وهذا الشعار الذي أصبح أيقونةً للتجاوز القيميّ والقانونيّ والعقليّ جعله الحوثيّون مادة اصطفافٍ لهم، يختزلون به كلّ شيءٍ في شعارٍ أجوف فارغٍ من كلّ مضمون، لكنّه يُستخدم مادة للتحشيدٍ والتعبئة، يتجاهل كلّ ما يحتاجه الإنسان من معرفةٍ وتنميةٍ وحقوقٍ إلى صراخٍ يُردّد بصيغةٍ جماعيّةٍ تلغي العقل والمنطق، وتغيّب إنسانيّة الإنسان، فيصبح مادة استهلاكٍ لمشروعٍ لا يحمل للإنسان أيّ رؤية، ولا برنامج، ولا مستقبل؛ بمعنى: لا قيمة له، لا خدمات له، لا حتّى إنسانيّة له.
ومن هنا كانت دلالات الشعار فضفاضة، شعار للشعار، وهلاميّة لا توحي بأيّ رؤية، شعار يتمحور حوله مجموعة غوغائيّة، ترى في ترديدها للشعار أنّها قد قدّمت كلّ شيء، بينما هي في الحقيقة لم تقدّم شيئًا؛ ولذلك قال أحد قادتهم على فضائيّةٍ عالميّة: "هو مجرّد شعار ليس له أيّ حقيقة"، ويقول السفير الأميركيّ الأسبق: "الشعار لا يزعجنا، نحن نتعامل مع أفعالٍ لا مع أقوال". ومن مفردات الشعار يوهمون أتباعهم بالامتلاء الشعوريّ، ويرون في ترديده كسرًا للعدوّ، وعلى قولهم: "قوى الاستكبار العالميّ". لكنّ الشعار حتّى الآن لم يقتل أيًّا من المستهدفين به، وكلُّ ضحاياه هم أبناء اليمن ورجاله الذين حصدت آلة الشعار مئات الآلاف منهم.
المرددون للشعار أكثر خسارة من الرافضين له
الشعارات الهلاميّة فيها إراحةٌ للعقل من التفكير، عدوٌّ مطلق، ترديدٌ مستمرّ، ملهاةٌ يوميّة، في الجامع والجامعة والسوق والقاعة والمحفل...إلخ، بينما قادة الجماعة يتماتعون مع القوى الموجّه لها الشعار في كلّ دهاليز وأقبية السياسة العالميّة، ولا يتحرّجون من السفر عن طريق مطارات العالم، والالتقاء بهم، يقدّمون لهم خدمات البقاء في حربهم على الإسلام والمسلمين مقابل البقاء، ويظلّ الضحايا يقدّمون الصراخ اليوميّ مردّدين شعارًا لا حقيقة واقعيّة له، ووقائع التخادم بين أهل الشعار والمستهدفين من الشعار بشكلٍ يوميّ. والوقود الحقيقيّ لهذا الشعار هم أبناء اليمن، سواءٌ من المعادين للشعار كضحايا قتلٍ وتهجيرٍ وتشريدٍ وتفجير، وهناك إحصائيّاتٌ مرعبة لضحايا الحرب منذ اندلاعها منذ عام 2004م، سواءٌ الحروب الستّ مع الدولة، أو تداعيات الانقلاب في عام 2014م، وحتّى موالين للشعار أصبحوا وقودًا يوميًّا له، يُزجّ بهم في معارك طاحنة ليعودوا ملصقاتٍ ولافتاتٍ، أو يتخلّص منهم بعد استنفاد مصلحة قادة الميليشيات منهم؛ ولذلك دائمًا ما أطالب بإنقاذ الموالين المستغفلين المستغلّين كضحايا يقدّمون قرابين للشعار، لينعم مهندس الشعار بكلّ الامتيازات وهم من يدفع الثمن.
أغلب من والى وردّد معهم الشعار،كانت تضحيته أضعاف أضعاف ممّن اتّخذ منه موقفًا، ووقف بقلمه، أو بسلاحه، محذّرًا منه. وقود معارك الشعار لا تنتهي عند حدّ، وضرب اليمنيين بعضهم ببعض حتّى يفنوا جميعًا، ويصفو لهم الجوّ خاليًّا.
هل ستصدقنا الأجيال في المستقبل أن كل هذا حدث؟
مع الشعار لا توجد مساحة نقاش؛ لأنّ الهوّة واسعة، والمسافة كبيرة، وغير منطقيّ أن يقف معك على طاولة نقاش من يردّد صباحًا ومساءً شعارًا كهذا وأنت الضحية الوحيدة له؛ لأنّ مساحة إعمال العقل منعدمة كليًّا، يستحيل أن توجد أيّ أرضيّة نقاش موحّدة مع من يفجّر دارًا للقرآن الكريم، ثمّ يصرخ: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل. يقتل مسنًّا صائمًا قائمًا بين أطفاله ووسط بيته وفي محرابه ويسيل دمه على مصحفه ثمّ يصرخ: الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل. يكاد المرء يُصاب بالجنون من مثل هذا، ويصعب تصديقه على من لم يشاهد وقائعه وأحداثه، أفكر أحيانًا: هل ستصدّق الأجيال القادمة مثل هذا أم يتّهمونا بالكذب، أو الجنون، أو اللا منطق، لكنّ كلّ ذلك كان موثّقًا بالصوت والصورة، وأحيانًا أقرأ في كتب التاريخ التي رصدت جرائم الرّسيّين في حقّ أهل اليمن واليمنيين بفتاوى عنصريّة بغيضة، ثمّ أقول: لولا أننا شاهدنا اليوم نسخة مطوّرة من هذه الجرائم ووثّقت لما صدّقنا مثل هذه الأحداث، ثمّ أقول: ولعلّ في زمن اللاصورة الماضي كانت هناك جرائم أشدّ وأنكى ممّا شاهدناها اليوم، لكنّها غابت بغياب مادة التوثيق في زمنهم، ولم يبقَ لنا من جرائمهم سوى ما نقلوه هم متفاخرين به، مستطيلين به علينا، بقول إمامهم ومفتيهم: "إنّ الله محاسبني على ما أبقيت في أيديهم، لا على ما أخذت منهم".
تكرار الشعار في المحافل العامّة: مدارس، جامعات، جوامع، واستغلال كلّ نقطة تجمّعٍ ولو حفل عائليّ لترديد الشعار، يجعله مألوفًا، بحيث يصبح المنكر له هو الشاذ، والترديد هو القاعدة؛ وأغرقوا في هذا حتى أصبح مجرّد انتقاد الشعار تهمةً تؤدّي للقتل أو السجن، أو التشريد، وسببًا لنهب أموال اليمنيين ومصادرة جميع حقوقهم بتهمة معاداة الشعار.
الصراخ القسري
الغريب أنّ الشعار أصبح هدفًا في حدّ ذاته، فيجتمعون لترديده، ويردّدونه ليجتمعوا، وتختفي أيّ برامج من أيّ فعاليّةٍ سوى من الشعار، وأصبح مجرّد ترديده إنجازًا يضاهي بناء مدرسة، أو شقّ طريق، أو ترميم مستشفى. وخلال أكثر من عشر سنواتٍ غابت كلّ مشاريع التنمية إلا مشروع الشعار الأجوف.
وقد أصبح حضور حفلات الشعار وترديده أصبح مؤشّرًا ولاء: الشخصيّات العامّة، رجال الدولة، أساتذة الجامعات، رموز المجتمع، يُساقون في مشاهد مزرية خلف صبيان بحركاتٍ غوغائيّةٍ لترديد الشعار، ومن لم يحضر طوعًا يُساق قسرًا، وأصبحت بعض المظاهر مادة ضحكٍ وتندرٍ على أستاذ دكتور جامعيّ أو شيخ قبليّ، أو عالم وتاجر يُساقون زحفًا على بطونهم، أو مشيًا على قناعاتهم وعقولهم، في مناظر مخزية، وارتبطت الحقوق بمدى مراسم الحضور؛ الراتب إن وُجد مرتبط بها، الخدمات تُقدّم أوّلًا للمشاركين في الحضور، الوظيفة تُرهن بمدى الحماس في ترديد الشعار، حتّى أصبح اليمنيّ الذي يعيش تحت سلطة الميليشيات فاقدًا لكلّ معاني الإنسانيّة والحرّيّة إلا ما يُمنحه المشرف من صكوك الولاء المبنيّة على الموقف من الشعار.
المناظر المزرية لقاماتٍ أكاديميّةٍ أو سياسيّةٍ أو قبليّة، كانت تملأ الساحة شهرةً وحضورًا ثمّ أصبحت تزحف وتُقاد في حالة اغتيالٍ نفسيٍّ لهذه الشخصيّات، حتّى غادر اليمن أكثر رجالها على كلّ المستويات؛ غادر المثقّف، وغادر الشيخ، وغادر السياسيّ، وغادر التاجر، وأصبح الوضع مخوفًا مريعًا، خاليًّا إلا من الشعار والمقتاتين عليه.
وصبغ الحياة كلّها بهذا الشعار يعيد هندسة المجتمع اليمنيّ وصهره في قوالب فكريّةٍ دخيلةٍ على المجتمع، واستيراد مفاهيم غريبة على مجتمعنا بدون أيّ مراعاةٍ للاختلاف المجتمعيّ لا مناطقيًّا ولا مذهبيًّا، وإرغام الناس على التخلّي عن قناعاتهم وموروثاتهم الدينيّة والاجتماعيّة، وعادات وتقاليد آبائهم وأجدادهم، وكأنّه لا يوجد في اليمن سوى من يردّدون شعارهم المشؤوم.
سيكلوجية الشعار
التكرار المستمرّ للشعار يرسّخه في الذهنيّة البسيطة، وعندما يولد الطفل وهو يسمع هذا الشعار في كلّ مناسبة، ويقرأه في كلّ مكان يتولّد لديه شعورٌ أنّ هذا هو الأصل؛ فيألفه كواقع، ويشبّ عليه الصغير، ويهرم عليه الكبير، حتّى لربما جاء زمنٌ عُدّ المخالف له هو الشاذّ، ما لم يتدارك اليمنيون خطورة الأمر لإنهاء كلّ أوزار الانقلاب المشؤوم، ومنها الصرخة المشؤومة؛ لأنّ كثرة الترداد تولّد ضغوطًا نفسيّةً لدى المخالف فينهار في لحظةٍ فارقةٍ، وربما أصبح المعترض من أكثر الناس تأييدًا بسبب ما تولّده الضغوط النفسيّة من انهيارٍ نفسيٍّ ومعنويٍّ لدى المخالف، وخصوصًا في ظلّ حملات القمع والإرهاب الحوثيّ الذي لا يتورّع عن استخدام كلّ وسائل الاغتيال النفسيّ للمخالف، بدءًا من الاتهامات الباطلة، وانتهاءً بالتصفية الجسديّة لكلّ من يخالفهم.
غالبًا الأنظمة التي ترفع شعاراتٍ كبيرة غير قابلةٍ للتطبيق تكون على حساب مصالح الناس الخدميّة؛ فالأنظمة القمعيّة التي حكمت بالشيوعيّة والقوميّة كانت شعاراتهم كبيرةً وبراقةً، لكنّها أورثت دمارًا مجتمعيًّا وإنسانيًّا، وحوّلت دولًا بأكملها إلى ما يشبه السجون الكبيرة، وقولبت الناس في قوالب محددةٍ، ونمطيّةٍ مغرقةٍ في اختزال الإنسان كسلعةٍ قابلةٍ للتشكّل حسب أمزجة الحاكمين بأمرهم، وهو ما نراه اليوم في تجّار الشعار الحوثيّ؛ حيث ظهرت الشعارات والصراخ بدلًا من الخدمات، وسيطرة عقليّة الصوت العالي على عقليّة العقل المنتج، ولم يعد هناك أيّ تنميةٍ أو تعليمٍ أو صحّة، وغاب الإنسان غيابًا كليًّا عن المشهد، فأصبحت مناطق سيطرة الميليشيات عبارةً عن سجنٍ كبير، لا تنوّع ثقافيّ، ولا تنمية بشريّة، ولا تقدّم اقتصاديّ، ولا تطوّر خدماتيّ، وكلّ يومٍ بل كلّ ساعةٍ يتراجع اليمن سنينًا إلى الوراء. وإلى الله المشتكى.