المنبر اليمني
الانتهاكات الحوثية بحق العلماء والدعاة ومنابر التوحيد ومحاضن العلم الشرعي
مقالات

الانتهاكات الحوثية بحق العلماء والدعاة ومنابر التوحيد ومحاضن العلم الشرعي

ش.عبدالله النهيدي

ش.عبدالله النهيدي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

27 سبتمبر 2026٠ قراءة
حجم الخط

لا يوجد أمر عاداه الحوثيون كمعاداتهم للمعرفة، وما يمت للمعرفة بصلة، من محاضن وأماكن ومناهج ورموز... إلخ، ولذلك كانت مراكز العلم، ودور التحفيظ، والجامعات، والمكتبات هي صاحبة الحظ الأوفر من الحرب والتجريف، وليس ذلك بغريب على جماعة تُقَدِّس أجهل الناس كرمز، وأغباهم كقائد، وتستخدم الجهل كأكبر وقود في حربها، وهي بالمختصر حرب الجهل والظلام، ضد العلم والنور.

بدأت الحرب بدماج، ولم تنتهِ بمدرسة تحفيظ في أقصى نقطة سيطرة لجماعة الكهف، وهي مستمرة، وما ناله سِلْك المعرفة من تجريف على يد الجماعة يفوق الخيال. وكتجريف ممنهج طال كل ما يمت للعلم والعلماء بصلة، ظلت الجماعة تعمل ليلًا ونهارًا على قَدَمٍ وساق، طيلة فترة سيطرتها، وكلما دخلت إلى منطقة، كانت المساجد والمدارس والمراكز والجامعات هي الهدف الأول لها.
والهدف الأول والأخير هو بقاء الشعب اليمني في حالة لا وعي ليسهل التحكم به، بل ويسهل تعبئته كوقود للحرب التي أصلوها، ولن يبقوا إلا ببقائها، وسارت مسألة تجفيف المعرفة، ثم تجريفها بوتيرة مستعرة، وتمثلت في:
إسقاط رمزية العلماء: 
يُعرف أهل اليمن بعاطفتهم القوية تجاه الرموز الدينية أو غير الدينية، ويحملون لمن يتبعونهم إجلالًا فوق مستوى العاطفة والتأثر، وهم ألين قلوبًا وأرق أفئدةً، فكيف إذا كانت هذه الرموز من أهل العلم والدين والصلاح والنفع؟ ولذلك حرص الحوثيون من أول يوم على إسقاط رمزية العلماء في قلوب الناس، لكي يتسنّى لهم رفع رموزهم هم، وعدم مزاحمة العلماء لرمزية سيدهم الذي يفتقد لأبسط وأدنى مقومات التأهل والترميز، ولذلك كان هجومهم على العلماء ومساجدهم ومراكزهم هو الهدف الأول لهم منذ أول يومٍ خرجوا فيه من كهوفهم؛ سُجن عدد كبير من العلماء، وصودرت مكتباتهم، ومُنعت كتبهم من التداول بين الناس.
وإخلاء الساحة من العلماء والدعاة يصب في هذا الهدف، بل ومن أبرز وسائل الإسقاط لديهم، تصدّر الجهلة وذوي السوابق للكلام في حضرة علماء أجلاء، وفي حادثة تهجمهم على مكتب الشيخ المسن رمز اليمن الكبير في العلم والفتوى، فضيلة الشيخ محمد بن إسماعيل العمراني، ومظاهر الاستفزاز التي رافقت دخولهم إلى مكتبه، وطريقة كلامهم معه من غير أدنى احترام، لا لشيبته ولا لمكانته، ظهروا متجردين من كل القيم والأخلاق، وكأنهم يقولون: لا قدسية ومكانة لأحد غير سيدهم ومن يُسَبّحُ بحمد سيدهم.
تهجير العلماء وقتلهم وسجنهم:
يعيش أغلب علماء ودعاة اليمن خارج اليمن، وفي بعض المحافظات المحررة، ولا يأمن أي عالم على نفسه ما لم يتواطأ معهم كليًا، وإلا فهو عرضة للسجن، أو المضايقة، أو القتل كما حصل لعدد من العلماء وطلاب العلم الذين تمت تصفيتهم، أو تعذيبهم حتى الموت في السجون الحوثية، بل إنّ الأمر وصل إلى من وقَّع معهم وثائق احترام وتتارك؛ إذ لم يسلم منهم لا شخصه ولا منبره، ويفرضون عليه الخطباء الجهلاء والأئمة الأميين، والاستفزاز المتعمد والمستمر له، وبلغ عدد ما صودر من مساجد تابعة لمركز الحديث بمعبر أكثر من مئة وستين مسجدًا.
إغلاق المراكز الشرعية:
تعرّضت أغلب -إن لم تكن كل- المراكز والجامعات الشرعية، ودور التحفيظ والمساجد، لعدة انتهاكات، منها: الهجوم المسلح، والتفجير، والتدنيس، واتخاذها ثكنات عسكرية، أو مستودعات أسلحة، أو مقرات عسكرية، أو مأوى لعناصر الحركة الحوثية، ومقائل قات و(لوكندات) نوم، في استفزاز صارخ لثقافة الشعب اليمني المحافظ، وهويته الدينية، وظهرت صور ومقاطع تدنيس متعمدة لهذه الأماكن المقدسة بقداسة العلم، والمحرمة بحرمة العلماء، وما لم يُعتَدَ عليه بالتفجير والمصادرة، اعتُدِيَ عليه بالإغلاق أو الإهمال، وفي تقرير لمنظمة تمكين: (وثق التقرير تحويل 491 مسجدًا إلى ثكنات عسكرية، واستخدام 114 مسجدًا غرفًا للعمليات، و902 واقعة اعتداء وتدنيس وتحويل مذهبي، ومصادرة 832 مكتبة مسجد، والاستيلاء على 151 مرفقًا وسكنًا ووقفًا دينيًّا، إلى جانب حالتي سب وتشهير مباشر).
أئمة وخطباء المساجد:
من العجيب أنّ وزارة الأوقاف التابعة للحكومة الشرعية لا توجد لديها إحصائيات موثقة عن جرائم الحوثيين بحق المساجد، والمراكز العلمية، والدعاة والعلماء، وقد قامت منظمة تمكين بدور إيجابي في هذا المجال لكنه غير كافٍ، وهناك جرائم أكبر مما ذكر في التقرير بكثير، ومما جاء في تقرير منظمة تمكين: (تقرير حقوقي تراكمي تحت عنوان: "دماء الأئمة وخطباء المساجد والأقليات الدينية في اليمن شاهد حي على جرائم مليشيا الحوثي" يوثق 4,651 جريمة وانتهاكًا ارتكبتها مليشيا الحوثي خلال الفترة من 1 يناير 2014 حتى 21 أغسطس 2026، في 14 محافظة وأكثر من 200 مديرية).
تمثلت انتهاكات الميليشيات الحوثية الإرهابية بحق الأئمة والخطباء بعدة طرق، منها الإحلال لعناصر حوثية مكان خطباء وأئمة كانوا على منابرهم عشرات السنوات، ثم يفاجئون بتغييرهم، وفرض عناصر ميليشاوية مكانهم ممن لا يجيدون حتى القراءة والكتابة، ولا يمتون للعلم والتدين بصلة، وكانت نتيجة ذلك كما جاء في تقرير منظمة تمكين: (مقتل 311 إمامًا وخطيبًا، وإصابة 231، واختطاف واحتجاز 679 شخصًا، بينهم 143 ضحية تعرضوا للتعذيب و13 توفوا تحته، إضافة إلى فرض 938 إمامًا وخطيبًا مواليًا للمليشيا بالقوة - من تقرير منظمة تمكين الصادر حديثًا)، وهذه الإحصائية تقريبية؛ لكون كثير من الخطباء والأئمة لا يُبلّغون عن انتهاكات الجماعة ضدهم، ومنهم من يخاف تبعات التبليغ، ومنهم من لا يملك ثقافة حقوقية تدفعه للمقاضاة الحقوقية، أو التبليغ للمنظمات والجهات المسؤولة.
حلقات التحفيظ:
تم إغلاق جميع ما يمت لدور التحفيظ بصلة تقريبًا، وما بقي منها هو مجرد أنشطة ضعيفة يصورونها للاستهلاك الإعلامي، وأنهم يقبلون تعدد الآراء ولا يقمعون من يخالفهم، وهذه أسطوانة ممجوجة، مَلَّ الناس من سماعها وتكرارها، في حين وصل بهم الحال إلى ملاحقة أنشطة تحفيظ عائلية، ومداهمة الزينبيات لمن يشتبهون بوجود حلقة تحفيظ في بيته، حتى أصبحت حلقة التحفيظ جريمة يعاقب عليها الحوثيون بتفجير البيوت، وانتهاك الحرمات، ومصادرة الأملاك من المسيرة المسماة زورًا بالقرآنية، وهي المحارِبة للقرآن وأهل القرآن.
منع أي أنشطة لا توافق منهج ميليشيا الحوثي:
كل نشاط لا يخدم توجه الميليشيات يُمنع، ولو كان مدرسة تحفيظ للقرآن الكريم، إنه تعطيل شبه تام للحياة العلمية في صنعاء وأماكن سيطرة الميليشيات، والاكتفاء بتدريس ملازم حسين الحوثي، ثم الزج بملتحقي الدورات الحوثية إلى خط المواجهة الأول، ولذلك رحلت العقول ورحلت معها جميع متطلبات تنمية العقول من اليمن؛ رحل العلماء، والمفكرون، والكتاب، والصحفيون، ورحل الأدباء والشعراء، ورحلت المكتبات ومراكز الفكر والدراسات، ورحلت المعرفة عمومًا، حتى إنك لا تجد في اليمن أي أنشطة معرفية أو بحثية، أو ندوات ومؤتمرات، إلّا ما وافق هوى الجماعة وسبّح بحمدها، ومن أغرب الأنشطة التي أقيمت في صنعاء، أن أميًا عقد ندوة نقاش لمحاكمة المتنبي والبردوني، ويا موت زر إنّ دهرك باطل.
العزوف الكلي عن التعليم:
بعد تحويل المدارس والجامعات إلى ثكنات عسكرية ومساكن ميليشاوية، حدث أخطر ما يمكن أن يتخيله أحد في اليمن، من تجهيل متعمد وتنفير مقصود عن التعليم، ثم سار البلد بسرعة جنونية نحو الجهل؛ عادت الأمية من جديد، وحصل عزوف غير طبيعي عن التعليم بكل مستوياته، وتشرَّد ملايين الطلاب من المدارس، وحصل شبه توقف عن التعليم، بدءًا من حرمان المعلم من راتبه، واستخدام الوظيفة للولاء، وأصبحت حتى الجامعات خاوية على عروشها، وأغلب المؤهلين الذين أنفقت عليهم الدولة أموالًا طائلة أصبحوا مشردين في أصقاع الأرض، حتى إن جامعة من جامعات اليمن سجلت أقل من خمسين طالبًا في إحدى السنوات، وهو ما يكاد يساوي عدد طلاب فصل دراسي في أي دولة أخرى، وفي إحدى الكليات كان العدد لا يتجاوز عشرة طلاب، وهذه هي أخطر معركة يخوضها اليمنيون في العصر الحاضر، معركة مواجهة التجهيل المتعمد والممنهج من قبل ميليشيات لا تعترف بالتعليم، ولا ترى فيه أي مصلحة لليمنيين، من أجل البقاء في دائرة الولاء الأعمى للجماعة وسيدها الأجهل.
إغلاق المكتبات:
من أكبر الجرائم التي تؤدي إلى أقسى العقوبات لديهم، أنْ يجدوا بحوزة أحدهم كتبًا؛ فأُحرقت كثير من المكتبات، ونُهبت مكتبات عريقة دفع فيها أصحابها دم قلوبهم ودقائق أنفاسهم عشرات السنين في جمعها وتحصيلها، وكانت مأوى الباحثين على مر السنين؛ فنهب منها ما نهب، وبيع على الأرصفة منها ما بيع، وأُحرق ما أُحرق، وهناك مقاطع توثق ذلك في الشبكة العنكبوتية، وهذا في المكتبات القرائية الخاصة والعامة، أما دور النشر ومكتبات البيع، فهي كذلك طالها التجريف، وتوقف منها ما توقف، ورحل منها ما رحل، وتوقّف معرض الكتاب الذي كان يشكِّل تظاهرة ثقافية سنوية، يحتشد لها الناس كل عام، ويستعد له طلاب العلم كل الاستعداد.
ومنذ دخول الميليشيات إلى صنعاء حصل توقف كلي لكل معرفة، ولكل ثقافة، ولكل إبداع، وأصبحت صنعاء مقبرة من مقابر المعرفة والثقافة والعلم، ولم يبقَ فيها سوى رائحة الموت وصوت الرصاص، يستوحش فيها السالك وسط النهار، فلم تعد صنعاء الشوكاني والعمراني ولا ابن الوزير وابن الأمير، ولا هي صنعاء المقصودة للرواية والدراية، ولا هي صنعاء المعروفة بقاعات العلم وحلقات الدرس، ولم يعد العمراني يُسمع في مساجدها، ولا الأكوع يُرى في مكتباتها، ولا خطباؤها هم الخطباء، ولا قراء مساجدها هم القُرّاء.


شارك هذا المقال
ش.عبدالله النهيدي

ش.عبدالله النهيدي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

وحدة القرار السياسي والعسكري في معركة الخلاص
مقالات

وحدة القرار السياسي والعسكري في معركة الخلاص

الخلاص من الحركة الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران هدف منشود يتفق عليه أهل اليمن قاطبة، ما عدا الفئة القليلة المنتفعة من بقائها ولها مصالح معها، والظروف الراهنة للخلاص منها داخليًا وإقليميًا ودوليًا مواتية أكثر من ذي قبل، وذلك بسبب ما وصلت إليه الأوضاع في اليمن، وعلى المستوى الإقليمي والدولي من تهديد للملاحة في البحر الأحمر، والتعدي على المملكة العربية السعودية الشقيقة مما يهدد أمن المنطقة.

د مراد القدسيد مراد القدسي27 سبتمبر 2026
علماء اليمن في بيان تاريخي حاسم مواجهة العدوان الحوثي واجب شرعي وإسقاط الانقلاب مسار لا رجعة عنه
مقالات

علماء اليمن في بيان تاريخي حاسم مواجهة العدوان الحوثي واجب شرعي وإسقاط الانقلاب مسار لا رجعة عنه

صدرت المكونات العلمية والدعوية في برنامج التواصل مع علماء اليمن بيانًا حاسمًا يتعلق بالمعركة المحتدمة بين اليمنيين وميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، أكدت فيه الموقف العُلمائي الفقهي والشرعي الثابت إزاء المعركة التاريخية في اليمن، ووجوب اصطفاف اليمنيين مع ولاة الأمر لاستعادة مؤسسات الدولة، وحسم المعركة، وإنهاء معاناة اليمن واليمنيين.

أحمد اليفرسيأحمد اليفرسي27 سبتمبر 2026
دور العلماء والدعاة في معركة الدفاع عن العقيدة ومواجهة الحوثي
مقالات

دور العلماء والدعاة في معركة الدفاع عن العقيدة ومواجهة الحوثي

حين تُستخدم العقيدة في صناعة الولاء السياسي، تصبح حماية الوعي الديني مسؤولية العلماء والدعاة قبل غيرهم، وليست كل المعارك تُخاض في ساحات القتال وحدها، ولا كل الانتصارات تُقاس بعدد المواقع التي تُستعاد، أو المساحات التي تتغير خرائط السيطرة عليها في الحروب، بل هناك معركة أكثر عمقًا وأطول أثرًا؛ ألا وهي معركة الإنسان مع عقله ووعيه، ومع فهمه لدينه وتاريخه وهويته، وقدرته على التمييز بين العقيدة التي توحّد الناس، والمشروع السياسي الذي يحاول توظيفها لمصلحة جماعة أو أسرة أو سلطة.

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري27 سبتمبر 2026