المنبر اليمني
مدينة تريم تاريخ عريق وريادة علمية
معالم وأعلام

مدينة تريم تاريخ عريق وريادة علمية

د طه حسين هديل

د طه حسين هديل

مستشار ثقافي بسفارة اليمن في الرياض

18 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

شهدت منطقة حضرموت الواقعة في شرق اليمن قيام العديد من المدن العتيقة ذات التاريخ العريق التي جمعت بين القِدم والأصالة والحضارة والعلم، وكان للتنوّع الذي عرفت به بعض تلك المدن دور في شهرتها وعلوم مكانتها بين مدن المنطقة.

شهدت منطقة حضرموت الواقعة في شرق اليمن قيام العديد من المدن العتيقة ذات التاريخ العريق التي جمعت بين القِدم والأصالة والحضارة والعلم، وكان للتنوّع الذي عرفت به بعض تلك المدن دور في شهرتها وعلوم مكانتها بين مدن المنطقة. وتُعدُّ مدينة تريم التاريخية الواقعة في قلب وادي حضرموت واحدة من أبرز تلك المدن التي ذاع صيتها، ووُثِّق تاريخُها، ودونت الأخبار التي أكدت أهميتها منذ القدم، وصنّفت كأكبر مدن حضرموت وأعظمها إلى جانب مدينة شبام التاريخية، ووصفها بعضهم بأنها قاعدة حضرموت. وقد سميت هذه المدينة -كما جاء عن بعض المؤرخين- باسم ملكها تريم بن حضرموت بن سبأ الأصغر الذي يذكر بأنه أول من عمرها، علمًا أن تاريخ تريم يعود إلى حقبة زمنية قديمة بحسب بعض الشواهد الأثرية المكتشفة.

تميــزت تــــريم بطبيعتها الزراعية منذ القدم، ووفرة مياهها الجوفية، وتربتها الخِصبة، وأراضيها المنتجة؛ فسميت بـالغَنَّاء لكثرة ما أَحاط بها من بساتين ومزارع. وارتبط توسعها وضيقها بالأوضاع السياسية التي كانت تعيشها، إضافة إلى حالة الاستقرار التي تمر بها. وقد تطلَّب زيادة عدد سكانها إضافة إلى أهلها الأصليين من قبائل حضرموت - عبر مراحل التاريخ- ضرورة توافر المنشآت الخدمية الأساسية، والبنية التحتية الضرورية للسكن والعيش، وهو ما اشتهرت به، وكانت سمة تميزت بها عن غيرها؛ فعرفت بحاراتها المتنوعة، وبيوتها الطينية التقليدية ذات الطوابق المتعددة، وقصورها التي عمرت من قبل بعض الحكام والميسورين، فضلًا عن تأثرها بالنمط المعماري الخارجي بحكم الهجرات إلى جنوب شرق آسيا؛ فشكل بعضها تحفًا فنيةً رائعة، مثل: قصر عشة في حارة المحضار، وقصر القُبَّة في حارة عيديد في جهة المزارع، وقصر الشاعر حدّاد بن حسن الكاف في متنفس عيديد. وقامت في تريم عدد من الأسواق الموسمية والدائمة التي كانت تعرض فيها أنواع البضائع المحلية والأجنبية من الحرف اليدوية، والمواد الغذائية، والبهارات، والمنتجات الزراعية، والحبوب الضرورية لحياة الناس، وقدمت تلك الأسواق خدمات واسعة لسكان المدينة والقرى المجاورة لها، وصممت على هيئة حوانيت ومحلات مترابطة أو منفردة، فكان من أشهرها: سوق القفان التاريخي القديم الذي كان موضعًا لاستقبال القوافل التجارية القادمة إلى تريم، واشتهر بالمحط أو القفان وهو الميزان الذي توزن به البضائع ذات الأحمال الثقيلة، وحَظِيَ هذا السوق باهتمام كبير، وحبست عليه الأوقاف للقيام به والعناية بترميمه. وكان من أسواق تريم أيضًا سوق باعلوي الذي ينسب إلى مسجد عبد الله باعلوي، وهو أقدم مساجد تريم وموقعه قريب من السوق.

وضمت مدينة تريم وما حولها العديد من المعالم التاريخية والأثرية، شملت المباني والقلاع والأسوار التي تعد اليوم إرثًا ماديًّا وجزءًا من هوية حضرموت وتريم، ومن أبرز تلك المعالم: حصن الرناد التاريخي (قصر الشعب حاليًّا) الذي يعود تاريخ بنائه إلى ما قبل الميلاد، وحصن النجير شرقي تريم، وحصن العر الأثري بالقرب من قرية السوم، وسور تريم الذي عمِّره عبد الله بن راشد في سنة 601هـ/ 1204م لحماية المدينة.  

وأُنشئت في شوارع تريم وأزقَّتها الكتاتيب والمدارس والزوايا المتفرِّدة ببنائها المعماري، مثل: مدرسة الأخوة، وهي أقدم مدارس تريم التاريخية، ومدرسة دمون، ومدرسة القرية، ومدرسة الكودة في شرق المدينة، ومدرسة ابن خلدون. وكان لتلك المدارس دور في الحراك العلمي الذي شهدته المدينة، وأدى ذلك إلى ظهور جيل حمل راية العلم في تريم وخارجها، وأصبحت تريم مقصدًا لطلاب العلم. ونتيجة لما تمتلكه حضرموت من إرث مكتوب عُمّرت في هذه المدينة المكاتب ودور المخطوطات التي ذاع صيتها وضمَّت نوادر المخطوطات، وكان من أبرزها مكتبة الأحقاف التي تعد واحدة من أهم دور المخطوطات في الوطن العربي لما احتوته من إرث حضاري مكتوب في مختلف العلوم والفنون.

أما أشهر معالم مدينة تريم فهو مسجد المحضار التاريخي الذي ينسب إلى الشيخ عمر المحضار عبد الرحمن السقاف (ت: 833هـ/ 1429م) أحد أبرز رموز التصوف في حضرموت، ويتميَّز المسجد بمئذنته الطينية التي تعدُّ أطول مئذنة مبنيّة من الطين في العالم، ويبلغ ارتفاعها حوالي (175) قدم. وتأتي أهمية هذا المسجد من ما يقدّمه من خدمات ونشاطات دينية واجتماعية، حتى أصبح اليوم معلمًا تاريخيًّا يقصده زوار مدينة تريم، ومقصدًا لطلاب العلم من مختلف بلاد العالم. إضافة إلى مسجد عيديد الذي ينسب إلى مؤسسة الشيخ علي بن محمد مولى عيديد (ت: 862هـ/ 1457م)، وهو تحفة معمارية متميزة، وعلى الرغم من صغره وبساطته يشهد كثيرًا من الأنشطة الدينية والعلمية. واشتهرت تريم أيضًا بجبانتها المعروفة بجبَّانة تريم، وهي مبنى صغير خصص في بدايته كمصلى للأعياد والجنائز، ويعود تاريخه إلى عهد دولة آل راشد في القرن السادس الهجري/ الثاني عشر الميلادي، وجدد في فترات زمنية مختلفة ليشكّل معلمًا مهمًّا من معالم مدينة تريم التي عُرفت بأنها واحدة من أهم مدن العلم والعلماء في اليمن عامة وحضرموت خاصة، وقبلة للوافدين إليها من طلاب العلم الباحثين عن المعرفة في العلوم الدينية والشرعية وغيرها، ونوادر المخطوطات، والإجازات العلمية التي كانت يمنحها كبار علمائها المشهورين ومشايخها.

 

شارك هذا المقال
د طه حسين هديل

د طه حسين هديل

مستشار ثقافي بسفارة اليمن في الرياض

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة
معالم وأعلام

عبدالرزاق البقماء .. تاريخ من التضحية الصادقة

حين تقترب نار الفتن والأفكار المتطرفة من الأوطان تحتاج إلى شخصيات استثنائية تطفئها، وتنصر الحق، وتكشف الزيف، وتعري الباطل وتتصدى له، وتُنير الطريق بنور الهدى، وتزرع الأمل في نفوس الناس، وتصدع بالحق. تحتاج إلى قادة يتصدرون للدفاع عن أرضها وهويتها، رجال صادقين في تضحياتهم ومواقفهم.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 أغسطس 2026
قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها
معالم وأعلام

قصور حضرموت ...تاريخها ورمزيتها

نتيجة لاهتمام بعض حكام حضرموت ومشايخها، والأغنياء من التجار الحضارم والمهاجرين منهم بالبناء والمعمار اتَّجه كثير منهم إلى تمييز أنفسهم عن غيرهم بتعمير البيوت المتقاربة ذات الطوابق المتعددة، والقصور المنفردة والمتميزة بأشكالها الفنية والمعمارية الجميلة والمحاطة بالحدائق الغناء، معتمدين في بنائها على مادة الطين المقاوم لعوامل التعرية وللظواهر البيئية الصعبة.

د طه حسين هديلد طه حسين هديل24 يوليو 2026
العلامة العمراني..  جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع
معالم وأعلام

العلامة العمراني.. جهود علمية كبيرة ومؤلفات قليلة وأثر واسع

من يتأمَّل الجهود العلمية المتعددة للقاضي محمد بن إسماعيل العمراني -رحمه الله- ويطلع على علمه الغزير، وثقافته الموسوعية، وإجماع عموم أبناء اليمن عليه، والقبول الذي يحظى به، وكثرة طلابه من اليمنيين ومن غيرهم من العالم الإسلامي، يلاحظ أنه مقل في التأليف.

المنبر اليمنيالمنبر اليمني22 يوليو 2026