءًا من المشروع الحوثي، وبعضهم أعطى شرعيةً مذهبية للسلطة الحوثية في مواقف متطرفة وعدائية، وهؤلاء العلماء كانوا من أهل السنّة وينتمون إلى الأسر الهاشمية.
أدوات علماء أهل السنة في تخفيف النفوذ الطائفي الحوثي
يمكن أن نقول إن علماء اليمن مارسوا أدوارهم لتخفيف تمدد النفوذ الطائفي الحوثي، واستخدموا خمس آليات رئيسية لتحقيق ذلك، وهي:
1) ممانعة تغيير الهوية
هذه الآلية تنطلق من مبادئ ثابتة، وهي: اليمن بلد إسلاميّ لا مذهبيّ، وإمكان التعايش بين الشافعية والزيدية تاريخيًّا، أو الهوية السنية مع الزيدية العلمية خاصة، إضافة إلى عدم الخوض في تفاصيل الخلاف لتخفيف حدَّة التطرُّف.
ويؤكِّد أهل السنة في تعاملهم مع الحوثيين على قضايا عدة أهمُّها أصلان:
الأصل الأول: أن أهل السنة سيتعاملون مع السلطة في صنعاء كسلطة أمر واقع، وليس لأنها دولة طائفية أو مذهبية. وهو ما أغضب بعض قيادات الحوثيين.
الأصل الثاني: حرية التدريس العلمي في مراكزهم ومساجدهم، سيما العلماء الكبار. وهو ما حاول الحوثيون أن يتملصوا منه، وأصدروا قرارات بالإشراف المباشر على حلقات القرآن الكريم، وجدول الدروس العلمية، والمقررات الدراسة. لكن ذلك قابله علماء أهل السنة بالرفض، واعتبروه تدخلًا مذهبيًّا ضد منهج علمي تاريخي.
2) المناقشات والردود العقدية
وأبرز تلك المناقشات تركزت حول ما يمس الثوابت والأصول لدى أهل السنة، كالطعن في الصحابة والخلفاء خاصة، والتفسير المغلوط للآيات القرآنية المحكمة، وإنكار الصحيح من السنة النبوية. والتي تظهر في خطابات بعض الخطباء الحوثيين، أو ملازمهم المليئة بالانحرافات، أو وسائل إعلامهم التي تطفح بالشبهات.
3) تفكيك الخطاب التعبوي المتطرف
غالبًا ما يظهر الخطاب التعبوي للحوثيين بإثارة قضايا تاريخية وفكرية، أو إثارة الشبهات على أهل السنة، وبروز أحكام التكفير على بعض المفاهيم المنهجية عند أهل السنة، ومن أشهرها ما يلي:
أ- خطاب المظلومية التاريخية، في الوصية، وبيعة الخلفاء الراشدين، وحديث الولاية، وغيرها مما جعلوها في رتبة الاعتقاد القطعي لديهم.
ب- خطاب الاصطفاء الإلهي بالنسب، وإضفاء العصمة على الأعلام من قاداتهم، وتكريس ذلك في أفهامهم وأقوالهم وسياساتهم، وإيجاب الاصطفاف حولهم.
ج- التفسير القرآني بطابع مذهبي طائفي، وتحريف المحكمات فضلًا عن المتشابهات، مثل بعض أحكام الصلاة وصفاتها، وأحكام الزكاة والخمس، ومفاهيم آيات الكفر والنفاق وتنزيلها على بعض الصحابة، وتوظيف نصوص قرآنية في الاصطفاء ودعوى الحق مع آل البيت، وإنكار الشفاعة يوم القيامة... وغيرها.
وهذا الخطاب تؤكده مقاطع متداولة لعلماء وخطباء حوثيين، وكلها مبثوثة في وسائل التواصل الاجتماعي، ومواد خطب الجمعة، والخطابات الشعبية، ويتعمدون نشرها ليعتاد الناس عليها؛ لأنهم يرون أن ما تكرر تقرر.
بينما علماء أهل السنة يواجهون كثيرًا من تلك الأحكام بالنقد والرد، أو النصح للحوثيين، وغالبًا ما تحصل في اللقاءات مناقشات حولها خاصة، باعتبارها أولويات في الحوار مع الحوثيين، ويتحدَّث عنها العلماء والدعاة في خطب الجمعة خاصة بأساليب تتسم بالحكمة والطرح المنهجي العام الذي يحقق المراد.
4) الممانعة بالشرعية العلمية
أخطر ما يواجهه علماء السنة في مناطق سيطرة الحوثيين هو محاولة سحب شرعيتهم العلمية، وتنحيتهم من مواقع الإفتاء، وإزاحتهم عن المرجعية العلمية، أو بتشويههم، وإثارة التشكيك بهم، والإثارة الإعلامية تجاه بعض الأخطاء وتضخيمها، ودعم خصومهم بالزج بهم في المشكلات الاجتماعية، وإدخالها إلى الأمن والقضاء للعبث بإجراءاتها، ومساندة الخصوم بالتوجيهات الأمنية، وغيرها. ولذلك استهدفوا بعض العلماء والدعاة بالاعتقال، أو الملاحقة الأمنية؛ لإفراغ المجتمع من وجود مرجعياته مستقلة، ومصادرة مساجدهم المؤثرة.
ومن أبرز التحدِّيات التي يواجهها العلماء في مناطق سلطة الحوثيين أساليب القمع والتهديد، وضغوط الهجرة والنزوح، والسيطرة على التعليم في المساجد، وتحريك الإعلام الطائفي، وتسليط المشايخ القبليين الموالين لهم على العلماء والدعاة في مناطقهم؛ إما بالتهديد، أو بممارسة الضغوط التدريجية.
العلماء وحراس الهوية
لا يقتصر دور العلماء والدعاة في معركة الوعي -التي هي أشد ضراوة من معركة الرصاص- على مجرد البلاغ كإسقاط واجب، بل هو دور محوري يضطلعون به لحماية عقيدة المجتمع من محاولات المسخ والتحريف التي تمارسها الميليشيا مستخدمة مؤسسات الدولة المختطفة. ما يقومون به هو فعلٌ وجودي يحفظ لليمن روحه وأصالته، ويترتب عليه أن تكون اليمن أو لا تكون. فدورهم يحول دون ابتلاع الأجيال في محارق الاستعباد والتطييف والانحراف العقدي الدخيل على الفطرة اليمنية السوية.
إن ما يدفع العلماء والدعاة للبقاء في الداخل حيث القبضة الحوثية الإجرامية، رغم نُذُر التصفية والتهديدات المتواصلة بالاختطاف، هي قوة العقيدة الراسخة وشعورهم العميق بالمسؤولية التاريخية أمام الله وأمام الأجيال؛ فهؤلاء يدركون أن انسحابهم يعني ترك الساحة لجهلة يفسدون الدين والدنيا، يضاف إلى ذلك أنهم يستمدّون عزيمتهم من يقينٍ بأن الغُمّة زائلة وأن الحق لا يموت بوجود حُراسٍ أمناء. ومن هذا المنطلق، نجح هؤلاء الدعاة في الحفاظ على الحدِّ الأدنى من التعليم الديني والتربوي السليم، وتحصين النفوس بعيدًا عن أعين التجسس الحوثية، وهو نجاح يثبت أن أهل السنّة أقوى من آلات القمع.
العلماء وفن الممكن
اعتمد العلماء الذين بقوا في مناطق الحوثيين على "فقه الممكن"، ورأوا عدم ترك الميدان لأولئك الفاسدين عقيدة ومنهجًا، فبقاء العالم في مسجده هو بحدّ ذاته انتصارٌ معنوي، فالمسجد بوجود العالم الصادق يظلُّ منارةً للحق وملاذًا للأرواح، وعائقًا أمام الإعلان عن الانتصار الفكري الكامل للميليشيا الحوثية أو غيرها من جماعة التطرف.
وإن قدرة الداعية على الموازنة الدقيقة بين مداراة العدو لدفع شره، وبين الحفاظ على جوهر رسالته دون الانزلاق في فخ التشييع والطيفنة أو شرعنة الباطل، هي قمة الحكمة الدعوية، حيث يظلُّ صوته حرًّا في جوهره، ملتزمًا بالثوابت، حذرًا في الوسائل.
الحاضنة الشعبية
الحاضنة الشعبية هي الدرعٍ المتين، ولا يزال العلماء والدعاة في مناطق سيطرة الحوثيين يحظون بالثقة والمحبة والحضور الشعبي الكبير، يتجلى ذلك في أن الحاضنة نفسها في صنعاء وكافة المحافظات ترفض خطيب الميليشيا الحوثية وتغادر المسجد إن صعد بالقوة. ففطرة اليمنيين لا تزال تعي جيدًا الفرق الساحق بين من يريد لها الهداية وبين من يريد استخدامها وقودًا لحروبه العبثية، ولا تزال الفطرة اليمنية صافية ترفض الإساءة لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وزوجاته أمهات المؤمنين، ويرفض اليمنيون الأصوات الحوثية التي تنعق بالإساءات لتاريخ الأمة ورموزها.
النصر لأمة التوحيد بصمود علمائها
الصمود الدعوي والتربوي لعلماء ودعاة اليمن لم ينكسر بسلاح التشويه والضخ الإعلامي والدعائي الطائفي، ولم ينكسر بالإرهاب المسلح الذي تمارسه الميليشيا الحوثية، وأصبح يهدد سلامة وحياة العلماء والدعاة في مناطق سيطر الحوثيين، ولا بمحاولات التشويه الأخلاقي والسياسي الممنهجة. وصمود علماء ودعاة ومثقفي اليمن بحدِّ ذاته نصر، وبشارة النصر الكامل القريب بحول الله. وسيتلاشى ذلك الصوت الأرعن الصارخ بالطائفية والكراهية والقطيعة مع سلف الأمة وعقيدتها وهويتها، صوت جعل الشعب يحتقن ضده أكثر وينتمي لأمته ودعوة أهل السنة أكثر. فبقاء الأصوات الصادحة بالحق والعلم والدعوة والمنهج الوسطي هو الضمانة الأكيدة لأن يتنفس اليمنيون النصر قريبًا.