المنبر اليمني
البحر الأحمر: إرهاب الأيدلوجيا الحوثية والنزوع الإمبراطوري الفارسي
مقالات

البحر الأحمر: إرهاب الأيدلوجيا الحوثية والنزوع الإمبراطوري الفارسي

عبده سالم

عبده سالم

كاتب وخبير استراتيجي

19 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

لا شكّ أن إيران ظلّت، ولا تزال، تعمل على تحويل اليمن – في ظل تنامي الحركة الحوثية واتساع نفوذها – إلى واحدة من أهم المناطق الحيوية في ما يمكن تسميته بـ«الجسم الإمبراطوري الفارسي» الذي تسعى إيران إلى إعادة تشكيله في المنطقة، فاليمن من المنظور الاستراتيجي الإيراني لا يُنظر إليه بوصفه ساحة نفوذ عادية، بل باعتباره المكوّن الجغرافي الأهم في «المنطقة الحاملة للرداء الإمبراطوري الفارسي» باتجاه نصف الكرة الأرضية(الإفريقي) عن طريق مسار البحر الأحمر.

لا شكّ أن إيران ظلّت، ولا تزال، تعمل على تحويل اليمن – في ظل تنامي الحركة الحوثية واتساع نفوذها – إلى واحدة من أهم المناطق الحيوية في ما يمكن تسميته بـ«الجسم الإمبراطوري الفارسي» الذي تسعى إيران إلى إعادة تشكيله في المنطقة، فاليمن من المنظور الاستراتيجي الإيراني لا يُنظر إليه بوصفه ساحة نفوذ عادية، بل باعتباره المكوّن الجغرافي الأهم في «المنطقة الحاملة للرداء الإمبراطوري الفارسي» باتجاه نصف الكرة الأرضية(الإفريقي) عن طريق مسار البحر الأحمر.

من الناحية العسكرية–الاستراتيجية تمثّل هذه المنطقة خطّ الالتفاف البحري المُمتدّ من مضيق هرمز مرورًا ببحر العرب وصولًا إلى مضيق باب المندب فالـبحر الأحمر، ثم قناة السويس وصحراء سيناء، وانتهاءً بالأراضي المحتلة، حيث جبهة الصراع التي تدّعي إيران خوضها مع إسرائيل، وتكتسب هذه الجبهة أهميتها في الحسابات الإيرانية بوصفها «الجبهة البديلة» المحتملة في حال فقدت طهران قدرتها على الاعتماد على حزب الله في جنوب لبنان.

في هذا السياق، تصبح حركة الحوثي –بوصفها طليعة مسلحة ومدرّبة– البنية العسكرية والأمنية القادرة على رفد هذه الجبهة بالعُدّة والعَتاد عن طريق المنافذ البحريّة اليمنيّة، ولاسِيّما أن الحركة الحوثيّة، من وجهة النّظر الإيرانيّة، لا تقل أهمية أو فاعليّة عن حزب الله في لبنان ومنطقة الشّام عمومًا، بالنظر إلى أنّ إيران قد أعدّت الحوثيِّين ليكونوا همزة وصل بين الحوزات الدينيّة الإيرانيّة وشرق إفريقيا، مستفيدة من الموقع الاستراتيجي لليمن بوصفه بوابة عبور بحرية نحو إفريقيا، وبوابة عبور بَريَّة نحو شِبه الجزيرة العربية. وبموجب هذا التصور يُراد لمنطقة صعدة أن تتحوَّل إلى مركز رمزي للحوار المذهبي في شبه الجزيرة العربية، وإلى مركز حوار ديني في شرق إفريقيا، عن طريق توثيق التعاون الإيراني مع بعض المراكز الكنسية، وعلى رأسها المركز القِبطي في الحبشة ومصر.

وخلال السنوات الماضية، تمكّنت إيران من اختراق عدد من مجتمعات الضفة الإفريقية من البحر الأحمر عبر استثمار المؤثرات المذهبية والسُّلالية في بيئات فقيرة تنتشر فيها الخُرافة وثقافة التَّبرُّك بالقبور. وقد شجّع ذلك الإيرانيين على تكثيف الرّحلات الدينية إلى هذه المناطق، بالتوازي مع هجرات شيعيّة – لُبنانيّة على وجه الخصوص – استقرت فيها مؤقّتًا أو دائمًا، وقد لعبت هذه الجماعات دورًا محوريًّا في ترويض المجتمعات المَحليّة، لا سيما في منطقة «النجاشي» بإقليم «تيغراي» شمال إثيوبيا، من خلال إعادة إنتاج سرديّة تاريخية تزعم أن هذه المنطقة استقبلت عملية «طرد» آل البيت المتمثل في مجموعة جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وليس «هجرتهم»، بما يحمله هذا المصطلح من إيحاء بالمظلومية التاريخية. وتذهب هذه السرديّة إلى اعتبار سكان تلك المنطقة من «أشراف آل البيت»، رغم أن الإقليم يقع ضمن نطاق مملكة «أكسوم» التاريخية، وهي مملكة لشعب قحطاني أصيل، يُعدُّ امتدادًا طبيعيًّا لمملكة سبأ في مأرب اليمنية، كما يجري تحميل المملكة العربية السعودية – بوصفها وارثة السيادة التاريخية للمجتمع القُرَشيِّ – مسؤولية هذه «المظلوميّة»، والمطالبة ضِمْنيًّا بالاعتذار والتعويض، على نحو يُشبه الخطاب المتعلق بالمسؤولية العثمانية تجاه الأرْمَن. ولتعزيز هذه السَّرديّة جرى التأثير على المجتمع المحلِّي النجاشيّ بتشييد ضريح لجعفر بن أبي طالب وأضرحة أخرى للمهاجرين معه، رغم ثبوت عودتهم إلى المدينة المنورة ودفنهم فيها.

على الصعيد الأمني، استغلّت إيران حالة الاضطراب التي رافقت أحداث الربيع العربي في كل من مصر واليمن، وأجرت مُسوحات استخباراتية واسعة على ضفتيّ البحر الأحمر، ونشرت خلايا أمْنيّة في مجتمعات المنطقة، كما أعادت تمويل خلايا متوقِّفة كانت تتلقَّى دعمها سابقًا من نظام القذافي، وعلى رأسها «حركة الشباب الصومالية»، وفي هذا السياق، اتَّهم رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد، أمام البرلمان الإثيوبي، حركة الشباب بأنها تمثل تهديدًا إرهابيًّا لبلاده، في ظل تعاونها مع بوكو حرام في نيجيريا وجماعة الحوثي في اليمن. ويمثّل هذا الخطاب تطورًا إفريقيًّا لافتًا؛ كونه أول موقف رسميٍّ إفريقيٍّ يساوي بين إرهاب حركة الشباب وبوكو حرام في الضِّفَّة الإفريقية والإرهاب الحوثي في الضفّة الآسيوية.

يتزامن هذا الموقف الإفريقي مع سعي الولايات المتحدة إلى إطلاق برنامج دولي لمحاصرة التدخلات الإيرانية في ضِفَّتيِّ البحر الأحمر، عبر «فرقة المهام المشتركة 153» التابعة للأسطول الأمريكي الخامس، انطلاقًا من باب المندب وخليج عدن. ويعكس هذا التطور حالة إجماع إفريقي متنامية بشأن توظيف جماعة الحوثي كتهديدٍ إرهابيٍّ مباشرٍ لأمن البحر الأحمر ومُحيطه الإقليميّ، خاصة في ظل قيام إيران – بواسطة الحوثيين – بتجنيد صيادين يمنيين وإريتريين للعمل في مهام استخباراتية، وتزويدِهم بزوارقَ صيدٍ حديثة للعمل في المنطقة الممتدَّة من باب المندب حتى مدخل قناة السّويس، كما سعت إيران إلى تشبيك علاقتها بإريتريا، واستأجرت بعض القطاعات الساحلية في أرخبيل «دهلك» بهدف اختراق المنظومة الأمنيّة للبحر الأحمر إلا أن التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية تمكّن مؤخرًا من استيعاب الدور الإريتري ضمن أدائه الاستراتيجي، وهو ما أفقد إيران أحد أهم موطئ أقدامها في جنوب البحر الأحمر.

 

الميليشيات الحوثية أهم ذراع إيراني في المنطقة

أدّت عملية السطو الانقلابي الحوثي على الدولة اليمنية، وعلى مركزها السيادي في صنعاء، إلى تبعثر كامل القوام الاستراتيجي للدولة، وفي مقدمته القوام الأمني المرتبط بمنظومة الأمن الإقليمي، ولا سيما أمن البحر الأحمر.

ولم يتوقف الخطر عند حدود تفكيك المعادلة الأمنية الوطنية التي تَشكَّلت على مدى ستة عقود، بل تجاوز ذلك إلى فرض معادلة أمنية إقليمية دخيلة، صِيغَت وفق معايِيِرَ إيرانيّة خالصة، لا تنتمي بأي صلة إلى منظومة الأمن الإقليميّ لدول الجزيرة العربية والبحر الأحمر. ومع سيطرة الحوثيين على الساحل الغربي لليمن، واعتماد اتفاق ستوكهولم، تصاعدت المخاطر التي تُهدِّد حرية الملاحة الدولية، خاصة بعد السيطرة على ميناء الحديدة، وما رافق ذلك من تفخيخ السفن، وزرع الألغام البحرية، ونَصْب كاميرات المراقبة على الفنارات، واستخدام الزوارق المُفخّخَة والطائرات المُسيّرة؛ الأمر الذي دفع العديد من السُّفن التجارية إلى تَجنُّب المرور من السواحل اليمنية وباب المندب.

 

الحرب المحتملة على ضفتي البحر الأحمر

في ظل هذه المعطيات، تبرز مخاوف حقيقية من اندلاع مواجهة دولية على ضفتي البحر الأحمر تحت عنوان «تأمين الملاحة الدولية من التهديدات الإيرانية–الحوثية». وفي المقابل، تسعى إيران والحوثيون إلى ربط هذه المواجهة بالصراع مع إسرائيل، واستثمار الوجود الإسرائيلي في المنطقة لتقديم نفسيهما «مقاومة إسلامية»، غير أن الهدف الحقيقي لهذا الاستثمار يتمثَّل في فَرْض حضورٍ إيرانيٍّ عسكريّ وأمنيّ دائم في البحر الأحمر، واستخدام «شمَّاعة إسرائيل» لشنِّ حربٍ غير مباشرة على الدول العربية المُطلَّة عليه، وفي مقدِّمتها المملكة العربية السعودية، عن طريق تشويه صورتها واتّهامها بالتحالف مع إسرائيل.

الحقيقة أن تحركات إيران وإسرائيل في المنطقة، بالرغم من خطاب المواجهة المتبادل، لا تمثّل سوى تهديد مباشر لمصالح الدول العربية المطلة على البحر الأحمر، حيث يستخدم الطرفان هذا الصراع لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي على حساب الأمن العربي. وبتعبير أوضح، يكمن القلق الحقيقي لدول البحر الأحمر في احتمال تحوّل هذه المنطقة إلى ساحة صراع مُدار بين إيران وإسرائيل والغرب، بوصفه الصراع الذي يسبق التسوية وتقاسم النفوذ بينهم على حساب المصالح العربية الاستراتيجية.

 

شارك هذا المقال
عبده سالم

عبده سالم

كاتب وخبير استراتيجي

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية
مقالات

الإرهاب الحوثي المستمر واختبار الإرادة الدولية

لم يعد السؤال الأكثر إلحاحًا في اليمن هو: لماذا تعثرت جهود السلام؟ فقد أجابت الوقائع عن هذا السؤال مرارًا في العقدين الماضيين، أما السؤال الذي يفرض نفسه اليوم فهو: لماذا أخفقت الإرادة الدولية، رغم اعترافها بالحكومة الشرعية وإصدارها قرارات ملزمة، في تحويل الشرعية القانونية إلى واقع سياسي يحمي الدولة ويُلزم الميليشيا بالامتثال وتطبيق القرارات الدولية؟

فيصل المجيديفيصل المجيدي23 أغسطس 2026
الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة
مقالات

الدولة في اليمن بوصفها قضية الإنسان الأخيرة

عتقد أن السنوات التي أعقبت انقلاب الحوثية على الدولة بقوة السلاح في ٢١ سبتمبر ٢٠١٤ لم تعد مجرد مرحلة سياسية عادية أو عابرة في التاريخ المعاصر لليمن، بل تحولت إلى مختبر كشف طبيعة الصراع في جوهره، بعيدًا عن الشعارات التي حاولت اختزاله في نزاع على السلطة أو تنافس بين القوى السياسية، فقد أثبتت الوقائع أنّ المواجهة تدور بين تصورين متناقضين للدولة والمجتمع والإنسان: تصور يرى الدولة عقدًا وطنيًا يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، وآخر يعيد إنتاج السلطة بوصفها امتيازًا مغلقًا يستمد شرعيته من ادعاءات دينية وسلالية.

سامي الكافسامي الكاف23 أغسطس 2026
ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية
مقالات

ارتباط جماعة الحوثي بالمشروع الإيراني جعل اليمن ساحة لتجاذبات إقليمية

جاء الإسلام لحفظ الدين والنفس ووحدة الأمة، ونهى عن الفتنة والفرقة وسفك الدماء، فقال تعالى: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرّقوا﴾، وقال سبحانه: ﴿ولا تعاونوا على الإثم والعدوان﴾، وقال سبحانه: ﴿وإنّ هذه أمّتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون﴾، ومن هذا المنطلق فإنّ كلّ فكر أو مشروع سياسي أو عسكري يقود إلى تمزيق المجتمع، وإضعاف الدولة، وإطالة أمد الصراع، يستوجب التنبيه إلى مخاطره وبيان آثاره.

هزاع سعد المسوريهزاع سعد المسوري23 أغسطس 2026