المنبر اليمني
من يعيق تحقيق السلام في اليمن؟ ولماذا يهرب الحوثي إلى الحروب الخارجية؟
فضاء حر

من يعيق تحقيق السلام في اليمن؟ ولماذا يهرب الحوثي إلى الحروب الخارجية؟

فيصل المجيدي

فيصل المجيدي

وكيل وزارة العدل

24 يوليو 2026٠ قراءة
حجم الخط

يُعدّ السؤال عن معوّقات السلام في اليمن من أكثر الأسئلة إلحاحًا وتعقيدًا في المشهد السياسي اليمني الراهن. فبعد أكثر من عقدين من الصراع، وعشرات المبادرات المحلية والدولية، ما يزال السلام بعيد المنال. غير أن القراءة المتأنية لمسار الأحداث منذ عام 2004م تكشف بوضوح عن أن المشكلة لا تكمن في غياب المبادرات أو الإرادة الدولية، بل في سلوك منهجي لجماعة الحوثي يقوم على نقض الاتفاقات، وتغليب منطق القوة، والهروب المستمر نحو التصعيد الداخلي والخارجي. بالاقتصاد وتنفيذ مخرجات مؤتمر الحوار التي دفنتها بمجرد وصولها صنعاء.

وقبل ذلك، أوالأهم من كل ذلك هو أن الحوثية تعمل وفق نموذج احتكار السلطة وفرض هوية أيديولوجية تهدف من خلالها إلى إعادة تشكيل المجتمع، وهو ما يخلق تباينًا يجعل التفاوض غير مجدٍ؛ إذ إن الدولة تسعى إلى ترتيبات سياسية، بينما تفاوض الجماعة على تثبيت واقع سلطوي خارج نطاق الدولة، مبني على عقائد لا تنتمي إلى روح العصر؛ وهو ما يبرز أن اختلال طبيعة الأطراف هي أحد أبرز معوقات السلام.
- يضاف إلى ذلك أن ظهور اقتصاد الحرب الذين انتهجته الجماعة الحوثية كان سببًا في تمسكها بالوضع الحالي؛ إذ تعتمد في دعم عملياتها الحربية الداخلية على الجبايات والسوق السوداء وشبكات التهريب للمخدرات والأسلحة وغيرها؛ مما ولَّدَ لها اقتصادًا موازيًا لاقتصاد الدولة راكمت من خلالها هذه الميليشيا ثروات طائلة للجماعة ذاتها وقادتها، وارتبطت بها مصالح مع عدة أجنحة فيها، وهو ما أكدته تقارير الخبراء المتتالية الصادرة عن الأمم المتحدة.
- كما أن ضعف تنفيذ القرارات الدولية، رغم وجود إطار قانوني واضح- عشرات القرارات الصادرة عن مجلس الأمن تحت الفصل السابع- وعدم التزام إيران بحظر السلاح عزز القدرات العسكرية للجماعة، فضلًا عن ربط مصيرها بإيران، مما جعلها ترفض أي تقاربات سلمية.  
ويمكن قراءة الولًا: الجذور المبكرة للصراع (2004 – 2010)
بدأت الحرب التي أشعلتها الميليشيا الحوثية في محافظة صعدة عام 2004، وأدخلت البلاد في ست حروب متتالية استمرت حتى عام 2010. وخلال هذه الحروب كانت الحكومة تدخل في اتفاقات لوقف إطلاق النار مع الجماعة، لكن اللافت أن الحوثيين كانوا ينْقُضون تلك الاتفاقيات قبل أن يجف حبرها، في سلوك متكرر يعكس طبيعة غير ملتزمة بأي إطار سياسي أو قانوني.
هذه المرحلة المبكرة أرست قاعدة مهمة:
الحوثي لا يتعامل مع الاتفاق كالتزام، بل كتكتيك مرحلي لإعادة التموضع.
ثانيًا: دماج… نموذج الإقصاء بالقوة
في عام 2013، اقتحمت جماعة الحوثي منطقة دماج، وفرضت حصارًا خانقًا استمر قرابة ستة أشهر، انتهى بتهجير طلاب دار الحديث بعد مقاومة طويلة، وهو أمر تكرر مع كل المخالفين فكريًّا للجماعة. لم يكن ما حدث مجرد مواجهة محلية، بل كان رسالة واضحة: أي تنوّع فكري أو ديني خارج إطار الجماعة سيتم اقتلاعه بالقوة. هذا الحدث يعكس أحد أبرز معوّقات السلام:
غياب القبول بالآخر، واستبدال التعايش بمنطق الإقصاء.
ثالثًا: مؤتمر الحوار الوطني… فرصة أُهدرت
انعقد مؤتمر الحوار الوطني في صنعاء (2013–2014) بمشاركة جميع القوى السياسية والمجتمعية، بما فيها الحوثيون، رغم اعتراضات على مشاركتهم في ظلِّ احتفاظهم بالسلاح واستمرارهم في العنف والحرب والتخطيط لاقتحام المدن، وهو ما ظهر لاحقًا.
ورغم ذلك، خرج المؤتمر بمخرجات مهمَّة تمثِّل خارطة طريق لبناء دولة اتّحادية حديثة. لكن في الوقت الذي كانت فيه القوى السياسية تتجه نحو التوافق، كانت جماعة الحوثي تتحرَّك في اتِّجاه مغاير تمامًا؛ إذْ اتخذت من نقاشات أعضائها في مؤتمر الحوار الوطني غطاء لنيَّتها اقتحام المدن وإسقاط الدولة والمجتمع في أبشع عملية انقلاب نفّذت في اليمن في تاريخه المعاصر.
رابعًا: اختطاف الدولة… من عمران إلى صنعاء
في يوليو 2014، اقتحمت الجماعة محافظة عمران واستولت على المعسكرات والأسلحة، وكانت تغطي كلَّ هجوم لها بمزاعم المظلوميات، ثم واصلت زحفها حتى اجتياح صنعاء في 21 سبتمبر 2014، في انقلاب واضح على العملية السياسية تحت شعارات كاذبة متعلقةقدمت على اختطاف مدير مكتب رئيس الجمهورية السابق والأمين العام لمؤتمر الحوار الدكتور أحمد بن مبارك، أثناء توجهه لتسليم مسودة الدستور للرئيس حينها عبدربه منصور هادي لطرحها للاستفتاء.
هذا السلوك يكشف عن أن الحوثي لم يكن طرفًا في العملية السياسية، بل كان يعمل على تقويضها من الداخل.
خامسًا: اتفاق السلم والشراكة… توقيع بلا التزام
بعد سقوط صنعاء، وُقّع اتفاق السلم والشراكة بمشاركة جميع الأطراف، بما في ذلك الحوثيون، لكن الجماعة رفضت تنفيذ أهم بنوده، وعلى رأسها:
الانسحاب من المؤسسات الحكومية والخروج من صنعاء 
تسليم السلاح
الالتزام بالملحق الأمني
وبدلًا من ذلك، قامت بمحاصرة مقرات رئيس الجمهورية والحكومة، ما اضطر الرئيس السابق إلى مغادرة صنعاء إلى عدن، وإعلانها عاصمة مؤقتة.
سادسًا: التمدد العسكري وإشعال الحرب الشاملة
لم تكتفِ الجماعة بالسيطرة على صنعاء، بل واصلت التمدد نحو بقية المحافظات، وصولًا إلى عدن، في محاولة لفرض سيطرة شاملة على الدولة.
هذا التوسع مثّل انقلابًا كاملًا على الدولة والنظام السياسي، ودفع المجتمع الدولي للتحرُّك وإن كان برخاوة لا تتناسب مع الحدث.
سابعًا: قرارات مجلس الأمن وعاصفة الحزم

أصدر مجلس الأمن عدة قرارات تحت الفصل السابع، أبرزها القرار 2216 لعام 2015، الذي:
أدان انقلاب الحوثيين
طالبهم بالانسحاب من المدن والمؤسسات الحكومية. 
طالبهم بتسليم الأسلحة
وقف تجنيد الأطفال وتسريحهم 
عدم عرقلة عمل الحكومة الشرعية
لكن الحوثيين رفضوا الالتزام بهذه القرارات كما يفعل الكيان الصهيوني.
يرى بعض المراقبين أن الحوثي وإسرائيل هما الكيانات الوحيدان اللذان يرفضان تنفيذ الإرادة الدولية بوضوح - ما أدى إلى إعلان الرئيس السابق هادي طلب التدخُّل العسكري من المملكة العربية السعودية والجامعة العربية، وبموجب ذلك أُعلنت عاصفة الحزم في مارس 2015، لدعم الشرعية واستعادة مؤسسات الدولة.
ثامنًا: مسار السلام… حضور شكلي وتهرّب فعلي
منذ عام 2015، عُقدت عدة جولات سلام منها:
مشاورات جنيف 2015م
بيل بسويسرا نهاية 2015م
الكويت 2016م
استكهولم 2018م
جولات أخرى لاحقة
وفي كل هذه الجولات كان النمط متكررًا:
حضور الحوثيين للمفاوضات بعد تلكؤ ومراضاة من المجتمع الدولي. 
المماطلة في التوقيع على المخرجات
التراجع في اللحظات الأخيرة
في مفاوضات الكويت (2016)، التي استمرت ثلاثة أشهر، وافقت الحكومة ووقعت بالأحرف الأولى على الاتفاق التي صاغته الأمم المتحدة بعد استيعاب ملاحظة المتفاوضين. يتضمّن الاتفاق خارطة شاملة للحلِّ السلمي، وأهم مقتضياته تسليم الأسلحة للجنة تشكل لهذا الغرض، وإجراء ترتيبات عسكرية وأمنية، ثم البحث بعد ذلك عن تشكيل الحكومة بعد تسوية الملعب السياسي، لكن الحوثيين -وبعد عودتهم من إيران -رفضوا التوقيع في اللحظة الأخيرة.
وفي اتفاق استكهولم (ديسمبر 2018)، وقّع الحوثيون، لكنهم تهرّبوا من التنفيذ -بعد أن وفّت الحكومة بكل التزاماتها- خصوصًا في ملف الحديدة.
تاسعًا: لماذا يهرب الحوثي إلى الحروب الخارجية؟
برز في السنوات الأخيرة نمط جديد في سلوك الجماعة الحوثية:
الهروب إلى الخارج بتصعيد إقليمي، سواء في البحر الأحمر أم برفع شعارات زائفة كـــ "نصرة غزة". ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل:
1. الهروب من الأزمات الداخلية: تعاني الجماعة من:
أزمات اقتصادية خانقة
انهيار الخدمات
تزايد السخط الشعبي
ولذلك تلجأ إلى تصدير الأزمة إلى الخارج لتشتيت الانتباه.
2. البحث عن شرعية بديلة: في ظل غياب الاعتراف الداخلي تحاول الجماعة تقديم نفسها كجزء من "محور إقليمي" لكسب شرعية سياسية خارجية.

3. الارتباط بالمشروع الإيراني: التحركات الخارجية للحوثيين لا يمكن فصلها عن الدور الإيراني، حيث تُستخدم الجماعة أداة ضغط في الإقليم، خصوصًا في ملفات الملاحة الدولية والطاقة.
4. تكريس اقتصاد الحرب: الحرب بالنسبة للحوثي ليست أزمة، بل مورد، حيث تعتمد الجماعة على:
الجبايات
اقتصاد السوق السوداء
الدعم الخارجي
والسلام يعني نهاية هذا النموذج.
عاشرًا: الخلاصة – من يعيق السلام؟
يتضح من هذا المسار التاريخي والسياسي أن المشكلة ليست في غياب المبادرات، ولا في ضعف الوساطات، بل في غياب الإرادة لدى جماعة الحوثي وكفيلها في طهران للانتقال من منطق الميليشيا إلى منطق الدولة.
فالسلام يتطلَّب التزامًا بالاتفاقات، وقبولًا بالشراكة، واحترامًا للدستور والقانون؛ وهي أمور لم تُظهر الجماعة استعدادًا حقيقيًّا للقيام بها حتى الآن.
إن السلام في اليمن ليس مستحيلًا، لكنه يتطلب معالجة الجذر الحقيقي للمشكلة، وهي وجود جماعة مسلحة ترى في الاتفاقات تكتيكًا، وفي الدولة خصمًا، وفي الحرب وسيلة للبقاء.
وإن أي مسار سلام لن ينجح ما لم يُبْنَ على ضمانات حقيقية للتنفيذ، وتسليم الأسلحة، وإلغاء التشكيلات العسكرية خارج نطاق الدولة، وضغط دولي فعّال، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة، وإلا ستظل اليمن تدور في حلقة مفرغة، عنوانها: اتفاق يُوقّع… ثم يُنقض… ثم تعود الحرب من جديد.ضع وفقًا لما يأتي:
أو

شارك هذا المقال
فيصل المجيدي

فيصل المجيدي

وكيل وزارة العدل

كاتب في مجلة المنبر اليمني.

مقالات ذات صلة

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد
فضاء حر

الخلاص من الحوثيين اليوم أقل تكلفة من الغد

أصبح واضحًا أنَّ تأخير استعادة الدولة وإنهاء انقلاب جماعة الحوثي لا يمنح اليمن فرصةً للسلام، وإنما يمنح الجماعة وقتًا إضافيًّا لتثبيت سلطتها، وتوسيع نفوذها، وتعميق سيطرتها على المجتمع، وكلُّ يومٍ يمرُّ يزيد من قدرتها على التجنيد والقمع والجباية وغسل عقول الأجيال، ويرفع في المقابل كلفة الخلاص منها مستقبلًا؛ فمواجهة الحوثي اليوم، وهو محاصر بسخط شعبي متنامٍ وانكشاف واسع لممارساته، أقلُّ صعوبةً بكثير من مواجهته بعد أعوامٍ أخرى يكون قد أحكم فيها قبضته، ورَبَّى جيلًا كاملًا على ثقافته الطائفية، ورسّخ أجهزته الأمنية والعسكرية، وحوّل حياة الناس ومؤسساتهم ومواردهم إلى أدوات تخدم مشروعه وسلطته.

محمد علي العسليمحمد علي العسلي28 أغسطس 2026
إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع
فضاء حر

إرشاد السامع إلى جواز أخذ أموال الشوافع

الحوثي كسلفه من غلاة الجارودية الذين يرون حقيقةً أن غالبية الشعب اليمني، وهم الشافعية السنة، كفارٌ أو هم في حكم الكفار؛ ويسمونهم في ثقافتهم: «كفار التأويل»!

د.عبدالله بن غالب الحميريد.عبدالله بن غالب الحميري22 أغسطس 2026
رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين
فضاء حر

رسالة إلى كل متخادم مع الحوثيين

لا تكن ظهيرًا للمجرمين

د محمد بن موسى العامريد محمد بن موسى العامري18 أغسطس 2026