ما أصعب البناء، وما أسهل الفوضى.. هكذا تختصر عدن حكايتها اليوم وهي تزف البشرى تباعًا بأمل جديد يتشكَّل على أرض الواقع؛ عودة مؤسسات الدولة، انتظام صرف المرتبات، تحسن خدمات الكهرباء والمياه، والأهم من ذلك عودة الطمأنينة إلى نفوس الناس، وابتسامة بدأت ترتسم من جديد على وجه المدينة.
على مدى عشر سنوات عاشت عدن تحت وطأة الشعارات والمظاهرات وتنازع المشاريع الضيقة. ورغم كلّ الجهود التي سُخّرت لبناء عاصمة مؤقتة تحتضن كلَّ يمني، تعثَّرت التجربة، وتداخلت الحسابات، وتحوَّلت المدينة في فترات كثيرة إلى مساحة صراع ومعسكرات وسجون وخطابات وشعارات لا تسمن ولا تغني من جوع. لكن السؤال الذي ظلَّ يتردد في أذهان الناس: هل الشعارات تبني الأوطان؟ وهل تكفي الهتافات لتأسيس دولة أو إدارتها؟
الدولة لا تُبنى بالصوت المرتفع، بل بالفعل المنظم، والخبرة المتراكمة، والدبلوماسية المفتحة والمنضبطة معًا. لا تقوم على الحشود العابرة، بل على مؤسسات مستقرة وإدارة رشيدة، وواجبات تؤدى وخدمات تصل إلى كلِّ بيت ويلمسها كلُّ مواطن. المواطن البسيط لا يعنيه صخب السياسة وصراخ السياسيين بقدر ما يعنيه أن يجد كهرباء لا تنقطع، ومياها لا تغادر بيته، وراتبًا يُصرف في موعده ويفي بحاجاته. تلك هي اللغة التي يفهمها الناس، وذلك هو المعيار الحقيقي لقياس نجاح أي سلطة.
وكعادة المملكة العربية السعودية في إطفاء حرائق اليمن، جاء تدخلها في اللحظة التي تجاوز فيها البعض منطق السياسة والتوازن، وظن أن عقارب الساعة لا تعود إلى الخلف. غير أن الزمن في هذه المنطقة تحكمه معادلات الأمن والاستقرار. وما قامت به الرياض لم يكن لمطمع أو حساب ضيق، بل لإدراكها أن أمن اليمن جزء لا يتجزَّأ من أمنها وأمن المنطقة بأسرها.
اليوم تتردد في شوارع عدن عبارات لم يسمعها الناس منذ زمن: الكهرباء تعود لساعات طويلة قد تصل إلى عشرين ساعة يوميًّا، المياه متوفرة منذ أسابيع، والخدمات تشهد تحسنًا ملحوظًا.
قد تبدو هذه التفاصيل عادية في بلدان مستقرة، لكنها في عدن تمثِّل تحوّلًا حقيقيًّا، لأنها تعني ببساطة عودة الإحساس بالحياة الطبيعية، وبدء استعادة الثقة بالدولة.
البناء مهمَّة شاقَّة، خصوصًا حين تتقاطع مع مشاريع فوضى، أو تصطدم بمصالح شخصية تبحث عن مجد عابر وثروة سريعة على حساب قوت الناس وسكنهم وصحتهم.
البناء يعني توفير رواتب العسكريين والمدنيين، تعبيد الطرق، إعادة تشغيل المؤسسات، تحسين الإدارة المالية، وضبط الموارد. وفي المقابل، يظل من الأسهل إطلاق الشعارات وتحريك الشارع دون تقديم بدائل عملية.
عدن اليوم تتنفَّس من جديد بعد سنوات من الحرمان والعبث ممن كان يدعي خدمتها وينهب ثرواتها. تتنفَّس اليوم بعد أن وضعت المملكة العربية السعودية إمكاناتها لدعم الحكومة اليمنية لتطبيع الحياة واستقرارها، وتقديم الدعم لتغطية الرواتب، وتوفير المشتقات النفطية، وإطلاق مشاريع تنموية كبرى تعيد رسم ملامح العاصمة المؤقتة، وتبرز الفارق الواضح بين منطق الدولة في عدن ومنطق الميليشيا في صنعاء. وترجمة لتوجه المملكة وسعيها إلى استقرار عدن والمحافظات المحررة تتواصل جهود الدكتور فلاح الشهراني مستشار قائد القوات المشتركة، الذي يربط الليل بالنهار من أجل إحداث فارق ملموس في حياة الناس. يتنقل بين الملفات والمشاريع، قريبًا من هموم المواطنين، حريصًا على أن تكون عدن نموذجًا لما يمكن أن تصنعه الإرادة الصادقة حين تتوافر لها الإمكانات والدعم. حضوره الميداني واستماعه لصوت الناس يمنح الجهد بعدًا إنسانيًّا يتجاوز الأرقام والتقارير، ويؤكد شيئًا ثابتًا وهو حرص المملكة وقيادتها على استقرار اليمن وتخفيف معاناة إخوانهم اليمنيين.
عادت الحكومة إلى عدن رغم المعوقات ومحاولات التعطيل، في رسالة واضحة تؤكِّد أن خيار الدولة هو الطريق الأقصر نحو الاستقرار. لقد جرَّب الناس الساحات والاعتصامات، وحان وقت اختبار المؤسسات والعمل المنظم. والأيام الماضية أثبتت أن الدولة، رغم صعوبتها وتحدياتها، تظلُّ الخيار الوحيد القادر على حماية المصالح العامة وصون كرامة الناس.
تستحق عدن أن تستعيد مكانتها التاريخية مدينةً ساحلية نابضة بالحياة، يشعر فيها كلُّ إنسان بالانتماء. والمسؤولية اليوم تقتضي من الجميع، على اختلاف توجهاتهم، دعم الحكومة وبرنامجها القادم، وتركها تعمل بعيدًا عن حسابات المصالح الضيقة.
حين ينتصر مشروع الدولة في عدن ينتصر اليمن كله، وتقترب صنعاء من لحظة تعانق فيها عدن، وبهما معًا يستعيد الوطن عافيته.

أحمد الصباحي
رئيس التحرير
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





