المنبر اليمني
اليمن بين مشروعي الحياة والموت
مقالات

اليمن بين مشروعي الحياة والموت

د عارف أبو حاتم

د عارف أبو حاتم

مستشار وزير الإعلام

23 أغسطس 2026٠ قراءة
حجم الخط

الحديث المتكرر اليوم عن محاولة إيران اختطاف اليمن من حاضنته العربية يجرح كبرياء اليمنيين، ذلك أنهم يرون أنفسهم أكبر من هذا التهديد، وأقوى من أن تجرّهم إيران إلى مربعها الدموي، أو تتخذهم وأرضهم منصة لتصفيات حساباتها، وتجعل معاناتهم ورقة تفاوضية بيدها.

وما تفعله اليوم ميليشيا الحوثي المدعومة من إيران زاد في معاناة اليمنيين، وشوّه سمعة طيبة بناها اليمنيون خلال آلاف السنين، فاليمني الذي كانت سمعة بلاده تسبق وجوده في كل مكان، صارت السمعة السيئة تزاحم حضوره حيثما ذهب، إذ ربط الحوثي اسم اليمن بالإرهاب والقرصنة والاعتداء على الملاحة الدولية، والتبعية الكلية لإيران، وهي الدولة التي أجمع العالم على خطر وجودها ووجوب زوال نظامها.
في موازاة ذلك النهج التخريبي الممنهج، تتقدم جارة اليمن وشقيقتها الكبرى المملكة العربية السعودية بمشاريع تنموية، غطّت كل مجالات الحياة في اليمن، وأصلحت جزءًا مما أفسدته حروب ميليشيا الحوثي طوال 12 سنة، ولملمت شيئًا من جراحات اليمنيين، وبذلت جهودًا في لم شملهم وتوحيد صفهم، وإعادة بناء الأرض والإنسان استعدادًا ليوم الفصل، الذي ستنتهي فيه مشاريع الانتهازية الإيرانية، وتشرق شمس العطاء والتنمية.
وليس ما يوجع اليمنيين هو ما يفعله الحوثي فقط، بل وما يفعله المجتمع الدولي المتواطئ مع هذه الميليشيا المنفلتة، رغم تكاثر القرارات والبيانات الأممية التي تدينها، وتجيز استخدام القوة العسكرية ضدها، مثل القرار 2216/2015 الصادر تحت الفصل السابع الذي يجيز استخدام القوة العسكرية، ومنع تصدير الأسلحة إلى الحوثيين، وهو أهم قرار صدر حتى الآن، والقرار 2624/2022 الذي حظر تصدير الأسلحة للحوثيين بوصفهم جماعة إرهابية، وأدان هجماتهم على السعودية والإمارات، وتهديدهم للملاحة الدولية.
وبين عامي 2014-2026 صدر 29 قرارًا أمميًّا، و6 بيانات رئاسية أممية، جميعها دون استثناء أدانت الجماعة الحوثية، وبعض القرارات وصفتها بالإرهابية، وبعضها حظر تصدير أو بيع السلاح لها، وبعضها أدرج أسماء قيادات حوثية في قوائم العقوبات الدولية، مثل: يوسف المداني، وعبدالله يحيى الحكيم "أبوعلي الحاكم"، ومسفر صالح الشاعري، ومطلق المراني، ومنصور السعيدي، وفرضت القرارات حظر السفر على الأشخاص المدرجين، وتجميد الأصول المالية، وإمكانية إدراج أي شخص أو كيان يهدد السلام أو يعرقل العملية السياسية في اليمن، وبعض العقوبات طالت كيانات تجارية تعمل لحساب الحوثيين، فضلًا عن قرارات عقابية اتخذتها وزارة الخزانة الأمريكية ضد الحوثيين ومعاونيهم، وصولًا إلى تصنيف الإدارة الأمريكية للجماعة الحوثية بأنها منظمة إرهابية.
اليمني وثنائية العرب والفرس:
يعزُّ على اليمني أنْ يرى نفسه محكومًا داخل ثنائيتين متصادمتين: العرب والفرس، ذلك أنه يرى نفسه امتدادًا لتاريخ عريق، ومبتدأ لأصل كبير، ولم يختلف المؤرخون حول مكانته الفريدة في التاريخ العربي، كصانع أول للحضارة في النصف الجنوبي من العالم، وهذا ما أكده القرآن الكريم عند حديثه عن سبأ والأحقاف، وشهدت به النقوش والآثار، وتحدث عنه هذا الامتداد الواسع لأسماء قبائل اليمن في العالم العربي وإفريقيا، ودوّنت كتب التاريخ أسماء يمنية عظيمة في كتب الفتوحات الإسلامية، مثل: عمرو بن معد يكرب، والغافقي، والخولاني، وابن نُصير، والباهلي، وابن أبي عامر، فهو صاحب الحضارة قبل الإسلام، وقاد الفتوحات بعده، فلا يمكن أن يقبل على نفسه التبعية المهينة لإيران، ولا أنْ يتحول إلى أداة رخيصة بيدها تضرب به من تشاء وقتما تشاء.
كبرياء ابن الأرض والتاريخ وصانع الحضارة وحائز المجد تمنعه من الاستلاب الكلي لصالح فارسي خسيس يسكن أرضه، ويصادر رأيه، ويمنع قوته وحريته، وما تفعله ميليشيا الحوثي اليوم في اليمن أكثر هوانًا من هذا، فالقادة الإيرانيون هم من يقودون المعارك، ويصنعون القرار، ويختارون الوقت والعدو معًا، ثم يلبسون الحوثي كقفاز قذر حتى لا تُسجل بصماتهم في مسرح الجريمة.
كان اليمن مهد العروبة الأول، وعلى هذه الأرض نشأ أبناؤها شجعانًا وأبطالًا وأصحاب مروءة وموقف، وعاشوا بسلام مع جيرانهم في جزيرة العرب، ومنذ تشكلت الدولة السعودية الأولى في 1139ه/1727م على يد الإمام محمد بن سعود وحتى اليوم، وعلى امتداد 300 سنة لم يسجل التاريخ غير حرب واحدة بين البلدين واستمرت لشهرين فقط، قبل أن يجتمع الطرفان على كلمة سواء في اتفاقية الطائف يونيو 1934م، وهذا أمر يشير بوضوح إلى أنّ ما يجمع البلدين والشعبين أكبر وأكثر من أن تفرقه حرب أو تفسده عصابة، فكل الروابط والعوامل التي تتوافر داخل المجتمع الواحد هي نفسها القاسم المشترك بين شعبي اليمن والسعودية، بل هي أشد تماسكًا وأقوى صلة من دول أخرى، فمجتمع مثل الهند وإثيوبيا وإيران فيها عرقيات وأديان وتاريخ ولغات مختلفة داخل كل جماعة على حدة، أمّا الشعبان اليمني والسعودي فيجمعهما الدين والتاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة والعادات والروابط القبلية والأسرية والمصالح المشتركة في السياسة والاقتصاد والمهددات الأمنية، وفي كل شيء هناك مشتركات قائمة ومتجذرة، على العكس من العلاقة مع إيران التي لا يربطها باليمن أي شيء.
إذن نحن في مواجهة جماعة أجمع العالم على وصمها بالإرهاب والتخريب، ويجب تصفيتها وملاحقتها في كل مكان، فكيف نجد بين صفوفنا من يأمل منها تنمية أو علاقة سوية مع جيرانها والعالم؟!
المصالح المشتركة بين اليمن وجيرانها
تقف اليمن وإيران على النقيض من بعضهما، وكل مصلحة لإيران في المنطقة هي مفسدة وضرر لليمن، لأن الفرس بطبيعتهم العدوانية وسلوكهم المتخفي (التقية)، واستخدام عباءة الدين (حب آل البيت) وقدراتهم الفائقة في الدسائس، يصنعون الخلايا، ويربون العملاء، ثم يستخدمونهم في دمار أوطانهم وتهديد جيرانهم، وتقوم بتزويدهم بكل أنواع الأسلحة وأدوات الموت والتعذيب، والتدريب على الحشد والبكائيات أمام الناس، والمراوغة والتضليل أمام الإعلام، وهذا سلوك مناقض للدول السوية، فهذه مصر والسعودية أسهمتا بشكل كبير في دعم وتطوير السودان واليمن حتى وقفتا على قدميها، فالسعودية مثلًا وجدت أنّ من مصلحتها بناء دولة قوية في اليمن، وساهمت في تحقيق تنمية ونهضة تليق بجيرانها، فعمدت منذ أكثر من نصف قرن إلى دعم اليمن في مجالات التعليم والصحة والطرقات والكهرباء والمياه وبناء الجيش والأمن ومكافحة الإرهاب والموازنة العامة للدولة، وكلما مرت السنوات زاد حجم الإنفاق على هذه المجالات، وبين عامي 2014-2026 تلقت وزارة المالية 5.1 مليار$، منها مليارا$ في 2012، ومليار$ في 2018، ومليار$ في فبراير 2023، ثم 500 مليون$ في ديسمبر 2024، منها 300 مليون$ وديعة للبنك المركزي، و200 مليون$ لدعم عجز الموازنة، وفي فبرير2026 أعلنت المملكة عن حزمة مساعدات لليمن بقيمة 1.9 مليار ريال، ومن خلالها سيتم إنشاء محطة تحلية بعدن، وكهرباء بتعز، وكليات حديثة في سقطرى وحضرموت، ومستشفيات في تعز وأبين ومأرب والضالع ولحج، و30 مدرسة في عموم اليمن، وإصلاح طرقات، وغيرها.. وبعدها بيومين فقط أعلنت المملكة عن تقديم 90 مليون$ لمواجهة لتغطية رواتب جميع الموظفين في القطاعين المدني والعسكري، وفي مايو 2026 قدمت منحة مشتقات نفطية بقيمة 150 مليون$.
وتجاوز الدعم الاقتصادي والتنموي الشامل لليمن 12.6 مليار$ بين 2012-2026، تمكنت الحكومة خلالها من تغطية اعتمادات استيراد السلع الأساسية، وسد عجز الموازنة، إضافة إلى ذلك، تلقت وزارة الكهرباء دعمًا كبيرًا من مادة الديزل لتشغيل محطات الطاقة في عدن، ودعم طيران اليمنية بوقود المازوت.
هذه المشاريع السعودية المتعلقة بالبنية التحتية، والتي هي على تماس يومي باحتياجات المواطن اليمني، يقابلها نقيضها تمامًا في المشروع الإيراني، المتمثل في الصواريخ والألغام والمسيّرات، والحشد للجبهات، وتطييف المجتمع، وتنشئة جيل طائفي عنصري يحترف القتل والإرهاب، وفقًا لمعطيات العقيدة الخمينية التي لم تستقم معها حياة ولا بناء، لا في إيران ولا خارجها، فإيران ذات السبعة ملايين برميل نفط يوميًّا، والغنية بالغاز والثروات المعدنية النادرة، لا توجد فيها بنية تحتية مكتملة، ولا نصف مكتملة، في كل مجالات الحياة.
إذن، نحن أمام مشروعين متضادين تمامًا في غاياتهما وأدواتهما: مشروع سعودي تنموي إنساني، هدفه بناء الإنسان وعمارة الأرض، وحفظ الهوية وتحقيق الاستقرار، وتحصين الذات العربية من الاستلاب، في مقابل مشروع إيراني تخريبي، يهدم الدولة لصالح بناء الميليشيا، ويتخذ من الطائفية وانقسام المجتمعات وسيلة للهيمنة وإحكام السيطرة، وكأننا أمام مشروعين: الحياة والموت.
الوحدة البنيوية لليمن والسعودية:
حين تنطلق السعودية في رؤيتها تجاه اليمن من حرصها على بقاء جارتها قويةً موحدةً متماسكةً، هي في ذلك تحافظ على وحدة النسيج البنيوي للجزيرة العربية، الذي هي امتداد له، فحرصها على وقف الحرب الأهلية وتفكك مؤسسات الدولة إبان احتجاجات 2011 ورعايتها للمبادرة الخليجية كان ينبع من حرصها على ذلك النسيج الواحد للجزيرة العربية، فاليمن تشترك مع السعودية في روابط من المستحيل فصلها أو تجزئتها، فاللغة والدين والتاريخ والجغرافيا والصلات الأسرية والتأثير الثقافي، ودور القبيلة الواحدة في بقاء جسور التواصل الاجتماعي، وكلتاهما حارستان لأمن واستقرار الجزيرة العربية، فاليمن تحرس البوابتين الجنوبية والغربية، والسعودية تحرس البوابتين الشرقية والغربية والشمالية، وكل استقرار وتنمية في إحداهما ينعكس على الأخرى، وكل تهديد أمني يضر بالضرورة بالدولة الأخرى، فهذه ميليشيا الحوثي حين موّلتها إيران ودربتها على القتال والإرهاب، أضرت باليمن بالقدر الذي أضرت بالسعودية، وقبلها مثّلت القاعدة خطرًا مشتركًا على الدولتين، فاستقرار اليمن يشكل أحد أهم مرتكزات الأمن القومي السعودي والخليجي والعربي، وعلى العرب والخليج تحديدًا الاستثمار في بناء الدولة اليمنية، لضمان استقرار وتنمية بلدانهم، فمصر وحدها خسرت 40% من إيرادات قناة السويس في 2025 بسبب قرصنة الحوثيين في باب المندب، حسب تأكيد رئيس الوزراء المصري إسماعيل مصطفى مدبولي.
ومن منظور الأمن القومي العربي يمثل التسليح المتزايد للجماعة الحوثية تهديدًا لاستقرار المنطقة؛ لأنه تسليح بيد جماعة لا تمتلك قرارها، وتسعى إلى تحويل الأمن الإقليمي إلى ورقة تفاوضية بيد إيران، من خلال إعادة إنتاج دورات الصراع كلما اشتدت الضغوط أو الهجمات العسكرية الغربية على إيران، وهذه حالة يتعاظم خطرها كلما اقتربت حدود الدول من أماكن تواجد ميليشيات إيران، فالكويت والأردن تشعران بالقلق بسبب كم ونوع السلاح بيد الميليشيا العراقية التابعة لإيران، وسبق لحزب الله اللبناني أن ارتكب مجازر مروعة في سوريا، راح ضحيتها أكثر من 600 ألف سوري، ولجوء ستة ملايين في الخارج، والسعودية عانت ولا تزال من هجمات وقرصنة ميليشيا الحوثي الإيرانية.
وتستدعي طبيعة النسيج البنيوي الواحد للجزيرة العربية، خاصة اليمني السعودي، ضرورة الإسراع في حسم المعركة الوجودية مع الحوثي؛ لأنها ليست معركة تَرَفِيَّة، ولا يوجد ترف الوقت، كما لا يوجد في سيرة الحوثي ما يشير إلى التزامه بأي ميثاق شرف أو اتفاق مع أحد، بمعنى آخر ستواصل الجماعة الحوثية مسيرتها في تفكيك النسيج العضوي لليمن والخليج، وتوفير كلّ مهددات الاستقرار في البر والبحر، وستختلق المبررات والأسباب من أجل استمرار دورها الوظيفي المحدد من طهران.

شارك هذا المقال
د عارف أبو حاتم

د عارف أبو حاتم

مستشار وزير الإعلام

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

سامي الكافسامي الكاف23 أغسطس 2026
المنبر اليمني
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026