المنبر اليمني
العمق الاستراتيجي قراءة في الترابط العضوي بين أمن المملكة واليمن
فضاء حر

العمق الاستراتيجي قراءة في الترابط العضوي بين أمن المملكة واليمن

د. كمال القطوي

د. كمال القطوي

كاتب وباحث

18 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

في قلب هذه المعادلة الأمنية، تقف مكة المكرمة لا كمدينة مقدسة فحسب، بل كـ "مركز ثقل" ديني وسياسي تدور حوله شرعية الأنظمة واستقرار المنطقة، أو بحسب توصيف جمال حمدان (نواة نووية). عبر التاريخ، أدرك القادة أن من يسيطر على "أعالي الجبال" في اليمن يمتلك مفاتيح التهديد أو التأمين لـ "بطن الوادي" في مكة.

مبتدأ:

لا يمكن قراءة الخريطة السياسية لشبه الجزيرة العربية بمعزل عن حقائقها الجيولوجية الصارمة؛ فالجزيرة، كما يصفها عبقرية الجغرافيا جمال حمدان، تمثل "كتلة صلبة" واحدة، تميل تدريجيًا من الغرب إلى الشرق، حيث تشكل جبال السروات "العمود الفقري" الذي يربط اليمن بالحجاز في نسق عضوي لا يقبل التجزئة. هذه الوحدة الجيومورفولوجية فرضت عبر التاريخ ما يُعرف في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة بنظرية "المركب الأمني"، التي صاغها "باري بوزان" في كتابه (بنية الأمن الدولي)؛ حيث تتداخل المخاطر الأمنية بين الدولتين لدرجة التماهي، مما يجعل من مقولة "لا بد من تكامل أمني " ليست مجرد شعار عاطفي، بل قانون وجودي يحكم الدولتين. إن أمن المملكة العربية السعودية والجمهورية اليمنية هو حالة من "الأمن غير القابل للتجزئة"، حيث يمثل كل طرف عمقًا استراتيجيًا للآخر؛ فلا استقرار للرياض دون تأمين خاصرتها الجنوبية، ولا بقاء لليمن دون ظهيرها الشمالي.

مكة المكرمة: قطب الرحى ومركز الثقل الجيوسياسي

في قلب هذه المعادلة الأمنية، تقف مكة المكرمة لا كمدينة مقدسة فحسب، بل كـ "مركز ثقل" ديني وسياسي تدور حوله شرعية الأنظمة واستقرار المنطقة، أو بحسب توصيف جمال حمدان (نواة نووية). عبر التاريخ، أدرك القادة أن من يسيطر على "أعالي الجبال" في اليمن يمتلك مفاتيح التهديد أو التأمين لـ "بطن الوادي" في مكة.

تاريخيًا، لعب اليمن دور "الحارس الجنوبي" للمقدسات. تسجل المصادر التاريخية أن أسعد تُبّع اليماني كان أول من كسا الكعبة المشرفة وشرع لها بابًا ومفتاحًا، مؤسسًا لشرعية يمانية في خدمة البيت العتيق في ذلك الوقت المبكر. وفي العصر الإسلامي الوسيط، بلغت هذه الرعاية ذروتها مع الدولة الرسولية في اليمن (626 – 858 هـ)، التي نافست مماليك مصر في إرسال "الكسوة" وتأمين طرق الحج، مرسخةً مبدأ أن "قوة اليمن هي منعة لمكة". وكما أشار شيخ الإسلام ابن تيمية في وصفه للدور البشري اليمني: (وأهل اليمن هم الذين قاتلوا أهل الرِّدة، وفَتَحُوا الأمصار؛ فَبِهم نَفَّّس الرحمن عن المؤمنين الكُرُبات)"، مما يؤكد أن الخزان البشري اليمني كان الرافعة التاريخية لحماية بيضة الإسلام في المدينة ومكة.

في الحاضر، انتقل مشعل الحماية إلى الدولة السعودية، التي تدرك وفق عقيدتها العسكرية أن "الأمن الداخلي" لمكة يظل قلقًا ما لم يتم تأمين "العمق الجنوبي". فمحاولات الميليشيات الحوثية استهداف مكة بالصواريخ الباليستية (2016-2017) أعادت للأذهان حادثة الفيل، وأكدت أن سقوط اليمن في يد قوى إقليمية معادية يعني وضع مكة بين فكي كماشة، وهو ما استدعى التدخل السعودي الحاسم (عاصفة الحزم) كإجراء دفاعي استباقي عن "مركزية مكة" قبل أن يكون دفاعًا عن الحدود السياسية.

معادلة المحاور: من باب المندب إلى الرياض

تتجسد الوحدة الاستراتيجية في معادلة جيوسياسية دقيقة: "أمن السعودية يبدأ من باب المندب، وأمن اليمن يبدأ من الرياض".

أولًا: أمن السعودية يبدأ من باب المندب.

لا يُعد مضيق باب المندب مجرد ممر مائي يمر عبره 6.2 مليون برميل نفط يوميًا، بل هو "الشريان الأبهر" للاقتصاد السعودي. تعتمد مشاريع "رؤية 2030" العملاقة على ساحل البحر الأحمر (نيوم، مشروع البحر الأحمر) كليًا على سلامة الملاحة في هذا المضيق. إن تحول السواحل اليمنية إلى منصات لاستهداف السفن أو "نقطة اختناق" بيد قوى معادية يعني خنق الرئة الاقتصادية للمملكة، وتهديد صادرات النفط التي تعد عصب الاقتصاد العالمي. لذا، فإن السيطرة الاستراتيجية، أو ضمان حيادية هذا المضيق، هي مسألة "حياة أو موت" للأمن القومي السعودي.

ثانيًا: أمن اليمن يبدأ من الرياض.

في المقابل، تمثل السعودية "الرئة" التي يتنفس منها اليمن اقتصاديًا وسياسيًا. والتي تمنح اليمن غطاءً دوليًا يمنعه من الانزلاق إلى دولة منسية أو ساحة مستباحة. واقتصاديًا، تُشكل تحويلات المغتربين اليمنيين في السعودية "العمق الاقتصادي" الذي يمنع الانهيار الاجتماعي الشامل في اليمن، فضلًا عن مشاريع الإعمار ودعم البنك المركزي. إن قوة الرياض هي الضامن الوحيد لعدم استفراد القوى الدولية باليمن.

أمن الجزيرة العربية يلتقي على سواحل بحر العرب:

لم يعد أمن الجزيرة العربية يُقاس بعمقها البري وحده، بل بقدرتها على حماية بحارها المحيطة بوصفها الامتداد الحقيقي لحدودها الاستراتيجية في القرن الحادي والعشرين. فالجغرافيا السياسية المعاصرة تشهد انتقال مركز الثقل من اليابسة إلى البحار، حيث تتقاطع خطوط الطاقة، وسلاسل الإمداد، وصراعات النفوذ بين القوى الكبرى. وفي هذا الإطار، يشكّل باب المندب وبحر العرب معًا قوسًا بحريًا واحدًا يحدّد مستوى أمن الجزيرة واستقرارها.

تعزز الأدبيات الجيوسياسية المعاصرة هذا المنظور الموسّع للأمن، إذ يذهب المحلل الاستراتيجي الأمريكي روبرت كابلان في كتابه: ( المحيط الهندي ومستقبل القوة الأمريكية ) إلى أن المحيط الهندي سيكون المسرح المركزي لصراع النفوذ العالمي في القرن الحادي والعشرين، بحكم تقاطع مصالح الولايات المتحدة وحلفائها مع صعود الصين، وارتباط ذلك بأمن الطاقة وخطوط التجارة الدولية. ويؤكد كابلان أن السيطرة على هذا الفضاء البحري تعني عمليًا التحكم في مفاصل النظام الدولي القادم.

ضمن هذا الإطار، تكتسب جزيرة سقطرى أهمية تتجاوز بعدها المحلي، لتغدو ركنًا حيويًا في رقعة الصراع الدولي. فموقعها عند ملتقى بحر العرب وخليج عدن يجعلها نقطة ارتكاز مثالية للمراقبة البحرية، وتأمين طرق الملاحة، أو—في حال غياب الدولة—تحولها إلى منصة نفوذ لقوى خارج الإقليم. ومن هنا، فإن حماية بحر العرب وسقطرى لا تُعد شأنًا يمنيًا محضًا، بل مفصلًا حيويًا في أمن الجزيرة العربية ككل، لأنها تمثل الامتداد الشرقي لمعركة السيطرة على المحيط الهندي.

 

الخاتمة: استراتيجية التكامل

تخلص هذه القراءة الجيوسياسية والتاريخية إلى حقيقة ناصعة: الجزيرة العربية "كتلة استراتيجية واحدة". إن محاولات الفصل القسري بين أمن السعودية واليمن هي سباحة ضد تيار التاريخ ومنطق الجغرافيا.

التحدي الراهن المتمثل في "استراتيجية الكماشة" الإيرانية التي تهدف لتطويق المملكة عبر اليمن والعراق، أو استراتيجية تفتيت الجزيرة العربية لصالح الكيانات الطارئة على التاريخ، يفرض تحولًا في العلاقة ينطلق من الجغرافيا المشتركة والامتداد الاجتماعي الواحد والمصير المشترك. إن ترك اليمن فريسة للفوضى أو النفوذ الأجنبي هو وصفة لإغراق الجزيرة بالفوضى.

وعليه، فإن المستقبل الآمن للمنطقة مرهون بترسيخ "تكامل الأمن" بين أركان الجزيرة.

شارك هذا المقال
د. كمال القطوي

د. كمال القطوي

كاتب وباحث

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد
فضاء حر

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد

أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.

محمد علي العسليمحمد علي العسلي28 أغسطس 2026
إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع
فضاء حر

إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع

الحوثي كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني، وهم الشافعية السنة، كفارٌ أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم في ثقافتهم: «كفار التأويل»!

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري22 أغسطس 2026
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري18 أغسطس 2026