وتتجلى أهمية هذا الفقه في واقع اليمن؛ حيث أدى امتداد الصراع إلى تعدد مراكز القوى والانتماءات والألوية والخطابات، والحركة الحوثية هي من تولت كِبْرَ هذه التحولات.
فالحوثي يعدّ الإنسان اليمني شيعيًّا له وجنديًّا مسخرًا لحمايته ورافعًا لرايته، مع أنه لم يسخَّر الإنسان لسليمان عليه السلام الذي سخر له الجن والإنس والطير، حد تعبير المحطوري، يضحي بهم في كل سهل وجبل، فالدم من رأس القبيلي لا من رأس قائده، كما قرر ذلك بعض أسلافهم، ميتُهم من المجاعة شهيد ومن كتبت له حياة فهو عتيق، فإن تكرموا عليه فبدفنه، وتعليق صور استشهاده.
ولا تؤرقه على مستوى المعيشة المجاعة الواقعة، واضطرار الجوعى لأكل أوراق الشجر، ولا يهمه فقر الملايين، ولا يرى في ثروات ومقدرات اليمن إلا غنيمة خالصة له من دون الناس، يتمتع بها ويمول بها حروبه، وما في أيدي الناس من المال تنتهبه الجبايات والمناسبات المختلفة التي تقضي على الأخضر واليابس.
ثم لا مستشفيات تُبنى، ولا طرق تُعبّد، ولا مدارس وجامعات ومرافق حكومية تبنى، فالبناء والتنمية خارج حساباته، فتخصصه الهدم، والتسبب في هدمها بجعلها ثكنات ومتارس تستدعي الاستهداف.
وعلى مستوى العلاقات الدولية فقد جعل اليمن في عزلة دولية؛ لكونهم ملــيشيات لا تلتزم بنظم، ولا تعمل بقوانين، ولا تراعي مواثيق.
أولويات المعركة
والأولويات التي توحِّد الصف وتستدعي المواجهة مع الحركة الحوثية كثيرة، لكن أولى الأولويات لاستجلاب النصر وأقرب الطرق لكسبه هي نصرة دين الله وشرعه، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ﴾ [محمد: 7]، وتحقيق الصلاح كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، على أن الجهاد المحمود المفروض على المسلمين هو: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. يقول الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-: (وإذا كنت تقاتل لوطنك؛ فأنت والكافر سواء، لكن قلت لتكون كلمة الله هي العليا، ممثلة في بلدك؛ لأن بلدك بلد إسلام؛ ففي هذه الحال يكون القتال قتالاً في سبيل الله) شرح رياض الصالحين (1/ 34).
وأولى مهمات القيادة الشرعية اليمنية أن تكون في الساحة؛ منها توجه، وفيها تحل، وبها يستعين الغازي، وإليها يتحيز المنهزم ويعيد التموضع والترتيب، ومن أولى مهمات الجنود الرسميين وحشود المتطوعين السمع والطاعة لهم، والالتفاف حولهم، وتقدير الظروف التي يعملون فيها، والضغوط الأممية التي تحكم وتتحكم في كثير من قراراتهم، وفهم طبيعة المرحلة التي يعيشها اليمن.
وعلى مستوى أسود الميادين وفرقاء العمل يجب التعاون وحسن الظن والحمل على أحسن المعامل والتماس المعاذير، كما قال تعالى: {لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا} [النور: 12]، ويلزم ترك التخوين وكيل التهم، فليس كل انهزام عمالة، ولا كل تراجع خيانة، وليكونوا جميعًا كالجسد الواحد، يقاتلون صفًّا كالبنيان المرصوص. إن التلاحم الذي ننشده ليس مجرد خيار سياسي، بل هو واجب ديني مقدس والتزام وطني وثيق لا يقبل المساومة، والتفريط فيه خيانة للدين وبيع للوطن وإهدار للكرامة، وفي مقابل وحدة القيادة للعدو يجب أن يتحد قادة الألوية والفصائل، وأن يكون لهم غرفة عمليات مشتركة، وأن يستغل تعدد ألويتهم في تقاسم الأدوار وتحمل المهام الجسام، مستحضرين قول أبي هريرة رضي الله عنه بلغة حمير يوم الدار: (هذا يوم طاب امضرب [الضرب]) يعني أنه حل القتال. تاريخ الطبري (4/ 389).
ومن الأولويات في المواجهة الانتقال من مربع الدفاع إلى الهجوم، فلا ينبغي أن يكون الحوثيون الأجرأ على المواجهة. ومما لا ينقضي منه العجب ولا يدرك من ورائه السبب أن الحوثي هو الذي يحدد زمن المعركة ومكانها، ثم يستفرد بالجبهات جبهة جبهة، والبقية في انتظار الدور، كما كان المسلم ينتظر المغولي حتى يذهب فيأتي بالسكين ليذبحه.
أولويات الإعلام في المعركة
وعلى مستوى الإعلام ورواد وسائل التواصل فالأولوية هي لبث روح التفاؤل بين الناس، ورفع المعنويات، فالدعم النفسي لا يقل أهمية عن الدعم اللوجستي، والمدد بالمال والرجال، وعليهم التثبت من الأخبار قبل نشرها، وعدم تحويل الشائعات إلى وقود للصراع، وتجنب المجاورين المرجفين الذين يوضعون خلالنا يبغوننا الفتنة بالدعوة إلى العصبيات الجاهلية، والفراغ القاتل للمولعين بالعاجل، المنظّرين خلف الشاشات يفت في عضد المتابعين، ولا بد من المعالجة واقتراح الحلول، فبعد غزوة المريسيع، وعلى إثر دعوة للعصبية: (يا معشر الأنصار - يا معشر المهاجرين) مشى النبي صلى الله عليه وسلم بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح، وصدر يومهم ذلك حتى آذتهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض، فوقعوا نيامًا. فعل ذلك؛ ليشغل الناس عن الحديث.
وبالنسبة للخلافات الجارية فليس كل ما يعده الناس خلافًا هو في نفسه خلافٌ، وليس كل خلاف معتبرًا، وليس كل خلاف معتبر يستلزم الفرقة والمفاصلة، وليست كل مفاصلة جائزة في حالة السعة تجوز في حالة الاضطرار.
وأخيرًا: فقه الأولويات لا يلغي الخلاف، ولكنه يمنع الخلاف من أن يتحول إلى فتنة تستنزف المجتمع وتضاعف آلامه. وقد أحسنت المملكة العربية السعودية -حرسها الله- في جعل ميثاق يوحد الصفوف ضد العدو المبين للجميع الذي يستهدف عقيدتهم وكينونتهم، ولا يرقب فيهم إلًّا ولا ذمة.
وإن مما يجعل توحد اليمنيين أولوية قصوى المكر الكبار لتمزيقهم، فالحوثي حريص على تمزيق النسيج الاجتماعي لليمنيين، وزرع ألغام الفرقة في أوساطهم، وتكريس الطبقية بين عشائرهم، وضرب بعضهم ببعض؛ ليسهل عليه تطويق أعناقهم وإحكام القبضة عليهم، شعارهم قول جدهم أحمد بن سليمان:
فَلَأَضْرِبَنَّ قَبِيلَةً بِقَبِيلَةٍ ... وَلَأَجْعَلَنَّ دِيَارَهُنَّ نَوَاحَا
وفي ظل توظيف العصبيات عند الحوثي للتعبئة يجب تذويب جليد العصبيات، فنستنهض الشعب اليمني للمواجهة بكل أطيافه ومناطقه، من الشمال والجنوب، والهضاب والسهول، والمناطق الوسطى وتهامة، والسواحل والصحاري.