المنبر اليمني
المملكة.. منهج راسخ وجهود متواصلة في مواجهة التطرف والانحرافات
مقالات

المملكة.. منهج راسخ وجهود متواصلة في مواجهة التطرف والانحرافات

د صقر اليافعي

د صقر اليافعي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

19 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

لا شك أن المملكة لها دور عظيم في التصدي للإرهاب، وتبذل الجهد الأكبر ، على مستوى العالم، في مكافحته والتصدي له، انطلاقًا من ثوابتها، وقيمها، وأحكام الشريعة الإسلامية. وقد جاء في النظام الأساسي للحكم ما نصه: "المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة؛ دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

لا شك أن المملكة لها دور عظيم في التصدي للإرهاب، وتبذل الجهد الأكبر ، على مستوى العالم، في مكافحته والتصدي له، انطلاقًا من ثوابتها، وقيمها، وأحكام الشريعة الإسلامية. وقد جاء في النظام الأساسي للحكم ما نصه: "المملكة العربية السعودية دولة عربية إسلامية ذات سيادة تامة؛ دينها الإسلام ودستورها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم".

ومن يتتبع سير حكّام هذه البلاد ومواقف مسؤوليها يلحظ موقفهم الصارم ضد الإرهاب بجلاء، ويجدهم يحذرون منه على المستويين المحلي والدولي، ومن شواهد ذلك قول صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبد العزيز وزير الداخلية -رحمه الله-: "الإرهاب في مفهومنا هو: صفة الفعل الخارج عن الشرع والقانون والمنتهك لحرمات الآخرين، وهو الفعل الشيطاني الذي لا يُقرُّه دين ولا تؤيده الأعراف ولا القيم الإنسانية ... إلى أن قال: ويلحظ أن ولاة الأمر في المملكة العربية السعودية يقفون على رأس قائمة الدول الإسلامية الساعية إلى محاربة الإرهاب".

وصدر من كبار علماء المملكة العربية السعودية بيان في 6 / 4 / 1419هـ يعلن موقفهم من هذه الأعمال الإرهابية، وورد فيه "إن المجلس إذ يبين حكم تكفير الناس بغير برهان من كتاب الله وسنة رسوله وخطورة إطلاق ذلك لما يترتب عليه من الشرور والآثام، فإنه يعلن للعالم أن الإسلام بريء من هذا المعتقد الخاطئ، وإن ما يجري في بعض البلدان من سفك الدماء البريئة وتفجير للمساكن والمركبات والمرافق العامة والخاصة، وتخريب للمنشآت هو عمل إجرامي والإسلام بريء منه. وهكذا كل مسلم يؤمن بالله واليوم الآخر بريء منه، وإنما هو تصرف من صاحب فكرٍ وعقيدة منحرفة، فهو يحمل إثمه وجرمه، فلا يحتسب على الإسلام ولا على المسلمين المهتدين بهدي الإسلام، المعتصمين بالكتاب والسنة، المستمسكين بحبل الله المتين، وإنما هو محض إفساد وإجرام تأباه الشريعة والفطرة".

ولقد بذلت المملكة جهودًا كبيرة لمكافحة الإرهاب على المستوى الوطني والعربي والإسلامي والدولي، ويمكن إبراز أهمها في الآتي:

أولًا: تجريم العنف والإرهاب من الناحية القضائية

اعتمدت المملكة العقوبة المغلّظة للإرهاب وهو القتل، حسب فتوى هيئة كبار العلماء في فتوى الحرابة رقم: ( 148) لعام 1409هـ / 1989م الصادرة بالطائف، وقد جاء في نص الفتوى: "قرر المجلس: من ثبت شرعًا أنه قام بأعمال التخريب والإفساد والاعتداء على الأنفس والممتلكات الخاصة أو العامة كنسف المساكن والمساجد والمدارس والمستشفيات والمصانع والجسور ومخازن الأسلحة والمياه والموارد العامة كأنابيب البترول أو نسف الطائرات أو خطفها ونحو ذلك، فإن عقوبته القتل ... ".

ثانيًا: تجريم فكر الإرهاب من الناحية الشرعية

اهتمت المملكة وعلماؤها، ممثلة في هيئة كبار العلماء، بمواجهة فكر الإرهاب والعنف من الناحية الشرعية بكل قوة وجرأة، وقد أصدرت الهيئة عدة بيانات وفتاوى للتصدي لهذا الفكر وتجريم الأعمال الإرهابية، منها:

1.   فتوى عام 1409هـ:  صدرت فتوى تنص على قتل من يقوم بالأعمال الإرهابية.

2.   بيان عام 1419هــ :أصدرت هيئة كبار العلماء بيانًا بتاريخ 2/4/1419هـ بسبب ما يحصل في بعض البلدان من التكفير والتفجير.

3.   بيانات إدانة: أصدرت الهيئة بيانات تدين التفجيرات في المملكة عام 1424هـ، وفي سريلانكا عام 1440هـ، وغيرها كثير.

ثالثًا: التحذير من فكر التطرف من الناحية الإرشادية والفكرية

المملكة تسعى إلى تأصيل منهج الوسطية، ومعالجة الغلو والتطرف، وتجلى ذلك من أمور كثيرة، منها:

1.   الاهتمام العظيم بطباعة كتاب الله الكريم وترجمة معانيه وتوزيعه في الداخل والخارج؛ ليصل إلى عموم المسلمين، لكونه مصدر التشريع والحق.

2.   دعم الجمعيات الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم وتشجع الشباب والناشئة على تعلم وحفظ كتاب الله ومدارسته وفهمه الفهم الصحيح، وحفظ الوقت بما فيه نفع لهم، فمثلًا: الجمعية الخيرية الإلكترونية لتحفيظ القرآن الكريم ينظوي تحتها قرابة (333784) طالب وطالبة يتعلمون القرآن، وجمعية خيركم تخرج منها ما يقرب من (2166) حافظًا وحافظة، وهناك عشرات الجمعيات على هذا النحو.

3.   العناية بالمساجد والأوقاف الإسلامية، وتوفير الأئمة والخطباء المؤهلين للمساجد والجوامع كافة، وإقامة البرامج العلمية من دروس ودورات ومحاضرات في العقيدة والمنهج الصحيح؛ بهدف إعداد طلبة علم يسهمون في نشر العلم الشرعي القائم على الوسطية والاعتدال.

4.   جهود المملكة امتدت لتشمل المعالجة الفكرية والإنسانية لأبنائها المتأثرين بالأفكار المتطرفة، حيث عملت على إعادتهم إلى الوطن، واحتوائهم، وإنشاء لجان للمناصحة تضم نخبة من كبار العلماء، ناقشت أصحاب الفكر المنحرف بالحجة والبيان، وأسهمت  - بفضل الله - في عودة كثير منهم إلى الحق.

5.   العمل على إقامة المؤتمرات والندوات التي توصل المنهج الحق وتنبذ التطرف والإرهاب.

6.   مساهمة هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في نشر الخير وتحقيق مبدأ الوسطية، كما جاء في نظام الهيئات في المادة التاسعة ما نصه: "من أهم واجبات هيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الناس ونصحهم لاتّباع الواجبات الدينية المقررة في الشريعة الإسلامية، وحمل الناس على أدائها".

7.   التصدِّي للحملات الإعلامية المغرضة التي تستهدف العرب والإسلام، وبيان زيفها، والدفاع عن صورتهما الحقيقية في المحافل المختلفة.

8.   مشاركة الدولة في المؤتمرات والندوات التي تسهم في مكافحة الإرهاب، منها: مؤتمر الحوار بين الحضارات المقام في كازاخستان.

9.   إنشاء مراكز ومعاهد إسلامية عالمية تُعنى بخدمة الإسلام ونشر تعاليمه الصحيحة، وتصحيح المفاهيم المغلوطة عنه، وإظهار رسالته القائمة على الوسطية والاعتدال والتسامح.

ثالثًا: المعالجة الاجتماعية

المملكة لها دور رائد في تدعيم وتوثيق الأواصر الاجتماعية، وهذا الأمر يسهم في تقليل فرص نيل المتربصين من انحراف الشباب فكريًّا أو أخلاقيًّا، حيث إن تلك الجماعات المتطرفة تستغل التفكك الأسري؛ لأن الابن يكون بعيدًا عن نظر والديه وذويه، فيسهُل اصطياده وتوجيهه. وفي النظام الأساس للحكم في الباب الثالث منه، وهو بعنوان (مقومات المجتمع السعودي)، جاء في المادة التاسعة منه ما نصه: "الأسرة هي نواة المجتمع السعودي، ويربَّى أفرادها على أساس العقيدة الإسلامية وما تقتضيه من الولاء والطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر، واحترام النظام وتنفيذه، وحب الوطن والاعتزاز به وبتاريخه المجيد"، وقد سعت الدولة السعودية -وفقها الله- في شتى الاتجاهات لمراعاة هذا الأمر، وذلك من خلال جملة من الإجراءات، من أبرزها:

-العمل على تيسير الزواج، والحث على الإنجاب، عبر تشجيع ودعم الجمعيات والمؤسسات الخيرية المعنية بالمساهمة في تزويج الشباب، وتقديم أوجه الإعانة المختلفة لهم ماديًّا ومعنويًّا وتوعويًّا.

- تعزيز أسباب الرفاهية والاستقرار للمواطن وأسرته، بما يحصّنهم من الوقوع في براثن الجريمة أو الانجرار إلى الأعمال الإرهابية؛ لأن الجماعات المتطرفة تستغل الحاجةَ المادية لدى بعض الشباب لدفعهم إلى الانخراط في أنشطة مشبوهة وأفكار منحرفة.

رابعًا: تأصيل منهج أهل السنة في وجوب طاعة ولي الأمر

- أهم ما يحفظ أمن المجتمع هو تأصيل وزرع منهج أهل السنة في وجوب طاعة ولي الأمر بالمعروف؛ لذلك سعى علماء المملكة (اللجنة الدائمة للإفتاء- هيئة كبار العلماء- المدرسون والأكاديميون في أروقة الجامعات والمدارس، والأئمة والخطباء في المساجد) إلى الحرص على نشر هذه العقيدة وتوجيه الناس إليها؛ لذا انغرس هذا الأمر في نفوس الناس، فتجد أن الراعي والرعية على قلب رجل واحد، وذلك لأن الواقع والتجربة والشرع أكدت أنه لا أمن للمجتمعات ولا استقرار لها إلا بالسمع والطاعة ولا طاعة إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمامة، وقد ورد في السنة النبوية ما يؤكد هذا الأصل العظيم، كقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: من أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني "متفق عليه"؛ مما يدل على تعظيم شأن ولي الأمر وأهميته في نظام الأمة.

وقد أدرك علماء الأمة سلفًا وخلفًا، ومنهم علماء المملكة الأجلاء، خطورة الخروج على ولاة الأمر، سواء بالكلمة أم بالسلاح، واعتبروه أصل كلّ شرّ ودمار، وأن الخروج يجرّ الخراب والدمار ويتسبب بانهيار الدول والمجتمعات، مع التأكيد على أن ما يسمَّى بـ "الثورات" لم تجلب إلا الدمار والخراب على الفرد والأسرة والمجتمع والوطن ككل، وأن الإصلاح الحقيقي يكون بالنصيحة والمناصحة السرِّية الهادئة، وفقًا لمنهج أهل السنة والجماعة، بعيدًا عن الغوغائية والتمرد؛ لذلك حاربت المملكة الجماعات التي تبنَّت فكر الخروج وصنفتها "جماعات إرهابية"، وغايتها حماية الدين، وقطع الطريق أمام تسيسه، وصون المجتمع وحماية الأمة من شرورها.

خامسًا: الجدية في المعالجات الأمنية

أثبتت المملكة العربية السعودية للعالم أجمع جديتها التامة في محاربة الإرهاب، وتجلَّى ذلك من نهجها الثابت وتفعيل الخطط الأمنية الشاملة، وتسخير جميع الإمكانات المتاحة للتصدي له، ومن أبرز مظاهر ذلك ما يأتي:

1.   تعزيز دور الحسبة، ممثلةً بهيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، في حماية المجتمع، والأخذ على يد من تسوّل له نفسه العبث بأمن المملكة، حيث كان للهيئة دور بارز في متابعة أصحاب الانحرافات الفكرية والسلوكية، وتقويم توجهاتهم، وإعادتهم إلى جادة الصواب.

2.   انتشار الأجهزة الأمنية ونقاط التفتيش في مداخل المدن ومخارجها، وداخل الأحياء، بوصفه إجراءً وقائيًّا احترازيًّا يهدف إلى إحباط أي أعمال إجرامية محتملة، والحفاظ على أمن المجتمع واستقراره.

خامسًا: دعم الجهود الدولية في مكافحة الإرهاب

كان للمملكة العربية السعودية قصبُ السبق في الإسهام الفاعل في صياغة ودعم عددٍ من القرارات الإقليمية والدولية المتعلقة بمكافحة الإرهاب، انطلاقًا من مسؤوليتها الشرعية والدولية، ومن ذلك ما يأتي:

1.   الإسهام في اعتماد الاستراتيجية الأمنية العربية لمكافحة الإرهاب، الصادرة عن مجلس وزراء الداخلية العرب، والهادفة إلى تعزيز أوجه التعاون والتنسيق الأمني بين الدول العربية.

2.   الموافقة على معاهدة منظمة المؤتمر الإسلامي الخاصة بمكافحة الإرهاب، دعمًا للجهود المشتركة بين الدول الإسلامية في هذا المجال.

3.   توقيع المملكة على إحدى عشرة اتفاقية دولية في إطار الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، وهو ما يعكس التزامها بالمواثيق والجهود الدولية ذات الصلة.

4.   مصادقة المملكة على عدد من الاتفاقيات الدولية المرتبطة بمكافحة الإرهاب، ومن أبرزها:

·       اتفاقية طوكيو لعام 1967م.

·       اتفاقية لاهاي لعام 1970م.

·       اتفاقية مونتريال لعام 1971م،
وغيرها من الاتفاقيات ذات الصلة.

5.   تأكيد المملكة في مواقفها الثابتة أن من أبشع صور الإرهاب ما يُمارس بحق الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، في انتهاكٍ صارخٍ لكافة القوانين والمواثيق الدولية.

وبذلك يتجلّى دور المملكة الريادي والسبّاق في التصدّي لظاهرة الإرهاب من خلال تجفيف منابعه، واجتثاث أصوله، ومعالجة أسبابه ودوافعه، حتى غدت نموذجًا يُحتذى، ومرجعًا يُرجع إليه في هذا المجال على المستويين: الإقليمي والدولي.

 

شارك هذا المقال
د صقر اليافعي

د صقر اليافعي

عضو برنامج التواصل مع علماء اليمن

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

سامي الكافسامي الكاف23 أغسطس 2026
ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026