وقد اتَّخذت العلاقات الرسمية والشعبية بين البلدين أشكالًا عديدة، ومرَّت بمحطَّات تاريخية ومفصلية تراوحت بين المنافسة والصراع والتكامل والاتفاق والاختلاف، وهذا شأن كل الشعوب، لكن الغالب الأعم هو أن اتسام العلاقات اليمنية السعودية بروح الإخاء والمودة والتعاضد في المحن والحروب والفقر والكوارث الطبيعية، واستمرار التبادل التجاري، والتعاون في المشتركات الأمنية والاقتصادية والثقافية والفنية، سيما في عهد النظام الجمهوري اليمني الذي سعى بكل جدِّية لبناء أفضل علاقة مع شقيقته الكبرى المملكة العربية السعودية.
العلاقات الاجتماعية.. جذور القبيلة الأولى
كانت الصحافة السعودية في السابق تنشر إحصائيات سنوية عن عدد ونسبة زواج السعوديين والسعوديات من أجانب، ودائمًا تكون اليمن في المركز الأول، حيث تزوج سعوديون بيمنيات أو تزوج يمنيون بسعوديات، وهذا مؤشر عميق على قوة التلاحم الاجتماعي والأسري بين الشعبين، وفضلًا عن ذلك لا تزال القبائل متداخلة ويتوزع أبناؤها وفخوذها بين البلدين بانسجام تام وكلي، ولا أدل على ذلك من قبيلة مذحج الممتدة من تعز وسط اليمن إلى الطائف غرب المملكة، وقبائل وائلة وكندة ويام، وأسماء عشائر أخرى: النهدي، البريكي، الصيعري، الكثيري، المشعلي، الخليفي، النسي، الوادعي، المسفر، الغالبي، المالكي، الشاعري، القحطاني، الحارثي، التميمي، وغيرها آلاف الأُسر والعشائر المشتركة.
وعقب ترسيم معاهدة جدة التاريخية بين البلدين في يونيو 2000 تم وضع بند خاص لمراعاة القبائل والأسر المشتركة التي تعيش بين حدود البلدين في المناطق الصحراوية والجبلية والساحلية، ورغم مرور اليمن بحالة من الوهن والتشظي إلا أن المملكة لم تغيّر موقفها من هذا الاتفاق، بل زاد اهتمامها بهذه الأسر واحتضنتهم أكثر، ومنحت أبناءها إقامات ومزايا أكثر داخل أراضيها.
وبحسب خبراء ومختصين في الشأن اليمني السعودي تظلُّ العلاقات الاجتماعية بين البلدين هي الأكثر عمقًا والأقوى ترابطًا بين كل العلائق، ففيها التداخل القبلي والأسرى، والصداقات الثنائية التي تكونت بين ملايين اليمنيين ونظرائهم السعوديين على مدى أكثر من 6 عقود، وزادت وشائجها المشتركات الصلبة في الدين والتاريخ والجغرافيا واللغة والثقافة والعادات والتقاليد والمصاهرة والمعاملات الحياتية، وغيرها؛ إذ يجمعهم يوميًّا المدرسة والجامعة والجامع والمشفى والحديقة والطريق والعمل والتسوق والملبس والمأكل وتبادل الخدمات والمنافع، حتى لا يكاد أحد يفرق بين يمني وسعودي إلا بالسؤال عن الهوية الوطنية!
العلاقات الاجتماعية تقود السياسة
في وقت مبكر من التاريخ وجد سكان الجزيرة العربية أنفسهم مجبرين على التعايش والتزاوج والتكامل وتبادل المنافع البينية، حيث كانت اليمن مهد حضارة وصنعةٍ وتجارة، وكان وسط الجزيرة ممرًّا للقوافل وحركة التجارة بين اليمن والشام، ثم كانت تجارة أخرى لأهل قريش، صيفًا إلى الشام، وشتاءً إلى اليمن، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك ﴿رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ﴾. وما قبل الإسلام وجدت علاقات تجارية وأسرية بين البلدين، فطريق الحرير وما حملته من ملبوسات وتوابل ولبان وحبوب، كانت تمرُّ من جنوب الجزيرة العربية "اليمن" إلى وسطها في مكة والحجاز ونجد، وحصلت علاقات أسرية كبيرة، فهذا حامل لواء الشعراء الملك الضِلِّيِل امرؤ القيس ابن ملك كندة في حضرموت تربى في كنف أخواله بالحجاز.
أما في العصر الحديث فقد تشكَّلت الدولة السعودية الثالثة على يد الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- في العام 1932 إلى جوار جارتها الجنوبية المملكة المتوكلية اليمنية، ولم يحدث بينهما وئام قط؛ نظرًا لتطرف الحكام الشيعة في اليمن، فبعد سنة واحدة من توقيع اتفاقية الطائف بين البلدين سنة 1934 أرسل ولي العهد أحمد حميد الدين ثلاثة أشخاص لاغتيال الملك عبدالعزيز، وقاموا بتنفيذ مهمتهم أثناء الطواف، وقرب الحجر الأسود اندفعوا بخناجرهم نحو الملك غير أن ولده الأمير سعود نحاه جانبًا بعد إصابة طفيفة بساعده الأيمن، وتدخل الحرس، وقُبض على الجناة ومحاكمتهم وإعدامهم، وهم: علي حزام الحاضري، وصالح علي الحاضري، ومسعد علي حجير.
وفي العام 1962 أسقط الضباط الأحرار النظام الكهنوتي الإمامي في اليمن بمشاركة شعبية واسعة، وتزامنت تلك اللحظة مع بداية النهضة السعودية ليجد ملايين اليمنيين فرص عمل لهم في المملكة، وتوطَّدت علاقة قوية بين الشعبين، ولم تتأثر بأصعب مرحلة مرَّت بها عقب الغزو العراقي للكويت في أغسطس 1990واتخاذ نظام الرئيس صالح مسارًا مغايرًا بالوقوف مع العراق، إلا أن موقف الشعب بقي مغايرًا، وهو ما تجلَّى في قصائد شاعر اليمن الكبير عبدالله البردوني، وقبليًّا تجلَّى في موقف الشيخ الكبير عبدالله بن حسين الأحمر، وسياسيًّا في موقف البرلماني الصلب الشيخ يحيى مصلح الذي جاهر بموقفه تحت قبة البرلمان ووقف ضد احتلال الكويت.
وله حكاية طريفة تستحق أن تُدوُّنَ هنا، فقد حج في عام 1413/1993، وبينما هو جالس في صحن الحرم إذ جاءه أحد الجنود يخبره أن الملك فهد ينتظره على الغداء في قصر الصفا. حضر الشيخ يحيى وكان مضيفه الكريم بن الكرام لم ينسَ له موقفه تجاه المملكة والكويت، وقدم له الملك فهد مكرمة مقدارها 10 ملايين ريال غير أنه مال كريم حلَّ بيد كريم، فقد بنى الشيخ يحيى بهذا المال 10 مدارس في محافظة ريمة، وما بقي منه ساهم به في بناء وحدة للغسيل الكلوي في مستشفى الحديدة.
وحين احترب اليمنيون عقب ثورة فبراير 2011 أسرعت السعودية إلى احتواء نيران جارتها، ورعت مبادرة خليجية أفضت إلى انتخاب هادي خلفًا للرئيس الأسبق علي عبدالله صالح في فبراير 2012، غير أن المصائب -كما يقال- لا تأتي فرادى، فقد اجتاح الحوثيون صنعاء وانقلبوا على الشرعية الدستورية في سبتمبر 2014، فأسرع ملك الحزم والعزم سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- استجابة لنداء الأخوة، وأعلن عن تشكيل تحالف عربي وانطلاق عاصفة الحزم، ثم إعادة الأمل والإعلان عن برنامج إعادة إعمار اليمن، وما رافق ذلك من جهود على كافة المستويات.
وبموازاة ذلك قدمت المملكة دعمًا دبلوماسيًا وازنًا لصالح اليمن، وترافعت أمام المجتمع الدولي نيابة عن جارتها في مناسبات عديدة، وبين 2015-2025 أصدر مجلس الأمن 28 قرارًا و6 بيانات رئاسية كلها في صالح القضية اليمنية وتدين الانقلاب الحوثي ومن وقف معه وما ترتب عليه، أبرزها القرار 2216/2015، الصادر تحت الفصل السابع.
المصير المشترك.. والعدو الواحد
في 28 فبراير 2026 شنَّت أمريكا وإسرائيل هجومًا عسكريًّا عنيفًا ومباغتًا على دولة إيران ذات النزعة الدينية الشيعية المتطرفة، فردَّت الأخيرة فورًا بقصف دول الخليج والأردن، واستهداف الأعيان المدنية في انتهاك صريح للمواثيق الدولية، وأفرغت أحقادها وعُقَد نقصها فوق جيرانها العرب، وقصفتهم بـأكثر من 6413 صاروخًا ومسيرة، تعادل 85% من إجمالي ما أطلقته خلال 42 يومًا من الحرب، منها 104 صاروخ و916 مسيّرة استهدفت الأعيان المدنية السعودية!.
وأمام هذا العدوان الإيراني كان لزامًا على الشعب اليمني بكل فئاته وشرائحه أن يلعن عن موقفه ويخرج أمام العالم بمظاهرات تأييدية للمملكة كأقل تعبير عن واجب المساندة، ومنددًا بالعدوان الإيراني الغادر والجبان على المملكة ودول الخليج والأردن. تظاهرات تعددت مناطقها ومدنها، وتنوع المشاركون فيها من مختلف فئات المجتمع، لكن غايتهم واحدة ودافعهم واحد. رفعت في التظاهرات صور خادم الحرمين وولي العهد وعلم المملكة إلى جانب رموز اليمن في تأكيد واضح على التلاحم، ورسم لوحة إخاء وفاءً مع من وقف إلى جانبه طوال أكثر من نصف قرن، وبذل جهده وماله وسلاحه ودماء أبنائه دفاعًا عن اليمن وشعبه. حتى لو لم يكن هناك انقلاب حوثي ممول من الطرف الإرهابي "إيران" كان اليمنيون سيخرجون إلى الساحات يقودون تضامنًا قويًّا وصادقًا مع جارتهم الشقيقة التي يتقاسمون معها كل المشتركات الثقافية والقيم الدينية والروابط الاجتماعية والمهددات الأمنية، ويواجهون العدو الإيراني نفسه الذي استمرأ سياسة الدسائس والحيل وتصدير الأفكار والسلاح والإرهاب إلى العالم العربي والإسلامي لتدميره.
والعلاقة اليمنية السعودية يُجَذِّرها أكثر من سبب:
أولًا: هي بلاد الحرمين الشريفين والدفاع عنها فرض عين على كل مسلم.
ثانيًا: تظل الروابط الأسرية القبلية هي الوحدة البنائية الأكثر قوة في العلاقة بين الشعبين.
ثالثًا: هناك دٓيْنٌ مستحقُ السداد وهو الوقوف الأخوي الصادق للمملكة مع اليمن خلال أكثر من نصف قرن، وتوَّج هذا الموقف بإعلان عاصفة الحزم التي بذلت فيها المملكة فوق طاقتها دفاعًا عن اليمن، وترميم خلافاته والقضاء على مهدداته.
رابعًا: البُعد الأمني الذي لا يتجزَّأ، فكلا البلدين حظي بالأمن والاستقرار طيلة الثمانينات والتسعينيات، وحين ولد الخطر الإرهابي المتمثل بتنظيم القاعدة عانى منه البلدان، ثم المد الشيعي الصفوي المتمثل بجماعة الحوثيين وعانى منه البلدان على السواء.
خامسًا: اليمني حين يدافع عن المملكة هو يدافع عن مستقبله بكل حمولاته، فعائدات المغتربين اليمنيين في السعودية هي الرافعة الأهم والأقوى للاقتصاد الوطني، خاصة في مرحلة ما بعد 2011؛ إذ تتجاوز 4 مليار دولار سنويًّا، ومن يعملون في المملكة يعولون أكثر من نصف الشعب اليمني، وبهذه التحويلات تشكل ما يمكن تسميته شبكة الضمان الاجتماعي الموازي التي يُعالجُ بها الحاضر ويتولدُ منها المستقبل، من خلال إنشاء المشاريع الاقتصادية الصغيرة لامتصاص البطالة، ودفع تكاليف تعليم أبناء المغتربين لبناء المستقبل، فالسعودية في نظر اليمني شريان.. وفي المقابل حين تُدَافع السعودية عن اليمن هي تدافع عن مصير ومستقبل أمنها القومي ومجالها الحيوي المباشر.
وحين يندفع شعب للتظاهر مع أو ضد قضية محلية فهذا أمر له أسبابه ودوافعه، لكن حين تخرج الجماهير الغفيرة في عدد من المحافظات يقودها الغضب تجاه ما حلَّ بجيرانهم فهذا أمر يحتاج إلى دراسة سيكولوجية الجماهير المندفعة في ميادين تعز والمكلا ومأرب وسيئون والمهرة والمخا تحت لافتات تفصح بوضوح عن عمق إدراكها لخطورة المشروع الإيراني في المنطقة، وتقول بوضوح "من اليمن إلى بلاد الحرمين أمننا واحد ومصيرنا واحد" و"بلاد الحرمين امتداد لأمننا القومي والروحي" و"لن ننسى جرائم إيران وأتباعها في اليمن والدول العربية". وخلف ذلك وعي كبير يدرك أن انتصار إيران أو حضورها في اليمن لن يقف عند حد، بل سيحولها إلى مليشيات وفصائل مسلحة ومنفلتة، وتغيير عقائدي وطائفي له وظيفة واحدة: خلخلة الأمن القومي الخليجي، وممارسة القرصنة والإرهاب في ممرات الملاحة الدولية؛ لتكمل إيران سيطرتها على أهم مضيقين (هرمز وباب المندب)، وتبدأ الإتاوات والجبايات والابتزاز لدول الخليج ومصر وبلاد الشام.
هذه الاندفاعة الشعبية الصارخة بوقوفها إلى جانب المملكة العربية السعودية جعلت السياسيين وقادة الأحزاب تبعًا لها، فقد امتلأت شوارع المدن بجميع اليمنيين، وبجهود شعبية محضة تشكلت المظاهرات التأييدية، وكتبت اللافتات، ونظمت المسيرات، فأجبرت الإعلام على الحضور للتغطية، ولاحقًا جاءت البيانات المؤيدة من السياسيين والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني؛ وهذا يشير بوضوح إلى إدراك الشارع اليمني عمق علاقة بلاده بجارتها السعودية، وماذا أثمرت هذه العلاقة طيلت ستة عقود.
الوعي المتصاعد لدى الشارع اليمني بشأن خطورة المد الشيعي يتساوق معه وعي كبير بأهمية بقاء العلاقة المتميزة بين اليمن والمملكة، مستندة إلى تاريخ بهي وحافل من حضور الأيادي السعودية البيضاء في اليمن، دعمًا وإسنادًا في قطاعات التعليم والصحة والطرقات والكهرباء والجيش والأمن والزراعة والنفط، ودعم مالي سخي لموازنة الدولة، في موازاة بارود وإرهاب وتطرف قادم من إيران، وهذه ثنائية لا تقبل المساومة في نظر المواطن اليمني!