في تاريخنا الإسلامي برزت فكرة التشيّع منذ اللحظات الأولى فكرة سياسية خالصة، لكن بلباس ديني؛ ليسهل مخاطبة العوام، ولا تزال هذه الاستراتيجيّة قائمة إلى اليوم، أي: استراتيجية دمج الديني بالسياسي؛ لأن جزءًا من فاعلية هذا الادعاء وجدواه ترتبط بعوام الناس الذين تحركهم العاطفة الدينية في المقام الأول.
استهلال
ظاهرة التداخل بين الدين والسياسة قديمة/ جديدة، وفي كل الأديان، ولدى كل الأمم والجماعات، بمن في ذلك فرعون نفسه الذي أعلن أمام قومه، في سياق تحذيرهم من موسى عليه السلام: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ). غافر: 26.
أما في المسيحية فغير خافٍ على أحد ذلك التداخل الكبير، إلى حد تسيُّد رجال الدين وتحكمهم بالملوك والأمراء والرعية، بل لقد قامت الإمبراطورية الرومانية الشرقية على أساسٍ ديني، مسيحي في مؤتمر نيقية، سنة 325م، إبان حكم قسطنطين الأول.. إلخ.
الجذور الأولى
في تاريخنا الإسلامي برزت فكرة التشيّع منذ اللحظات الأولى فكرة سياسية خالصة، لكن بلباس ديني؛ ليسهل مخاطبة العوام، ولا تزال هذه الاستراتيجيّة قائمة إلى اليوم، أي: استراتيجية دمج الديني بالسياسي؛ لأن جزءًا من فاعلية هذا الادعاء وجدواه ترتبط بعوام الناس الذين تحركهم العاطفة الدينية في المقام الأول.
ولن نتكلَّمَ هنا عن أحداث السقيفة، عقب موت النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث الخلافات السياسية الأولى بين الصحابة -رضي الله عنهم-، وتبلور تيارين شبه متقاطعين سياسيًّا، تصالحا فيما بعد، ولا عن فكرة خروج الحسين على يزيد بن معاوية، فهو مجرد خروج سياسي من جملة الخروجات السياسية الشائعة قبله وبعده، وكذلك خروج زيد بن علي على الخليفة الأموي هشام بن عبدالملك سنة 122هـ الذي كان خروجًا سياسيًّا ضَمّ لفيفًا من المعارضين والمناوئين لحكم بني أمية، وكان كلُّ من خرج مع زيد بن علي سُمّي زيديًّا، من العلويين أو غيرهم؛ أي: إن التسمية كانت سياسية بحتة.
فشل ذلك الانقلاب، وقُتل زيد بن علي، كما فشل انقلاب جده الحسين وقُتل أيام حكم يزيد سنة 61هـ، فحول العلويون المناسبة إلى مناحة تاريخية، لا تزال أصداؤها معتملة إلى اللحظة، لكن بعد أن أعادوا صياغة الفكرة وقولبتها في قالب ديني سياسي وثيق..!
مذاهب الفقه الإسلامي
ذكرتُ في دراسةٍ سابقةٍ، في كتابي "الهادوية بين النظرية السياسية والعقيدة الإلهية" أن الهادوية ــ نسبة إلى يحيى حسين الرسي، الملقب بالهادي، والتي تعزو نفسها كذلك إلى الإمام زيد بن علي اعتزاءً شرفيًّا ــ نظرية سياسية للحكم، تشبه النازية والفاشية، ومن الصعب اعتبار الهادوية مذهبًا فقهيًّا من جملة المذاهب الدينية الفقهية الأخرى.
ونتوقف هنا أمام مقارنة موضوعية علمية بين مذاهب الفقه الإسلامي المعتبرة من جهة، وما تُسمى بالهادوية، أو الزيدية الشيعية من جهة أخرى:
1ــ مذاهب الفقه الإسلامي مدارس معرفية، علمية بالمقام الأول، تأسست داخل أروقة المساجد، معتمدة على مناهج علمية معرفية، مرجعيتها كتاب الله، وسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم الإجماع، والقياس، ومصادر أخرى أيضًا، اعتبرت روافد ثنائية في ذلك، مثل: الاستحسان، المصلحة المرسلة، العُرف، سد الذرائع، شرع من قبلنا، قول الصحابي.. إلخ.
2ــ المذاهب الفقهية الإسلامية المعروفة انتشرت في مختلف الأصقاع بواسطة طلاب العلم، غير ملزمة الآخرين بها، ولا تعتبر نفسها دينًا، بدليل رفض الإمام مالك، إمام المذهب المالكي، أن يكون كتابه "الموطأ" المرجعية الأولى "دستور الدولة" في عهد الخليفة أبي جعفر المنصور، معتبرًا ما ورد فيه رأيًا قابلًا للخطأ والصواب على حدٍّ سواء.
3ــ مذاهب الفقه الإسلامي الأربعة قابلة للتطوّر من داخلها، باعتبار الأحكام الشرعية تختلف باختلاف الزمان والمكان، بدليل أن للشافعي مذهبين: قديم في العراق، وجديد في مصر. وبدليل اعتبارهم أنّ ما جاؤوا به معطى بشريًّا، قابلًا للخطأ والصواب، لا معطى إلهيًّا مقدّسًا من السماء، فلم يخلطوا بين الشريعة والفقه.
4ــ لكل مذهب من مذاهب الفقه الإسلامي الأربعة منهج في المعرفة وقاعدة في الانطلاق، كاعتماد أبي حنيفة على الرأي أولًا في حال عدم وجود نصّ صريح صحيح، ما لم أعْملَ رأيه في المسألة، وذلك لكونه في العراق، بعيدًا عن المدينة، وفي زمن حصل فيه التزيُّد والخلطُ والانتحال، فلم يقبل إلا ما تواتر من الحديث فقط، إلى حدِّ أنه لم يقبل إلا سبعة عشر حديثًا، كما أشار إلى ذلك ابن خلدون في مقدمته. وعلى النقيض منه انتهج الإمام أحمد بن حنبل نهجًا آخر، معتمدًا على النص، فيما كانت هناك عملية تزاوج بين المنهجين لدى الإمام مالك والشافعي.
5ــ كلُّ أئمة المذاهب الفقهية لم يسفكوا دمًا محرّمًا، أو يتقلّدوا مناصب سياسية، بل لقد تعرَّض أغلبهم للأذى والظلم من حكَّام عصرهم.
6ــ كلُّ مذاهب الفقه الإسلامي لم يورثها مؤسسوها لأبنائهم وأحفادهم من بعدهم، بل تأثر بها طلاب العلم الذين كانت صلتهم بهم علمية، ثقافية، معرفية. فلم نسمع عن نجل الإمام أبي حنيفة، أو نجل الإمام مالك، أو نجل الإمام الشافعي، أو نجل الإمام أحمد بن حنبل وارثًا للمذهب بعد أبيه، ولا للمنصب، ولا حتى للمكانة الروحية أو العلمية، إلا أن يكون شأنه شأن أيِّ طالب علم آخر.
هذه هي السمات الأساسية العامة للمذاهب الفقهية، على العكس ما نجده في المذهب الشيعي، بمختلف أنساقه.
نظرية سياسية لا مذهب فقهي
ذكرنا آنفًا السمات الأساسية والموضوعية لمذاهب الفقه الإسلامي المعتبرة، وهي بطبيعة الحال غير السمات الموضوعية الخارجية لما يُعرف بالمذهب الزيدي، أو الهادوي الذي لا يعدّ غير نظرية سياسية، ينقصه النظر السياسي، وهذه سمات وخصائص هذه النظرية:
1ــ الهادوية نزوة سياسية ورد فعل نفسي منفعل من قبل العلويين الذين اضطهدهم بنو عمومتهم الأمويون والعباسيون، بسبب خروجهم السياسية وثوراتهم التي أقلقت الدولة الإسلامية وهي في طور التكوُّن والنشوء. ومن يقرأ "مَقَاتل الطالبيين" للأصفهاني يدرك مدى الهوس والجنون الأحمق بالاندفاع نحو الحكم بلا آلية أو مشروعية من قبل شباب العلويين وأتباعهم الذين استغلوا بعض مظاهر الفساد في الدولتين الأموية والعباسية، ومن ثم تقديم أنفسهم باعتبارهم البديل الصالح حدّ ادّعائهم، وأنهم الأولى بالحكم بنصٍّ سماويٍّ مقدس، مع الإشارة هنا إلى أن فكرة الأفضلية الهاشمية داخل البيت القرشي الواحد قد بدأت من قبل الإسلام، منذ ما عُرف بـ "الشباب الحُمس".
2ــ الهادوية نظرية سياسية فرضها يحيى حسين الرَّسي بالقسر والإكراه من فوق سرج الخيل، وبالقوة القاهرة، كما هو الشأن مع أية نظرية سياسية للحكم، تُحكم قبضتَها بالحديد والنار، حاصدًا آلاف الرؤوس. وقد دمر الممتلكات، وأحرق المزارع، وهدم البيوت هو وأتباعه، وحين تسنَّى له الحكم هو وبنوه من بعده عززوا هذه النظرية وأسندوها بقوة الدولة. ولم نعرف مذهبًا فقهيًّا انتشر بالسيف وفُرض من فوق ظهر الخيل قبل ذلك. وبقدر ما رفض الإمام مالك أن يكون كتابه "الموطأ" المرجعية الدستورية للدولة في عهد أبي جعفر المنصور، تعصب الهادي يحيى حسين لنظريته وآرائه، وجعلها مرجعية الدولة الأولى، وأن علمه علم آل البيت الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأن من خالفه فقد كفر. وفتاواه التكفيرية للأعيان وللهيئات تملأ كتبه، وخاصة سيرته التي كتبها ابن عمه علي بن محمد العلوي.!
3ــ الهادوية نظرية متصلبة، لا تزال حتى اليوم على ذات الرؤى والأفكار التي وضعها مؤسسها الأول يحيى حسين الرسي، فلم تتغيّر ولم تتبدّل، وخلاصتها: "أنا سيدك وأنت عبدي، أحكمك أو أقتلك". ورغم مرور ما يزيد عن 1200 عام إلا أنها لا تزال كما هي في نسختها الأولى، لم تتغيّر أو تتطوّر، بل إنها غير قابلة لذلك. فآراء الرسي هي نفس آراء أحمد بن سليمان أو عبدالله بن حمزة أو المطهر بن شرف الدين أو القاسم بن محمد أو المتوكل على الله إسماعيل أو يحيى حميد الدين، بل تتطابق مع رؤية فتى الكهف عبدالملك الحوثي. وللقارئ أن يتخيل مدى التقديس لإمامهم الأول حين يقول عبدالله بن حمزة: إننا نهاب نصوص الإمام الهادي كما نهابُ نصوص القرآن الكريم.!
ووفقًا لما أشار إليه نشوان بن سعيد الحميري، فقد كانوا يقدِّمون نصوص أئمتهم على نصوص القرآن الكريم:
إذا جادلت بالقرآن خصمي أجاب مجادلًا بكلام يحيى
فقلت: كلام ربك عنه وحي أتجعل قول يحيى عنه وحيا؟
4ــ لا نستطيع الجزم أن للهادوية منهجًا في المعرفة، أو أساسًا في التعاطي مع القضايا، كما جعل الإمام أبو حنيفة الرأي منهجًا أولًا، وكما جعل أحمد ابن حنبل النص قاعدة في الحكم؛ لذا نرى الهادوية متخبطة تارة بين العقل بلا ضابط، وتارة بين النص بلا منهج، فهي تعتمد أضعف النصوص حجة ما دامت تخدم فكرتها، وتتغاضى عن أوضح النصوص وأجلى القياسات الأخرى التي لا تتفق معها، بل إنها تعتسف النصوص في تأويلاتها اعتسافًا بلا إشارة لغوية واضحة أو قرينة من قرائن المجاز اللغوي المعروف. فمثلًا: يفسِّر بعض أتباع هذه النظرية الآية الكريمة: (مرج البحرين يلتقيان) (يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان) بأن البحرين هنا: علي وفاطمة، وأن اللؤلؤ والمرجان الحسن والحسين..!
5ــ من يستقرئ تاريخ النظرية الهادوية منذ بواكير فجرها الأول وحتى اليوم يكتشف ــ بلا عناء ــ سيلًا من الدماء، وتلالًا من الجماجم التي سالت بسبب هذه النظرية التي تأسست أصلًا بالسيف، ولا تزال الدماء تسفك بسببها حتى اللحظة، وهذه الصفة من طبيعة النظريات السياسية لا من طبيعة المذاهب الفقهية التي لم تُسفك بسببها قطرة دم واحدة، وإن تحاملَ بعضُهم على بعضٍ في فترة من الفترات؛ لكنه تحاملٌ لم يُفْض إلى الاقتتال والتحشيد وسفك الدماء كما هو الشأن مع الهادوية التي تعتبر الدم شريانها الوحيد الذي يمدها بالبقاء، وتعتمد العنف وسيلة للسيطرة، كما يعبر عن ذلك صراحة مؤسسها الأول الرَّسي شعرًا بقوله:
الطعن أحلى عندنا من سلوة كر الجوامس حين طال ظماها
والروس تُحصد بالسيوف ألذ من بيضاء ناعمة تجر رداها
والسائلات من الدماء فواغرًا عظمت فقسط الزيت لا يملاها
أشهى وأعجب من صبوح مدامة في القلب يظهر غيَّها ورداها
وجماجم القتلى لأرجل خيلنا في الكر تقرع فوقها وتطاها
وكما نلاحظ أيضا في قول السفاح عبد الله بن حمزة: "ونحن طَلبةُ الحَقِ الذي غُلبنا عليه، وورثة العِلم الذي دعونا إليه، ونحن الموتورون، وطَلبة الدم، ولو لم يبق من عمر الدنيا إلا يوم واحد لطوَّل الله ذلك اليَوم حتى نملك الأرض بين أقطارها على بني العباس، وعلى غيرهم من الناس".
6ــ الهادوية تم توريثها للأبناء والأحفاد خلفًا عن سلف منذ يحيى بن الحسين وإلى اليوم، كإقطاعية مذهبية مغلقة على غيرهم؛ لأنها أقصر الطرق للحكم والسيطرة. وبين يدينا طرف من المراسلات الشعرية بين يحيى حسين الرسي في اليمن وأبناء عمومته في بلاد فارس، يوضح لهم حقيقة وضعه، وقد طلبوا منه ما خفَّ وزنه وغلا ثمنه:
كذلك أنتم يا آل أحمد فانهضـــــوا بجيش كسيل حدرته الجراشع
فما العز إلا الصبر في حومة الوغى إذا برقت فيه السيوف اللوامع
هل الملك إلا العز والأمر والغنى وأفضلكم من هذبته الطبـــائع
الإمامة محور الارتكاز في النظرية
أخيرًا.. لو تأملنا في طبيعة هذه النظرية/ المذهب كما يقول عنه أتباعه لوجدنا مداره ومحور ارتكازه قائما حول "الإمامة/ النظرية السياسية" فقط، فهي "الكتلة الصلبة" التي تدور حولها بقية الأفكار والمسائل، وهي النواة التي تطوف حولها بقية الجُزيئات والهَالات، ولو نزعنا فكرة "الإمامة" من هذه النظرية وتأملنا ما ذا تبقى غيرها؟ لن نجد غير بضعة مسائل فقهية متفرقة هنا وهناك، أغلبها مبثوثة في كتب الفقه الإسلامي، لا تمثل أية إضافة نوعية، تتفق مع بعضها أحيانًا، وتختلف معها حينًا آخر، ولا يترتب على هذا الاختلاف شيء ما في الغالب.
خلاصة القول
الإمامة فكرة سياسية بنظرية دينية، أساسها العرق أو السلالة، لا تشبهها إلا النازية الهتلرية الحديثة، تعتمد العنف والإرهاب لتحقيق هدفها السياسي الكبير "السيطرة السياسية"، وتنتهج مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة"؛ لهذا كان التنكيل بالخصوم والقتل والسحل والتشريد وسيلتهم الأبدية في كلِّ مكان وزمان.

د ثابت الأحمدي
مستشار مكتب رئاسة الجمهورية
كاتب في مجلة المنبر اليمني.





