غير أن القراءة المتفحصة والمجرّدة للنصوص الدستورية النافذة، والتفتيش في معطيات الأرقام الميدانية، والتدقيق في واقع الجغرافيا اليمنية، تُظهر بما لا يدع مجالًا للشك أن الحصار الحقيقي المفروض على الشعب اليمني ليس صادرًا من خارج الحدود، بل يدار ويُنفذ من قلب مناطق سيطرة الانقلاب الحوثي عبر منظومة متكاملة من الجبايات والألغام والتعطيل الممنهج لمؤسسات الدولة.
الحوثي وحديثه عن الحصار
في 16 يوليو 2026م ظهر الحوثي بخطاب تكفيري وإعلان حرب، وتبعه بيان لقوات التعبئة، وبيانات لاحقة للحديث عن حصار جوي وبحري على اليمن، وهددوا بإغلاق باب المندب وحظر الملاحة في البحر الأحمر على المملكة العربية السعودية.
يقدم الحوثي نفسه وجماعته بهذا الخطاب بأنهم الممثل للشرعية الدستورية والقانونية، لكن هل سيطرة الحوثي على صنعاء وأجزاء من المدن الشمالية تعطيه حق الحديث باسم اليمنيين عن سيادة اليمن لأجوائها ومياهها؟
في 2013 توصل اليمنيون إلى وثيقة نهائية وقَّعوا عليها بعد نقاشات في مؤتمر الحوار الوطني وحددت إجابات واضحة، من يحكم؟ ومن يحق له أن يحكم؟ وكيف يحكم؟ والطريقة التي يصل بها إلى الحكم، لكن الحوثي اتخذ طريقة أخرى خارجة عن الإجماع اليمني. فبينما أرسل فريقًا للحوار الوطني كان الحوثي وخلفه الحرس الثوري الإيراني يخوض حربًا في الشمال حتى وصل إلى محيط صنعاء وانقلب على السلطة الشرعية وخرج عن الإجماع اليمني وسيطر على مؤسسات الدولة بقوة السلاح.
وبلغة دستور الجمهورية اليمنية، يعد الحوثي جماعة متمردة وليس له حق سيادي أو قانوني، لأن السيادة حصر للدولة المؤسسية ذات التمثيل الشرعي، ولا تُمنح لكيانات موازية نشأت عن طريق الانقلاب المسلح واغتصاب السلطة بالقوة.
وتُرسخ المادتان (1) و (2) من الدستور اليمني النافذ مبدأ صارمًّا يقضي بأن الجمهورية اليمنية دولة واحدة ذات سيادة كاملة وغير قابلة للتجزئة، وأن السيادة فيها هي ملك للشعب وتتولاها مؤسسات الدولة الرسمية، وتشدد على عدم جواز التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة أو من سلطاتها السيادية لأي طرف كان. وتكتمل هذه المنظومة الشرعية عبر قوانين تخصصية صريحة، حيث يحدد قانون الموانئ البحرية رقم (23) لسنة 2013 وقانون البحار رقم (37) لسنة 1991م أن إدارة الموانئ والمجالات البحرية والجوية والرقابة عليها هي صلاحيات سيادية حصرية للحكومة الدستورية المعترف بها دوليًّا وللمؤسسات الرسمية التابعة لوزارة النقل والجهات الأمنية والعسكرية التابعة للدولة.
أما على المستوى الدولي، فالقرار رقم 2216 الصادر عن مجلس الأمن الدولي تحت البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة يشير بجلاء إلى المرجعية الحصرية والوحيدة للحكومة اليمنية الشرعية إذ يطالب القرار ميليشيا الحوثي بالانسحاب الفوري وغير المشروط من جميع المناطق التي تسيطر عليها بما فيها العاصمة صنعاء والتخلي عن الأسلحة والمعدات التي نهبتها من مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية.
وتأسيسًا على المبدأ القانوني اليمني والدولي الذي يقر أن الأفعال غير المشروعة وانقلاب الحوثي العسكري لا يمكن أن ينتج حقوقًا قانونية أو مراكز سيادية، فإن جماعة الحوثي تُعد في الدستور اليمني للدولة ميليشيا انقلابية. وعليه فهذه الجماعة تفتقر إلى أي سند دستوري أو أهلية قانونية تخولها الحديث باسم الشعب اليمني أو إدارة السياسة الخارجية أو الادعاء بوجود حصار على اليمن.
هل نحن مُحاصرون فعلًا؟
اكتسب الحوثي خبرة من الحرس الثوري في إيجاد المبررات قبل قرار سلوكه احتلال المدن أوبدء معارك محلية أوعابرة للحدود لكن دوافعه مختلفة تمامًا.
انخرط في هجمات السفن في البحر الأحمر بمبرر إسناد غزة ودفع اليمنيون ثمنها باهظًا بقصف ميناء الحديدة وتدمير أربع طائرات من طيران الناقل الوطني (اليمنية) في مطار صنعاء ومنشآت الدولة وتدهور وضع الناس المعيشي، لكن دوافع الحوثي الحقيقية هي حماية استباقية للنظام الإيراني من حرب أمريكية إسرائيلية حتمية. وهذا ما يحدث حاليًّا بجلاء وذلك بتعرض النظام الإيراني لحرب شاملة.
أرسل النظام الإيراني طائرة في 13 يوليو 2026م تحمل 12 ضابطا من الحرس الثوري إلى مطار صنعاء، إلا أنها لم تهبط بفعل اعتراض القوات الجوية اليمنية لها؛ فهبطت في مطار بالحديدة. ومن بعد ذلك أعلن الحرس الثوري بلسان الحوثي عن وجود حصار على اليمن جوًّا وبحرًا، وردًا على ذلك دشن هجماته على السفن في البحر الأحمر بحجة الحصار، لكن هذه المرة الهجمات ليست على السفن الإسرائيلية التي دمرت الطائرات اليمنية وحرمت اليمنيين من السفر، ولكن على سفن المملكة العربية السعودية. هذا كله مبرر لتدشين حرب حمائية لإيران وذلك بتخفيف الضغط العسكري الأقصى عنها، أما محليًا فهي فرصة للتخلي عن مسؤوليته تجاه جوع الناس وإشغالهم بدورة جديدة من الحرب بالوكالة.
هل ميناء الحديدة محاصر من استقبال السفن التجارية؟
يستقبل ميناء الحديدة بشكل متواصل سفن البضائع، إضافة إلى سفن أخرى وصلت إلى ميناء رأس عيسى، بينما استمرت السفن النفطية بالتدفق دون انقطاع، وخلال أسبوعين من مطلع شهر يوليو، وبحسب مصدر في ميناء الحديدة لـ مجلة المنبر اليمني، وصلت إلى الميناء سفن تجارية وأفرغت حمولتها بالآتي:
GOZO: 23,268 طن من الحديد.
BR BROTHER: 9,369 طن من الحديد.
LORD H: 9,300 طن من الأرز.
M K LAMIS: 6,953 طن من الأرز.
SAFFRON: 26,400 طن من القمح.
BELLA A: 6,500 طن من الأسمنت الأبيض.
وتؤكد تقارير آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش أن موانئ البحر الأحمر الخاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي تستقبل شحنات النفط والبضائع التجارية بشكل منتظم دون أية عوائق سيادية، حيث تضاعفت نسبة نمو الواردات لتتجاوز 150% مقارنة بالفترات السابقة للهدنة.
أما السبب الحقيقي في ارتفاع السلع فيعود إلى التصعيد العسكري الحوثي في البحر الأحمر وخليج عدن، والذي تسبب في فرض شركات التأمين الدولية تحت مسمى رسوم مخاطر حرب إضافية وصلت إلى نحو 3,000 دولار أميركي لكل حاوية شحن، وهي تكلفة يُجبر المستهلك اليمني البسيط على دفعها من قوته اليومي.
بالإضافة إلى ذلك، فرضت الميليشيا حصارًا جمركيًا واقتصاديًا داخليًا عبر استحداث نقاط جمركية شطرية بين المحافظات، مثل منافذ: عفار بالبيضاء، وبذمار، ومنافذ تعز والجوف. وتفرض هذه النقاط رسومًا جمركية وضرائب مزدوجة بنسبة 100% على البضائع القادمة من الموانئ المفتوحة والمناطق المحررة كعدن والمكلا، إلى جانب تحصيل الخُمس بمسميات أخرى مما رفع أسعار السلع الأساسية إلى مستويات تقع فوق قدرة المواطنين الشرائية.
الحصار الحقيقي للشعب
بينما تروج الميليشيا في خطابها الموجَّه للخارج بسردية الحصار الخارجي فإنها تطبق على الأرض حصارًا حقيقيًّا على اليمنيين في الداخل.
شوارع صنعاء الأكثر تجمعًا سكانيًّا في اليمن مليئة بالمتسولين ورغم عدم توفر إحصائيات بأعداد المتسولين لكن لم يسبق أن شهدت العاصمة هذا العدد الهائل من المتسولين خاصة مع توقف شبه تام لحركة البناء والعقارات والتي يعتمد عليها العمال الذين يمثلون الفئة الأكثر عددًا في اليمن إلى جانب وقف الحوثي للمخصصات المالية لموظفي الدولة خلال الأشهر الستة الماضية وتحويل المخصصات المالية لقوات التعبئة التي استحدثتها مؤخرًا.
كما حولت الجماعة مناطق جغرافية واسعة إلى أحد أكبر حقول الألغام العشوائية في التاريخ الحديث، إذ زرعت أكثر من مليوني لغم وعبوة ناسفة مموهة ومحرمة دوليًا في القرى، والمزارع، والطرقات العامة. وتصدرت محافظات الحديدة، تعز، ومأرب إحصائيات الضحايا المدنيين، حيث أدت الألغام إلى تعطيل الحياة الاقتصادية وحصار المزارعين والرعاة ومنعهم من الوصول إلى مصادر رزقهم.
وعلى الرغم من فساد المنظمات الإنسانية الدولية في اليمن، إلا أنها كانت تسهم في توفير مستلزمات أساسية للمحتاجين، مع ذلك اعتقل الحوثي العاملين وصادر ممتلكاتهم، وقررت منظمات أخرى مثل برنامج الأغذية العالمي تعليق برامجها الإغاثية بعد أن نهب الحوثي المساعدات الغذائية وحوّلها لصالح قيادات الميليشيا أو قام ببيعها في الأسواق.
بفعل هذا النهج الحوثي يشعر اليمنيون تحت سيطرة الحوثي بمعاناة معنوية ومادية حقيقية، ويفتقرون إلى الإفصاح عن هذه المعاناة وإعلانها بوجه الحوثي. ورغم أن اليمنيين تمكنوا من التكيف مع الحياة القاسية والحروب لكنهم لم ينجحوا في إخبار العالم كيف أنهم يعانون من سلطة الإفقار الحوثية.
الخلاصة: الحوثي تمكن من تصدير صورة الضحية للخارج لكنه عجز عن إخفاء حقيقته وجماعته داخل اليمن. ولا يمكن له بعد سنوات من مصادرة أموال المدرسين وموظفي الدولة وزرع الألغام وإغلاق الطرقات ونهب المساعدات وفرض الجبايات التضليل على اليمنيين بأنه يقاتل من أجل رفع الحصار عنهم. فالحصار الحقيقي هو ما يقوم به وجماعته على اليمنيين. وكلما استمر بربط اليمن بمعارك النظام الإيراني والحرس الثوري ازداد اليمنيون عزلة وفقرًا.