الحمد لله الذي أمر بالاعتصام بحبل الله ولزوم الجماعة ونبذ الفرقة والخصام، فقال: "وَلَا تَنَاٰزَعُواْ فَتَفۡشَلُواْ وَتَذۡهَبَ رِيحُكُمۡ واصْبِروا إِنَّ اللّهَ معَ الصَّابِرين"، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، أرسى دعائم الدولة وبنى صروح العدل، وأقام موازين الحكم بحفظ الحقوق وصون الدماء وتحريم الفساد والإفساد، وعلى صحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
لقد توافرت النصوص الشرعية ومسلمات الفكر الإسلامي والتاريخ الإنساني بأن "الدولة" هي صمام أمان لاستقرار المجتمعات وتطبيق العدل. وقد قرر الفقهاء أن وجوب طاعة ولي الأمر وتوحيد الكلمة تحت مظلته هو الوسيلة الوحيدة لمنع الفوضى وإراقة الدماء.
وعليه، فإن مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه الجهة الشرعية المعترف بها دوليًا، يمثّل الإطار الجامع لليمنيين، ويتحمّل مسؤولية استعادة الدولة ومؤسساتها. ومن هنا، فإن دعم هذه القيادة في مساعيها لاستعادة مؤسسات الدولة، وتثبيت سلطتها، وتحسين الخدمات، يعدّ منسجمًا مع المقاصد الشرعية التي تجعل حفظ كيان الدولة ووحدتها مقدّمًا على ما سواه، وتمنع ما يترتب على الانقسام والتشرذم من أضرار تستفيد منها قوى التمرد والفوضى.
وفي هذا السياق تحديدًا، لا يمكن الحديث عن مساندة الدولة دون إدراك طبيعة ميليشيا الحوثي كخصم لدود يجثم على صدر أهلنا في جزء مهمٍّ من جغرافيا اليمن الحبيب يتوق الجميع إلى الخلاص منه؛ فهذه الميليشيا -كما يعرف الجميع- ليست طرفًا سياسيًّا يبحث عن شراكة أو مكاسب سياسية فحسب، بل هي مشروع استعلائي طائفي يستند إلى "الخرافة" في مقابل "الدولة"، وإلى "التبعية المطلقة لإيران" في مقابل "السيادة والاستقلال الوطني".
وهذا المشروع الوافد والدخيل على اليمن لا يحمل في جعبته سوى الجهل، والخراب الاقتصادي، وتفتيت النسيج الاجتماعي من خلال مفاهيم دخيلة تكرِّس الطبقية والعنصرية والخرافة تحت مزاعم تخالف مقاصد الشريعة وقيمها الراسخة.
ومواجهة هذا المشروع لا تتم بالسلاح فحسب، بل تبدأ بـ"معركة وعي" تكشف كيف حول الحوثيون اليمن إلى ساحة لتمزيق هويتنا العربية الإسلامية، وفرض أجندة دخيلة لا تمت لقيمنا وهويتنا وأعرافنا بصلة، وهم في استعداد تام لتقديم اليمن وجيرانه قرابين لعمائم السوء في طهران دون أن يرفّ بهم جفت؛ ولذلك فإن مساندة الدولة في مواجهة هذا المشروع المدمر يُعدّ واجبًا دفاعيًّا مقدَّسًا عن قيم الحق والعدل والمواطنة المتساوية، وعن أمن واستقرار بلادنا والمنطقة بأسرها.
ويمكننا الجزم بأن من أعظم ما تنهض به الأمة في مثل هذه اللحظات الفاصلة هو الدور الرسالي للعلماء، بوصفهم ورثة الأنبياء، وحملة مشاعل الهداية، وحصون الوعي التي تتكسر عليها موجات الضلال والتضليل والانحراف. فالعلماء ليسوا مجرد ناقلين للمعرفة، بل هم صُنّاع الوعي، وموجّهون للبوصلة، يبينون للناس الحق من الباطل، ويكشفون زيف المشاريع التي تتلبس بلبوس الدين وهي أبعد ما تكون عن مقاصده وقيمه.
لقد درج علماء الأمة على امتداد تاريخها على الاضطلاع بمسؤولياتهم في أوقات الأزمات، فكانوا صوت الحكمة حين تعلو أصوات الفتنة، وميزان الاعتدال حين تختل الموازين، وسند الدولة حين تتعرّض لهزَّات تهدد كيانها. وإن قيام العلماء اليوم بدورهم في توعية الناس بخطورة المشروع الحوثي، وبيان انحرافاته العقدية والفكرية يعدُّ من أعظم القربات؛ لأنه يندرج في باب حفظ الدين والنفس والمجتمع من التمزُّق والضياع.
يضاف إلى ذلك أن من صميم رسالة العلماء ترسيخ مفهوم الدولة في الوعي العام، وتأكيد أن الالتفاف حولها ليس خضوعًا لسلطة بشرية، بل هو التزام بمنظومة شرعية تحفظ النظام وتمنع الفوضى، وتحقق مقاصد الشريعة في العمران والاستقرار. فالعلماء مطالبون بتجديد الخطاب الديني بما يعزز قيم المواطنة، ويؤصّل لمفهوم الطاعة المنضبطة، ويُحذِّر من دعوات التمرُّد التي تُلبس الباطل ثوب الإصلاح.
وفي سياق معركة الوعي يبرز دور العلماء في تفكيك الخطاب الطائفي وكشف جذوره، وبيان تناقضه مع أصول الإسلام الجامعة التي تقوم على العدل والمساواة ونبذ العصبية. وإن بيان زيف دعوى "الاصطفاء الحوثي المزعوم"، وفضح ما تنطوي عليه من عنصرية مقيتة، هو واجب شرعي وعلمي، يسهم في حماية المجتمع من الانقسام، ويعيد الاعتبار لقيم الأخوة الإسلامية الجامعة.
والعلماء اليوم مطالبون بتفعيل منابرهم العلمية والدعوية والإعلامية واستثمار المستجدات التقنية في هذا العصر لتكون منصات لبث الوعي الصحيح، وأن يسهموا من خلالها في تعزيز الثقة بالدولة، ومواجهة حملات التشكيك في الثوابت والتضليل والتشويه للدين. فالكلمة الصادقة حين تصدر عن عالم راسخ تكون أبلغ أثرًا وأعمق تأثيرًا من كثير من الوسائل الأخرى، خاصة في مجتمع لا يزال يُجلّ العلماء ويثق بمرجعيتهم.
وأنوه هنا بالدور الريادي الذي تضطلع به مجلة "المنبر" بوصفها إحدى المنصات الفكرية والإعلامية الجادة التي تسهم بفاعلية في معركة الوعي من خلال ما تقدِّمه من محتوى رصين يجمع بين التأصيل الشرعي والتحليل الواقعي وكشف الانتهاكات الحوثية، وبناء وعي جمعي مستنير قادر على التمييز بين الحقائق والدعايات المضللة. لقد غدت هذه المجلة منبرًا للكلمة المسؤولة، وساحة لالتقاء العلماء والمفكرين وأصحاب الرأي، بما يعزز حضور الخطاب الوسطي المعتدل، ويدعم توجهات الدولة في ترسيخ الاستقرار ومواجهة مشاريع الفوضى والتشظي. وإن الإشادة بهذا الدور هو تأكيد على أهمية تكامل الجهود بين المؤسسات العلمية والإعلامية في خدمة الوطن، وخوض معركة الوعي بسلاح الكلمة الصادقة والفكر المستنير.
وأشير كذلك إلى أن نجاح الدولة في إدارة الشأن العام في المناطق المحررة انطلاقًا من العاصمة المؤقتة عدن هو "الرصاصة الحقيقية" في قلب المشروع الحوثي، وهو ما يتطلب من الحكومة – رغم كل التحديات اللوجستية والاقتصادية – تكثيف الجهود لتحقيق نموذج رائد في تعزيز الخدمات وتحسين مستوى معيشة المواطن في المناطق المحررة باعتبار ذلك البرهان الساطع على أن الدولة هي ملاذُ الناس. ويتعين كذلك دعم جهود الدولة ومساندتها تعبويًّا في بسط الأمن والعدالة؛ إذ لا يمكن لدولة أن تنهض دون قضاء مستقل وأجهزة أمنية تحمي المواطن، وتكرس مفهوم "السيادة للقانون" لا "للقوة".
ومن متطلبات معركة الوعي في مساندة الدولة التأكيد على ضرورة الشفافية في إدارة الموارد الوطنية وتوجيهها لخدمة الصالح العام من أجل استعادة ثقة الشعب، وقطع الطريق على كلِّ الأصوات التي تحاول التشكيك في جدوى الشرعية أو تسعى إلى النيل منها.
والتحدي الأكبر الذي يواجه مشروع استعادة الدولة هو "النزعات الجانبية"، وإنني أهيب بكافة القوى السياسية، والنخب الاجتماعية، والعلماء والمثقفين، أن نرتفع فوق الجراحات الصغيرة والمصالح الضيقة، وأن نعي أن بقاء المليشيا الحوثية يعني استمرار نزيف اليمن.
وإن "وحدة الصف" إعلاميًّا وسياسيًّا وعسكريًّا ليست شعارًا للاستهلاك، بل هي ضرورة ملحّة، وإن أي اختلاف بين المكونات الوطنية تحت مظلة الشرعية يخدم -مباشرة- مشروع المليشيا الطائفية؛ لذا، فإن الدعوة موجهة للجميع: لنجعل بوصلتنا واحدة، وهدفنا تحرير ما تبقى من جغرافيا يمننا الغالية، وإعادة اليمن إلى أهله.
لقد بات من الواضح للجميع طول أمد المعاناة التي لا يمكن إنهاؤها بتقديم تنازلات للقوى الانقلابية، بل بفرض دولة قوية تملك قرارها، وتستمد قوتها من شعبها والتفاف محيطها العربي الأصيل.
ومما يجب التنويه عليه هو حتمية انتصار اليمنيين على جماعة الحوثي لأمور عدة في مقدمتها الرفض الشعبي والسنن الاجتماعية والسياسية التي لا تسمح ببقاء مشروع يقوم على التمييز العنصري واحتكار السلطة باسم الحقِّ الإلهي. فالفكرة الحوثية بطبيعتها تتصادم مع مبادئ الإسلام التي قررت المساواة بين البشر، ومع البنية القبلية والاجتماعية لليمن التي ترفض الخضوع لطبقة تدّعي التفوق بالنسب. إضافة إلى ما سلكته هذه المليشيا في مسيرتها من مسالك وأخلاق وتعامل مع كافل القُبُل اليمنية والعشائر والأسر والمناطق مهينة واستعلاء وطالت انتهاكاتها كافة المناطق اليمنية وكافة القبائل والأسر والمدن بلا استثناء، وبات فساد الحوثيين اليوم علامة فارقة على عهدهم، مع ما يرفعونه من شعارات دينية وطائفية وهو ما يجعل مشروعهم غير قابل للاستمرار مهما امتلك من قوة السلاح أو استند إلى دعم خارجي.
لقد أسهم الحوثي نفسه، من حيث لا يريد، في صناعة عوامل سقوطه، فممارساته القمعية، من تجنيد الأطفال، ونهب الممتلكات، وفرض الجبايات، وإفقار المجتمع، وتفكيك مؤسسات الدولة، خلقت حالة غضب واسعة في كل مناطق سيطرته. ومع مرور الوقت تحوّل هذا الغضب إلى قناعة راسخة لدى اليمنيين بأن الخلاص من الحوثي لم يعد من باب الخلاف والصراع والخلاف السياسي بل ضرورة وجودية لحماية المجتمع وهويته وكرامته. كما أن سياسات الإقصاء التي مارسها الحوثي ضد القبائل والعلماء والموظفين الحكوميين دفعت شرائح واسعة إلى الاصطفاف ضده، بعد ان أدركت أن مشروعه لا يقبل الشراكة والتعايش ولا يعترف بحقوق الآخرين.
وقد خبر اليمنيون الدولة والجمهورية لعقود من الزمن ولا يمكن أن يقبلوا العودة إلى حكم الإمامة، كما أن التجربة المريرة التي عاشتها المناطق الخاضعة للحوثي جعلت الناس أكثر استعدادًا للمقاومة، وأكثر وعيًا بخطورة المشروع الذي يحاول إعادة صياغة المجتمع وفق رؤية طائفية ولائية كهنوتية ظلامية. وهذا الوعي الشعبي يشكل قاعدة صلبة لأي انتصار قادم.
أما إقليميًّا ودوليًّا فقد تغيّر المشهد بشكل واضح؛ وأصبح العالم يدرك أن الحوثي ليس إلا ذراع لمشروع توسعي إيران خالص يهدد أمن المنطقة والممرات الدولية. وهذا الإدراك خلق توافقًا واسعًا على ضرورة إنهاء الوجود الحوثي ودعم أي مسار يعيد الاستقرار لليمن. وإن اجتماع الرفض الشعبي، والأخطاء البنيوية في مشروع الحوثي، والتحولات الإقليمية والدولية، يجعل انتصار اليمنيين أمرًا أقرب إلى الحتمية التاريخية؛ لأن المشاريع القائمة على الظلم والتمييز والعنصرية لا يمكن أن تستمر مهما طال بقاؤها.
نحن اليوم أمام مسؤولية تاريخية تحتم على الجميع أن ينهض بدوره في الجانب الذي يخصه، فالعلماء والمثقفون والإعلاميون ورواد الكلمة وقادة الرأي يقع على عاتقهم الجزء الأكبر من المسؤولية في سياق معركة الوعي ودحض الأفكار والمشاريع الهدامة والذود عن الدولة التي تجمعنا، وتحمي مستقبل أبنائنا من التجهيل والخراب. كونوا مع الدولة، ساندوا قيادتكم، عززوا اللحمة الوطنية، وواجهوا بوعيكم مشاريع التمزق والطائفية.
إن معركة الوعي مستمرة، واليقين بالنصر يزداد رسوخًا كلَّما اتَّحدت الكلمة، وتراصت الصفوف، وصدقت العزائم. اللهم احفظ اليمن من كل سوء، واجمع كلمة أهله على الحقِّ والهدى، واجعلنا يدًا واحدة في بناء دولتنا واستعادة مجدنا.
والله ولي التوفيق.